"سنة القراءة الخطرة" كتاب عن خمسين كتابا عظيما تنقذ الحياة

الكاتب البريطاني آندي ميلر تناول في كتابه "سنة القراءة الخطرة" مذكراته خلال السنة الـ40 من حياته التي بدأها مسؤولا في متجر لبيع الكتب.
الثلاثاء 2018/08/14
محاولة صادقة لقراءة الكتب

 “لقد عشت هذا الكتاب ثم فكرت في كتابته لسنوات طويلة، ثم كتبته أخيرا”، هكذا تحدث الكاتب البريطاني آندي ميلر عن كتابه “سنة القراءة الخطرة”، ويذكر في المقدمة أن الكتاب “ولد من محاولة صادقة لقراءة عدد من الكتب التي نجحت في تفاديها عبر سبع وثلاثين سنة من الحياة”، ويتحدث ميلر عن كتابه باعتباره حياة عاشها وباعتباره كائنا حيا مولودا، لذا أعقب العنوان الرئيسي بآخر فرعي طويل “كيف استطاع خمسون كتابا عظيما إنقاذ حياتي؟”.

يطول العنوان كثيرا ويوحي بتشابه محتواه مع تلك الكتب التي قدمها ألبرتو مانغويل، لكن ابتداء من المقدمة نلمس الفارق الجوهري، وقد عبر عنه الكاتب البريطاني آندي ميلر بقوله “حاولت أن أدمج هذه الكتب في الحياة اليومية التي نعيشها”، ويصفه بأنه يمكن اعتباره نوعا من النقد الأدبي، لكنه أيضا كتاب مذكرات، فثمة تماس وتداخل بين حياة صاحب الكتاب وبين الكتب التي يتناولها. ويراه صاحبه قريب الصلة من كتاب هنري ميلر “الكتب في حياتي”، حيث وصف الكتب بأنها  “كانت أحياء، وكانت تتحدث معي”، يستعير المؤلف هذه المقولة لأنها تقبض على نوعية الكتب التي كان يلهث خلفها طوال سنة القراءة الخطرة.

الكتاب الذي ترجمه إلى العربية محمد الضبع وأصدرت منه دار كلمات الكويتية ست طبعات خلال عامي 2016، 2017، يحكي قصة السنة الـ40 من حياة صاحبه الذي بدأ حياته مسؤولا في متجر لبيع الكتب، وهناك تعرف على زوجته التي كانت زميلة له في العمل، قبل أن يمارس الكتابة ويعمل محررا أدبيا لدى إحدى دور النشر.

يتذكر “كنت محررا للكتب، لقد عملت مع دار نشر في لندن، وجلست أمام أكوام من الأوراق تتزايد كل يوم، وكنت أحاول اختيار الجيد من السيء لمعرفة ما يستحق النشر وما يستحق النسيان، ما يمكن إنقاذه بشيء من التعديل، وما يمكن إلقاؤه في سلة المهملات”.

نوع من النقد الأدبي
نوع من النقد الأدبي

كان قد أمضى السنوات الثلاث السابقة على “سنة القراءة الخطرة”، بعيدا عن الكتب، فكانت قوائم الكتب التي يود قراءتها تطول وتشمل عناوين من الكلاسيكيات ومن كتب أخرى حديثة، وتضم روايات وكتبا في السياسة والفلسفة، كان يكذب بشأنها ويدعي أنه قرأها، ويتحدث عنها في مجالسه الخاصة وفي مسامراته مع الأصدقاء، مع أنه استمرأ حالة اللاقراءة، لكنه فجأة أفاق واكتشف أنه أهدر حياته بعيدا عن القراءة، التي تعلق بها منذ كان طفلا. لكنه أقلع عنها تكاسلا، أو هربا من صعوبتها، أو لإمكانية الادعاء بأنه قرأها.

لذا قرر أن يستعيد علاقته بالكتب، وعكف على قوائمه الكثيرة ليستخلص منها 50 كتابا، راعى أن أطلق عليها “قائمة الإصلاح”، بمعنى أنها أصلحت حياته، وقال عنها “عندما بدأت بالقراءة كانت أقل من هذا العدد بكثير، ولكنني كنتُ مستمتعا جدا ولم أستطع التوقف. وفي عصر كهذا نجد أنفسنا غير قادرين على مقاومة قوائم قرائية كهذه، ولأننا دائما ما نكون في حالة من الاستهلاك للمعلومات وإصدار قرارات وأحكام سريعة بشأن كل شيء، فلذلك نجد أنفسنا ننجذب باتجاه قوائم الأفضل والأسوأ”.

اختار القائمة التي تحتوي على الكتب التي يشعر بالخجل لأنه لم يقرأها، وقاوم أي رغبة في إضافة غيرها طلبا للتركيز، ووفر الكتب، وأشهد زوجته عليها ليؤكد عزمه على الإنجاز. يسرد الكاتب تفاصيل كثيرة عن طقوسه الصباحية منذ الاستيقاظ قبل أن يمسك برواية ميخائيل بولجاكوف المعلم ومارجريتا، الرواية التي منعت من النشر في حياة كاتبها، أعادت القارئ آندي ميلر للحياة من جديد، بحسب تعبيره، ويضيف “شفافية الدهشة التي أشعر بها من قراءة كتاب كهذا بعد فترة طويلة من عدم القراءة تعتبر بحد ذاتها مفاجأة مجزية”.

في الرواية التي تفترض أن الشيطان هبط في موسكو، يتابع ميلر حديثا بين برليوز والبروفيسور المجنون الذي يصيح به “سوف يقطع رأسك” وفي ختام الفصل يقرأ “اختفي برليوز من النظر أسفل الترام، وتدحرج جسم دائري مظلم على الرصيف. كان رأسا مقطوعا”.

يعتبر آندي ميلر تلك اللحظة فارقة، فبعدها تتخذ حياته مسارا مختلفا، قبل أن يوضح كيفية تغيير المسار، وقبل أن يكمل لنا قصتها يتوقف مع مؤلفها الذي حرق مسودتها الأولى إثر إبلاغه بقرار السلطات السوفييتية منع عرض مسرحيته “عصابة المنافقين”، ويعود بعد 5 سنوات ليحرق مسودتها الثانية، وفي أبريل 1936 ينتهي من كتابة المسودة الثالثة التي تنشر بعد رحيله لتكلل بالنجاح جهودا استمرت أرملة الروائي في بذلها لربع قرن.

الرواية استغرقت من صاحب “سنة القراءة الخطرة” خمسة أيام “لكن سحرها امتد لفترة أطول بكثير”، فالصفقة التي تعقدها مارجريتا مع الشيطان تمنح المعلم الأبدية، يقول ميلر “سر المعلم ومارجريتا يبدو أنه ينجح في التأثير على عدد لا يحصى من البشر”، ثم يردف ساخرا “وهذا ما لا تحصل عليه عند قراءة دان براون”.

في مقابل الخمسين كتابا العظيمة التي أنقذت حياة آندي ميلر، ثمة كتابان ليسا كذلك مؤلفهما هو دان براون، منهما “شفرة دافنشي” التي يراها آندي ميلر “نوع من الهراء.. وسيئة جدا.. ومشتتة”.

15