سنة دبي الجديدة: ضوء في عتمة العرب

الثلاثاء 2014/01/07

حين تحل مناسبة العام الجديد نتذكر من جديد الفرق بين الشمال المزدهر والجنوب المضطرب. في الشمال يدور الفرح حول ساعة الإنجازات الجيدة في العام السابق والوعود الوردية المنتظرة في العام الجديد، وفي الجنوب تدور رحى آمال الشعوب حول التخلص من آلامها وتخلفها وشقاء معيشتها. وفي العالم العربي هذا العام حدث ولا حرج عن بؤر البؤس والشقاء والموت، إلى درجة أنك تحاول التقاط بصيص ضوء في نفقنا المظلم يمنحك معنى للبقاء والصمود وتحدي الواقع، الذي ينذر بشرور مستطيرة لن تبقي أخضرا ولن تذر يابسا.

لم يكن على خارطة هذا العالم العربي من أضواء مع دخول السنة الجديدة غير أضواء دبي، بينما كانت عتمة الحروب والتخلف والبؤس تعم أغلب المدن العربية من مصراتة إلى الأنبار. كانت دبي، كالعادة، تتلبس حالة (الأمل) العربي الوحيد، الذي يثير شيئا من التفاؤل في مقابل أسراب الغربان التي تنعق في مشارق الأرض العربية ومغاربها. وكان الإنسان العربي، من المحيط إلى الخليج، يضع هذه المدينة الناجحة والنموذجية قبلة لطموحاته ومستقبل أولاده.

تمضي دبي داخل هذا الحزام العربي البائس إلى شأنها الاقتصادي الداخلي محققة في سنتها السابقة أكبر إنجاز بفوزها باستضافة أكسبو 2020 الذي اختارت له شعار: “تواصل العقول وصنع المستقبل”. وهي بذلك تؤشر، بصورة أو بأخرى، عن فقدان العقل العربي لصوابية اختياراته بين الحياة والموت والتقدم والتخلف والحضور والغياب بين أمم الأرض، التي تتسابق إلى مستقبلها الاقتصادي والتكنولوجي في الوقت الذي يوزع رئيس وزراء العراق، على سبيل المثال، بطاقات الطائفية على كل عابر إلى إعتصامات الأنبار ويخوض بالوكالة عن إيران معركة حرق أرض الرافدين.

لقد كانت دبي في أول العام الجديد إطلالة مشرقة على عالم عربي مظلم من مصراتة إلى دمشق، من غير أن نستثني صنعاء أو القاهرة، التي ينفذ فيها الإخوان (الفاسدون) مشروعهم الشهير للنهضة عبر السيارات المفخخة التي لم تعرفها مصر في تاريخها. وهو، بالمناسبة، مشروع كل جماعة سياسية إسلاموية لا تعرف من مشاريع النهوض سوى التفخيخ وبرك الدماء وأشلاء القتلى. وحين تنوب دبي عن القاهرة في إشعال فرح السنة الجديدة، فهذا يعني أن الأولى نجحت في فهم واقع التطرف الديني وقلمت أجنحته لكي لا ينقض على إرادتها ومكتسباتها التنموية.

القاهرة وغيرها من عواصم عربية أخرى فقدت بهجتها لصالح دبي بعد أن لعبت أنظمتها السياسية السابقة بورقة الإسلامويين ومكنتهم من حواضن النمو والتمدد في أوصالها الاجتماعية. وحين حانت ساعة الحقيقة، أكثر من مرة، أثبتوا أنهم ليسوا معنيين سوى بأجنداتهم ومطامحهم الشخصية ومطامعهم في السيطرة على رقاب البلاد والعباد. وهاهم الآن، وجماعة الإخوان على رأسهم، يحرقون مكاسب الحاضر واحتمالات المستقبل، بعد أن سدت الطرق على مؤامراتهم الداخلية والخارجية.

