سنة العراق يواجهون إشكالية تمثيلهم سياسيا في مرحلة ما بعد داعش

تجهد الكتل السياسية السُنيّة العراقية عبر اجتماعاتها العلنية والسرية لتحديد مستقبل العرب السنة في العراق في مرحلة ما بعد تنظيم داعش، لكن ثمة اختلافات وتقاطعات كثيرة قد تفضي بسنة العراق إلى عدم الاتفاق على رؤيا موحدة.
الجمعة 2017/06/23
وجوه استهلكت ولم تعد قابلة للتسويق

عمّان - لا يستطيع أحد أن يتنبأ كيف ستؤثر التجربة القاسية للمحافظات السنية العراقية مع تنظيم داعش بعد هزيمة التنظيم المتوقعة، فذلك مرتبط بالكيفية التي ستتعامل بها الحكومة العراقية وطبيعة الوضع السياسي في العراق ما بعد داعش.

لكن مراقبين سياسيين يتوقعون وجود إمكانية لاقتراب العرب السنّة عموما من الطروحات العلمانية والوطنية والابتعاد عن الإسلاميين، إذا ما خفتت الطروحات الطائفية وتراجعت أدوار رموزها، وتعززت قوة الدولة، خصوصا وأن أصوات السنة بدأت ترتفع باتهام قياداتهم الإسلامية بالفساد والإثراء على حساب الناس ومصائبهم.

وتجهد الكتل السياسية السُنيّة نفسها، عبر اجتماعاتها العلنية والسرية، لتحديد مستقبل العرب السنة في العراق في مرحلة ما بعد تنظيم داعش، لكن ثمة اختلافات وتقاطعات كثيرة قد تفضي بسنة العراق إلى عدم الاتفاق على رؤية موحدة، خصوصا وأن نظرة أبناء العشائر السُنيّة في المناطق المستعادة من داعش إلى مستقبل هذه المناطق مختلفة تماما عن نظرة تلك الكتل السياسية.

فرأي العشائر العربية التي شاركت بقتال التنظيم اختلفت، بل وتقاطعت، في بعض الأحيان، مع رؤية النخب والقيادات السياسية السُنيّة، إذ تتهم العشائر بعض تلك الكتل ساهمت بقتل وتهجير أهل السنة من مناطقهم بتهمة تعاونهم مع داعش، وترفض أن يكون هناك دور للكتل والاحزاب السُنيّة، سواء المشاركة في العملية السياسية أو المعارضة لها، في رسم مستقبل السنة.

وأعلن أبناء عشيرة البونمر في الأنبار، الذين قاتلوا تنظيم داعش لسنوات، أنهم سيخوضون الانتخابات المقبلة بالتحالف مع الشيعة، وسيكتسحون الشارع السني وسيسحبون البساط من تحت أقدام الأحزاب السُنيّة التقليدية، التي لا تبحث إلا عن المصالح الشخصية لقياداتها.

ويقول أحد أبناء عشيرة البونمر لـ”العرب” طالبا عدم ذكر اسمه، إن الكثير من أهل السنة يرفضون رهن مصائرهم ومستقبلهم بيد الأحزاب السياسية، مؤكدين في الوقت ذاته، تمسك سنة العراق الوطنيين بوحدة البلد، لكنهم يقولون إنه إذا تم فرض الفيدرالية على المناطق السُنيّة فإن من سيديرها هم أهل السنة الذين قاتلوا ودافعوا عن أرضهم وليس الكتل السياسية.

ويسود اعتقاد، على نطاق واسع، أن ثقة أهالي المناطق المحررة بالسياسيين تكاد تكون شبه معدومة، لأنهم يناقشون أمورا من قبيل توزيع المناصب والتوازن الوظيفي والمشاركة بالقرار وهي أمور لا تهم البسطاء من الناس بقدر ما يهمهم توفير الحياة الآمنة وأن تتم معاملتهم بعيدا عن الاتهامات المسبقة بدوافع طائفية أو عرقية.

وفي المقابل، فإن العشائر، التي قاتلت داعش، ستدفع بالبارزين من أبنائها للمشاركة في التركيبة السياسية، ما سيجعل خارطة السياسة في المناطق السُنيّة تشهد منافسة قوية بين الساسة التقليديين وأبناء العشائر، قد تسحب البساط من تحت أقدام الكتل والأحزاب السُنيّة التي ادعت تمثيلهم على مدى أكثر من الثلاثة عشر عاما الماضية.وسجل الإسلاميون السُنّة حضورهم، منذ تشكيل الدولة العراقية سنة 1921، إلا أنهم لم يظهروا كقوة منظمة في حزب سياسي إلا في وقت متأخر، إذ كان وجودهم يتمثل بصفة مراكز قوى داخل الدولة لاعبين أدوارا مؤثرة في أحداث مهمة، إلاّ أنهم كتنظيم ظهروا في المراحل المتأخرة من العهد الملكي ثم أعادوا تنظيم أنفسهم تحت اسم الحزب الإسلامي الذي يمثل امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين بعد الإطاحة بالملكية في 14 يوليو 1958.

وفي مطلع أبريل الماضي عقد الحزب الإسلامي العراقي سلسلة اجتماعات متتالية، لإعادة هيكلته وتفادي الهزيمة في الانتخابات، مقررا تشكيل أحزاب عدة مع الإبقاء على الحزب الأم، على أن تكون هذه الأحزاب مناطقية، بحيث يمثل حزب محافظة بعينها، وستكون المحافظات الأساسية، بالإضافة إلى العاصمة بغداد، هي الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى، التي تلظت بنيران داعش.

