سنة العراق يريدون من العبادي أفعالا لا أقوالا

الخميس 2017/11/02

نتفق مع التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة على أن رئيس الحكومة العراقية الحالية حيدر العبادي يختلف في السلوك والمسار والخطاب عن سلفه نوري المالكي الصاخب شيعيا والمتعجرف حزبيا، والذي لم تسفر تجربته على رأس السلطة التنفيذية وقيادة القوات المسلحة على مدى ثلاث سنوات ونصف السنة عن نتائج ملموسة على صعيد الكثير من القضايا، أبرزها المصالحة الوطنية وتعمير المحافظات التي نكبت باحتلال داعش والعمليات العسكرية، إضافة إلى غياب الإجراءات اللازمة لإعادة النازحين إلى ديارهم وسحب ميليشيات الحشد من مناطقهم.

ونؤيد دعوات السعودية والإمارات وقطر والأردن إلى زيادة مشاركة السنة العرب في العملية السياسية وفق سقف الدستور ومساندة العبادي في تطبيق سياسات التغيير والإصلاح التي يتبناها.

ولكن المطلوب من هذه الدول الجارة والشقيقة والصديقة، أن تتعاطى مع العبادي على أساس ما ينفذه من خطوات تعيد اللحمة الوطنية وتنهي نظام المحاصصات الطائفية وتلغي تشريعات الاجتثاث وإبعاد ميليشيات الحشد عن المحافظات العربية السنية وتكريس القانون وتعزيز الأمن والاستقرار ومصادرة السلاح المنفلت.

نقول هذا الكلام عقب النجاح النسبي الذي أحرزته أطراف سياسية سنية في اجتماعها الأخير الذي عقدته بعيدا عن الأضواء ووسائل الإعلام في تركيا، وقررت أن تقدم المزيد من الدعم للعبادي والالتفاف حوله في مواجهة تحديات داخلية وخارجية تعمل على إضعافه شخصيا وسياسيا، وتسعى إلى تطويقه والضغط عليه لتنفيذ أجندة إيرانية تقود العراق والمنطقة إلى صراعات وحروب جديدة تنتج آثارا وخيمة على السلم والأمن الدوليين والضحية دائما الشعوب والبلدان التي تنشد الاستقرار والتنمية بعيدا عن التطرف والاحتقان.

وحتى ينجح العبادي في مسؤولياته وينشط في تنفيذ مهماته التي التزم بها أمام التحالفين الدولي والعربي وتركيا، عليه أن يغادر عضويته في حزب الدعوة، وهي عضوية باتت صورية بعد أن أحكم المالكي قبضته على الحزب مستخدما القوة والمال اللذين حصل عليهما خلال ولايتي حكمه (2006 ـ 2014) في تكريس مكانته السياسية، لأن وجود العبادي في تشكيلة هذا الحزب ولو شكليا، لا يثير مخاوف السنة العرب في العراق فحسب، وإنما الكثير من الأطراف الشيعية والكردية، التي تصنفه حزبيا رغم أنه رئيس مجلس الوزراء العراقي وقائد عام القوات المسلحة العراقية.

إن المرحلة المقبلة التي تبدأ مطلع عام 2018 بعد الانتهاء من مشكلات تنظيم الدولة الإسلامية وإنهاء احتلاله لمناطق غربي العراق، تحتم على العبادي اتخاذ سلسلة من الإجراءات أبرزها: تنظيم قوات الحشد الشعبي وفق سياقات عسكرية منضبطة تتمثل في استيعاب الجنود والأفراد في تشكيلات الجيش والشرطة ممن لم يتورطوا في عمليات القتل والتخريب، بعد تدقيق نزيه في ملفاتهم خلال اشتراكهم في المعارك التي شهدتها المناطق والمحافظات السنية ضد داعش.

وسيكون على العبادي إبعاد الضباط “الدمج” وأصحاب الرتب العشوائية، والملالي الذين يتولون حاليا مسؤوليات التوجيه الديني والسياسي لدى فصائل الحشد، وإعادتهم إلى أعمالهم ومهنهم السابقة.

وفي حال لم يحسم أمر هذه الفصائل، فإن استمرار هذه الميليشيات في سيطرتها واحتلالها للكثير من المدن والمحافظات سيخلق حساسيات في هذه المناطق من شأنها عودة عمليات العنف إليها، وهو ما تنتظره خلايا داعش النائمة والخفية لتبدأ دورة جديدة من القتال وتعكير الأجواء والعودة إلى المربع الأول من الحرب على الإرهاب.

والإجراء الثاني الذي على العبادي اتخاذه هو السعي إلى تأجيل الانتخابات النيابية المقبلة، المقرر تنظيمها في نهاية ابريل 2018، لأن الظروف التي يمر بها العراق حاليا والمتوقع استمرارها إلى ذلك التاريخ لا تساعد على إجرائها، وسط مدن ومحافظات مهدمة ومقفرة من سكانها الذين ما زالوا نازحين سواء في إقليم كردستان أو تركيا أو الأردن، دون ظهور مؤشرات على الأرض تؤكد أنهم عائدون إلى ديارهم في المدى القريب.

بالتأكيد سيواجه العبادي تحديا قويا من زعيم حزب الدعوة نوري المالكي وحلفائه قادة الميليشيات، الذين يريدون إجراء الانتخابات المقبلة بـ“من يحضر” في محاولة منهم لتثبيت مواقعهم السياسية والعسكرية والأمنية، وفرض نواب مرشحين من قبلهم في المناطق العربية السنية، والاستمرار في ملاحقة الشخصيات المعارضة للتمدد الطائفي من المشهد السياسي، ليتسنى للمرتزقة وعملاء إيران و“سنة المالكي” الترشح إلى تلك الانتخابات والنجاح فيها بالتزوير والإكراه، خاصة وأن مفوضية الانتخابات الجديدة شكلت وفق المحاصصات الطائفية وبضغط من المالكي وقادة الميليشيات، وضمت تسعة أعضاء منهم خمسة شيعة، يمثلون حزب الدعوة جناحي المالكي وخضير الخزاعي، رياض غازي ومعتمد نعمة عبدالمحسن، وثالث من ميليشيات بدر واسمه أحمد رحيم بشارة ورابع عن المجلس الأعلى وتيار الحكيم ويدعى حازم الرديني، وخامسهم كريم التميمي ويمثل التيار الصدري، فيما توزع الباقون الأربعة على حزب الاتحاد الوطني الكردي، رزكار حمة محيي الدين وحركة التغيير سعد محمد أمين، والحزب الإسلامي وممثله معن عبدحنتوش وكتلة الحل وممثلها غسان فرحان.

يستطيع العبادي بدعم الولايات المتحدة والأمم المتحدة، تأجيل الانتخابات المقبلة، خصوصا وأن بعثة المنظمة الدولية أبلغت أطرافا سياسية محلية وأخرى خارجية بصعوبة إجراء انتخابات شفافة ونزيهة في أبريل المقبل، ما دام أربعة ملايين نازح لا يستطيعون العودة إلى مناطقهم.

السنة العرب الذين عاشوا الاضطهاد والتهميش والإقصاء ليسوا على استعداد للمشاركة في العملية السياسية السائدة ومعاونة العبادي وهم لم يلمسوا شيئا مفيدا منه غير الوعود والتصريحات، وبالتالي فإنهم سيضطرون إلى الاتجاه إلى خيارات أخرى تؤمن حياتهم وتوفر لهم الحرية والعمل بلا تسلط أو تدخلات من الآخرين.

كاتب عراقي

8