لقد كان الإسلام السياسي، الذي تجنبته دولة الإمارات، لطبيعة أهلها وحذر سياسيها، وهزمته دبي لصالح التنمية، من بين الأسباب الرئيسية لتخلف الدول العربية الكبرى سياسيا واقتصاديا وفكريا، إذ ما دمت لم تستوعب دروس التطرف وما تجنيه إرتكاباته ونتائجه على مسيرتك الوطنية وخطط التنموية، كدولة ومجتمع، فإنك تدفع الثمن، ليس في أمنك فقط، بل قد يكون الثمن الباهظ وجودك نفسه، حين تكون مهددا، من جراء هذا التطرف واللعب بأوراقه السياسية، بالتفكك والتشظي إلى أجزاء متناحرة كما يحدث في العراق الآن.

كان العراق، المرشح أبدا للازدهار بما يملكه من تاريخ وثروات وإمكانات طبيعية وبشرية، مسرحا لثلاث حروب كبرى في المنطقة، وهو الآن مرشح ليكون أول الدول العربية القابلة للتفكك وحروب الحدود المحلية بين مناطقه وطوائفه وإثنياته. وهو أمر لن يتوقف عند حدوده، كما لم تتوقف حروبه السابقة وطائفياته الحالية عند هذه الحدود. ولذلك، مع شديد الأسف، أصبح العراق (الجديد) المصباح العربي الكبير المنطفئ الذي يغرق نفسه ويجر العرب معه إلى ظلام دامس ومستقبل محفوف بمزيد من المخاطر السياسية والاقتصادية والعسكرية.

المصباح العربي الآخر المنطفئ سوريا، التي قدمت للأمة والعالم في أول أيام العام الجديد 51 قتيلا وأعدادا جديدة من النازحين إلى مخيمات البؤس والثلج القاتل. وما زالت تتقاتل وتتقاطع مع ظلام بغداد لتجهز على ما تبقى من آمال السوريين وأحلامهم ببزوغ فجر يخلصهم من جحيم القتل والتشرد ويعيدهم إلى بلدهم ودفء بيوتهم.

ومن هنا، بينما تدخل دبي إلى عامها الجديد بالأنوار والآمال الكبار، تدخل معظم الجغرافيا العربية إلى هذا العام محملة بآثام التقاتل والتشرذم الذي لا يعرف أحد منتهاه. وهو بؤس مرشح لتجاوز عامنا هذا وأعوام عديدة تليه، طالما بقيت الحروب العربية قائمة بالوكالة عن أعداء العرب وطالما أنشبت الطائفية مزيدا من أظافرها في رقاب قادة وشعوب هذه الدول. لكن، كما قال أحد المتفائلين، ستكتب لشعوب الدول التي تغشاها الطائفية الآن يقظة كبرى توحدها وتعيد إليها عقلها، الذي سيرفض في ذلك الحين أن يجر إلى مذبحه لحساب هذه الأجندة أو تلك.

وهذا هو ما نتمناه، أو قل نحلم به مثلما نتمنى أن تبقى دبي تلك المدينة المثيرة للفخر العربي، سواء خاطبت العقول أو صنعت المستقبل كما هو شعارها لعام 2020. وهي، كما فعلت ليلة سنة 2014، لن تتنازل عن نورها الذي يضيء هذه العتمة العربية الطاغية والجاثمة على نفوس العرب أجمعين. وعلى العرب جميعا أن يضعوها ويضعوا تجربتها، بمنتهى التواضع وبمنتهى الاعتراف بحالة التفوق التي أنجزتها، محل درس عربي عام يستفيدون منه لبناء مقومات الحياة وتطبيق قيم النماء الصحيحة، بدلا من أن يتنافسوا على تحطيم آمال شعوبهم وأحلامهم. هذه الشعوب التي أرهقها طول السفر في أنفاق الظلام ومطامح الزعامات الفارغة التي لا تجيد من الصناعات سوى صناعة الأكفان.


كاتب سعودي

9