إمكانية اقتراب العرب السنة من الطروحات العلمانية والوطنية إذا ما خفتت الطروحات الطائفية وتراجعت أدوار رموزها

وإلى جانب خطوة إخوان العراق ليكونوا جزءا من مرجعية سنية دينية سياسية موحدة، فهم يزرعون أعضاءهم في مختلف الحركات السياسية، تخوفا من السياسة الأميركية الجديدة، لتحجيم الدور الإيراني في العراق خاصة وأن واشنطن تَعُد الحزب الإسلامي جزءا مقربا من السياسية الإيرانية في المنطقة، وهو ما جعل الإخوان يتحسبون من أن الإدارة الأميركية ستعمل باتجاهين؛ الأول هو تقليص دور الحزب الإسلامي في المنطقة السُنيّة، والثاني هو إبعاد الحزب ذاته عن منظومة السياسة الإيرانية.

وأعلن رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري أن ظروف البلاد تتجه إلى الدولة المدنية بأسس قانونية وليس بمفاهيم فكرية للإخوان المسلمين وسواها من الحركات الإسلامية، لكن التجمع المدني للإصلاح، الذي يتزعمه الجبوري، لا يعدو أن يكون فرعا للإخوان المسلمين في العراق.

وينطبق الوصف ذاته على حزب الحق العراقي بزعامة أحمد المساري وحزب المسار المدني بزعامة عبدالقهار السامرائي، وحزب المجد العراقي بزعامة طلال الزوبعي، بل ويطال التوصيف ذاته حزب الغد العراقي بزعامة النائبة عن محافظة ديالى ناهدة الدايني.

وينظر أبناء المحافظات، التي تحررت من داعش، إلى هذه الأحزاب على أنها أحزاب كرتونية، مما دفع بشخصيات داخل الحزب الإسلامي إلى تأييد المشروع العربي بزعامة خميس الخنجر وربما تتحالف معه في الانتخابات المقبلة، وأخرى إلى تأييد المشروع الوطني العراقي بزعامة جمال الضاري.

أما الأحزاب السُنيّة الأخرى فهي، حزب “للعراق متحدون” بزعامة أسامة النجيفي، الذي أعلن في بيان التأسيس في 12 مايو 2017، أن أهم أهدافه “إنقاذ البلاد بالتعاون مع القوى السياسية الكبرى”، وحزب الحل بزعامة جمال الكربولي وأمينه العام هو النائب محمد الكربولي، وحزب القوى الوطنية بزعامة النائب محمد الحلبوسي، والذي من قياداته محمد تميم وصلاح مزاحم وشعلان الكريم وأحمد الكريم، بالإضافة إلى المشروع العربي في العراق، بزعامة خميس الخنجر، الذي يوصف بأنه “صانع الملوك” ومهندس تشكيل “القائمة العراقية” برئاسة إياد علاوي، ويسعى إلى استخدام ثروته الطائلة لإقامة منطقة حكم ذاتي للسنة في العراق.

أمّا المشروع الوطني المعارض، بزعامة جمال الضاري فيتهمه منافسوه بأنه المحرك الأساس لتأجيج الطائفية في العراق بدعم قطري، بل إن بعضهم لا يتوانى عن الإعلان صراحة بأن قطر تخطط لإنتاج زعيم سُنيّ موال لها تماما.

ويرفض الضاري هذه الاتهامات بشدة، ويصفها لـ”العرب” بأنها مصممة لغرض التشويه المسبق والمتعمد للمشروع، منوها إلى أن المشروع الوطني العراقي كيان غير سني ولا شيعي، وبالإمكان التأكد من ذلك بمراجعة بسيطة لهويات المؤسسين وأعضاء اللجنة المركزية المنتخبين، الذين هم شخصيات من جميع الطوائف والأديان، ومؤكدا أن الجهد الميداني للمشروع وقواعده الجماهيرية ينتشر في مختلف المحافظات من دون تمييز طائفي أو مناطقي.

وفي مأدبة إفطار للصحافيين، الذين يتابعون نشاطات مجلس النواب العراقي أقامها الثلاثاء رئيس المجلس سليم الجبوري، أعلن أن زعيم المشروع العربي في العراق خميس الخنجر ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي ورئيس مؤسسة الشرقية سعد البزاز والأمين العام لائتلاف القوى السنية في العراق وضاح صديد سيحضرون في عيد الفطر، بعد أيام، إلى بغداد لغرض مساندة العملية السياسية وإبرام التسوية التاريخية معهم.

ويقود ما سبق إلى أن جميع الأحزاب السُنيّة، التي أعلن تشكيلها مؤخرا هي قيادات بلا قواعد شعبية، وأن ثمة غضبا شعبيا سُنيّا عارما على القيادات السُنيّة، التي عجزت عن تقديم شيء للمحافظات التي تعاني التدمير والخراب منذ الاحتلال الأميركي للعراق الى اليوم.

ويجاهر كثيرون بأن المرحلة المقبلة ستشهد ظهور قيادات سياسية جديدة تمثل العشائر السُنيّة، التي قاتلت ضد داعش، والتي ليس مستبعدا أن تهزم الخط الحزبي المتعارف عليه، وربما يقود ذلك حكومة بغداد والكتل السياسية الأخرى إلى تفضيل التعامل مع العشائر السُنيّة أكثر من التعامل مع الأحزاب السُنيّة، نظرا لقدرة أبناء العشائر على أن يساعدوا على استقرار مناطقهم ويمنعوا التنظيمات الإرهابية من اختراقها كما حدث في الماضي.

3