سنة أولى (وأخيرة؟) إخوان.. شهادة على فشل الإخوان في حكم مصر

الخميس 2013/11/21
مشروع النهضة الاخواني.. بروباغندا انتخابية سقطت مع أول امتحان

يصدر قريبا للكاتب والصحفي المصري سعد القرش، كتاب جديد يحمل عنوان «سنة أولى (وأخيرة؟) إخوان». والكتاب، الذي ننشر جزءا من فصوله، كما جاء في مقدمته: «شهادة على 369 يوما هي عمر الإخوان المسلمين في حكم مصر، وكرما من الشعب منحهم 72 ساعة إضافية من قيظ شهر يوليو 2013، تسمح لهم بجمع أغراضهم والرحيل».

كان شعار الإخوان في الانتخابات البرلمانية في نهاية 2011 «نحمل الخير لمصر». شعار استشراقي، ربما يذكرنا بخطابات من هذا النوع. هل تذكر بيان نابليون حين بلغ القاهرة؟ شعار يشي بأنهم غير مصريين، ويبدون حسن النية مع «مصر»، ذلك البلد الآخر. ثم كان «مشروع النهضة» عنوانا لحملة مرسي في انتخابات الرئاسة، وبعد الفوز قالوا إن مشروع النهضة مجرد فكرة، مشروع عمره ألف سنة مما تعدون ويحتاج إلى 25 عاما ليؤتي ثماره، وتعاملوا مع «الدولة» بمنطق تنظيم سري يريد خلق مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة، ولكنها تدار في الخفاء، ربما تأكد لهم أن الشعب الذي ثار ضد مرسي منذ الإعلان غير الدستوري لن يطالب بأقل من استرداد «الدولة» التي تتعرض للتفريغ والتآكل والأخونة، وهو اختبار لم تتعرض له منذ غزو الإسكندر عام 332 قبل الميلاد.

أسيء فهم مصطلح «الدولة العميقة»، كأنها دولة مبارك أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة. المصطلح أكبر من ذلك وأعمق، إنها الدولة التي لها قوانين بيروقراطية تزيد على 4700 عام، لوائح أكبر من الحاكم نفسه. طلب أنور السادات الملف الخاص بالصحفي مصطفى أمين، وكان ينفذ حكما بالسجن المؤبد، بعد اتهامه في قضية تجسس عام 1965، وجيء له بصورة من الملف، فقال لرئيس جهاز المخابرات العامة: «أريد الملف الأصلي، لا نسخة منه». فرد عليه ببضع كلمات: «يا أفندم، الجماعة في الجهاز يقولون إن هذا ممنوع». انتهى الحوار، وانتصر القانون على رئيس البلاد. في زيارة مناحيم بيجن لمصر طلب زيارة قاعدة عسكرية بحرية، ولكن قائد القاعدة رفض، وقال للسادات: «هذا ممنوع يا أفندم، هل سمحوا لسيادتك هناك بزيارة قاعدة عسكرية بحرية إسرائليلية؟». واحترم السادات لوائح «الدولة»...

وجاء يوم 30 يونيو عاصفا، وكان على المصريين أن يختاروا بين الثورة السلمية التي تريد تصحيح مسارها وتنظيم له ميليشيا، يصطف خلفه قادة السلفية الجهادية قتلة الجنود في سيناء، وعاصم عبد الماجد المتهم بالاشتراك في قتل 118 جنديا ومواطنا في عيد الأضحى، وصفوت حجازي صاحب نظرية «الرش بالدم»، ومحمد بديع: «سنحمي الشرعية بدمائنا»، وطارق الزمر المشارك في اغتيال السادات: «سنسحقهم يوم 30 يونيو»، وأيمن الظواهري: «سنقدم الضحايا والقرابين».

ما يربط يومي 11 فبراير 2011، و30 يونيو 2013 أنهما يوما غموض بامتياز. لم يكن لأحد أن يتنبأ كيف ينتهي اليومان، ولكن الفارق بينهما أنه في اليوم الأول نسب النجاح إلى الذات الإلهية باعتبارها أسقطت النظام، وفي اليوم الثاني ينسب النجاح لبشر إرادتهم من إرادة الله. كان الخوف أقرب إلى غيوم أحاطت بيوم 11 فبراير 2011، كنا نخشى ألا تخرج الجماهير بالعدد الكافي لإسماع العالم أن في مصر ثورة تسعى، ولكن الشعب خرج وقال كلمته، خرج مسالما يحمل «الكارت الأحمر»، وبعد أربعة أيام (3 يوليو 2013) احتفل بالنصر، بالعزل الشعبي للإخوان، بعد أطول يوم تعيشه مصر، 30 يونيو 2013 الذي بدأ بجريمة الاتحادية يوم 5 ديسمبر 2012 وانتهى في 3 يوليو 2013. لم نسمع في ميدان التحرير شعارا يهين ذكاء الشعب وإرادته، مثل «الله وحده أسقط النظام». كان الشعار مصريا لا طائفيا: «الشعب خلاص أسقط الإخوان»، ثورة شعبية تتدفق فيها الدماء، ويوم تاريخي أعلن عنه قبل 60 يوما، حين أعلنت حركة «تمرد» أنه اليوم الأخير لمرسي، ذاك الرجل الذي حكم مصر عاما و72 ساعة، بدا لي أقرب إلى أبطال التراجيديا الإغريقية، يتعثر في أخطاء وخطايا تسهم في البناء الثوري، وتؤكد نجاح موجة ثورية أعلن عنها قبل انطلاقها بشهرين كاملين. كان مرسي يمضي إلى نهايته. سقطت ضحايا، أبرياء وغير أبرياء، والمشهد مرشح لمزيد من الدماء. كدنا نرى هذا المشهد قبل إعلان فوز مرسي الذي رفض فكرة فوز منافسه قائلا: «لن يكون».

كنا سنرى هذا المشهد بعد ثلاث سنوات، في نهاية الفترة الرئاسية لمرسي؛ فالفاشيون يرون الديمقراطية مجرد وسيلة، إجراء ديمقراطي للوصول إلى الحكم، لا ممارسة تتيح تداول السلطة، ولكن عجلة الثورة تمضي في اتجاه واحد، إلى المستقبل. في عام واحد نجح مرسي وجماعته وحزبه في ما فشل فيه احتلال متصل دام أكثر من 33 قرنا، منذ غزو الإسكندر عام 332 قبل الميلاد. لم يتح لأي احتلال من العبقرية ما يمكنه من استعداء الجيش والشرطة والقضاء والأزهر والكنيسة والإعلام والنقابات والاتحادات الطلابية والنخبة الثقافية والسياسية، وعموم الشعب.

7