سنة على عودة مصر

الاثنين 2014/06/30

في الذكرى السنوية الأولى لـ«ثورة الثلاثين من يونيو» التي أعادت مصر إلى العرب وأعادت العرب إلى مصر، ثمة بعض التباشير التي توحي بأن الأمل بمستقبل المنطقة لا يزال حيّا يرزق. لا مجال لكثير من التفاؤل، ولكن لا مجال أيضا لليأس، بعدما كادت مصر أن تزول عن خريطة الشرق الأوسط، وأن تدخل منظومة لا تشبه سوى تلك التي دخل فيها قطاع غزّة.

قبل «ثورة الثلاثين من يونيو»، كان الواقع المؤسف يتمثّل في أن ليس لدى حكم الإخوان المسلمين في مصر من مثل أعلى يقتدي به سوى تجربة «حماس» في غزّة. تلك التجربة التي عادت بالويلات على الشعب الفلسطيني، والتي لم تخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.

وفّرت «حماس»، التي يجب أن لا ننسى أنّها جزء لا يتجزّأ من تنظيم الإخوان المسلمين، كلّ المبررات كي يستمرّ الحصار الظالم على غزّة من جهة، وكي تقول اسرائيل أن لا وجود لجانب فلسطيني يمكن التفاوض معه من جهة أخرى. وهذا يعني بطبيعة الحال الاستثمار في الوقت من أجل فرض أمر واقع جديد على الأرض يكرّس الاحتلال للأراضي الفلسطينية، التي تصرّ اسرائيل على ضمّها من منطلق أن الضفة «أرض متنازع عليها» وليست أرضا محتلة ينطبق عليها القرار الرقم 242 الصادر عن مجلس الأمن، وفي أساسه مبدأ الأرض في مقابل السلام. تظل «ثورة الثلاثين من يونيو» حدثين في حدث واحد.

كان لبّ الحدث الأوّل رفض الشعب المصري لحكم الإخوان المسلمين الذي استمرّ سنة كاملة كان فيها محمد مرسي رئيسا للجمهورية. نزل ملايين المصريين إلى الشارع لتأكيد أن الشعب المصري لا يزال شعبا حيّا، وأنّه يرفض الاستسلام لمشيئة الحزب الواحد. لم يتخلّص المصريون من عهد حسني مبارك، بحسناته وسيئاته ليصيروا تحت نظام حكم شمولي كفّر كلّ من يعارضه واحتقر الأقليّة القبطية التي هي جزء لا يتجزّأ من التكوين المصري وتركيبة الدولة العربية الأكبر.

ثمّة من يقول أن مرسي كان رئيسا منتخبا للجمهورية، لكن الوقائع تقول شيئا آخر. تقول الوقائع أنّ الإخوان خطفوا «ثورة الخامس والعشرين من يناير» وخاضوا انتخابات الرئاسة بصفة كونهم القوّة الحزبية الوحيدة المنظمة في البلد، وذلك بعدما وعدوا بأنّهم لن يفعلوا ذلك. تركوا المصريين غير مستعدين لمواجهتهم. استولوا على الانتخابات على حين غرّة، وأعلنوا فوزهم فيها مستخدمين كلّ الوسائل غير الشرعية وغير الديمقراطية متذرعين بأنّهم يحترمون القانون.

الأهمّ من ذلك كله أن انتخابات الرئاسة التي فاز فيها المرشّح محمد مرسي على المرشّح أحمد شفيق، بفارق ضئيل من الأصوات، كانت مليئة بالمخالفات والتزوير والمناورات السياسية التي اعتمدت على الكذب والخداع أوّلا. لم يدرك الإخوان أنّهم لن يستطيعوا خداع كلّ المصريين كلّ الوقت.

أُعلن مرسي رئيسا بعد تهديد الإخوان بإثارة القلاقل في مصر كلّها. شملت التهديدات اللجوء إلى السلاح والعصيان المدني، فرضخت الجهات الرسمية لابتزازهم إلى أن طفح الكيل في مرحلة معيّنة. في تلك اللحظة، أعلن المصريون أن كفى تعني كفى، فكانت ثورتهم الشعبية التي كشفت مدى الاعتراض على الإخوان وأساليبهم وارتباطاتهم المشبوهة، خصوصا مع النظام في إيران.

أمّا الحدث الثاني، الذي رافق الثورة الشعبية، فكان التأييد العربي لمصر في وقت كانت الإدارة الأميركية منغمسة إلى ما فوق أذنيها في دعم الإخوان المسلمين. ما الذي كانت هذه الإدارة تريده؟ لا يزال ذلك لغزا. هل يكفي أن يكون الإخوان في مصر وفّروا كلّ الضمانات المطلوبة من إسرائيل، خصوصا في قطاع غزّة، كي يتوافر لهم كلّ الدعم المطلوب من إدارة باراك أوباما؟ ثمّة من يعتقد أن الهدف الأميركي كان إلغاء مصر وإخراجها من المعادلة الإقليمية عن طريق السكوت عن الإخوان المستعدين لكلّ شيء من أجل البقاء في السلطة. للمرّة الأولى منذ سنوات طويلة دخل العرب الشرفاء حقّا في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية. إنّه حدث تاريخي ومنعطف على الصعيد الشرق أوسطي أيضا.

حصل ذلك بعدما بات واضحا أن خسارة مصر لا يمكن تعويضها على الصعيد الإقليمي، فكانت الدفعة الأولى من المساعدات. وجاءت تلك المساعدات من دولة الإمارات العربية المتحدة أوّلا (ثلاثة مليارات دولار)، ثمّ من المملكة السعودية (خمسة مليارات دولار)، ثم من الكويت (أربعة مليارات دولار). توالت في الوقت ذاته الزيارات التي تصبّ في دعم الثورة المصرية والمؤسسة العسكرية التي ساندتها. ولا شكّ أن المملكة العربية السعودية، بقيادة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، خرجت عن كلّ ما كان معروفا عنها من تحفّظ وتروّ وبادرت إلى توفير كلّ المطلوب منها كي تقف مصر على رجليها مجددا.

بعد عام على الثورة المصرية، هناك رئيس جديد هو المشير عبد الفتّاح السيسي. هناك بداية لاستعادة الدور الإقليمي لمصر بدل وقوعها في فخّ الالتحاق بإيران وسياستها القائمة على استيعاب العرب، بمن فيهم مصر، على غرار استيعابها الفلسطينيين، أو على الأصح بعضهم.

من هذه الزاوية، زاوية استعادة الدور الإقليمي، يمكن فهم الزيارة التي قام بها الرئيس السيسي للجزائر. فعلى مصر، التي لديها حدود مشتركة مع ليبيا، توعية الجزائر الي لديها أيضا مثل هذه الحدود. كان مطلوبا التأكيد للجزائر أنّ ليس في الإمكان ترك الإرهاب يسرح ويمرح في ليبيا. مصر مهدّدة والجزائر مهددة بسبب ما يدور في ليبيا حيث العصابات المسلّحة، التي تضمّ متطرفين من كلّ نوع. باتت هذه العصابات قادرة على الحصول على المأوى الآمن في ظلّ الفوضى الليبية. أكثر من ذلك، في ليبيا كمّيات كبيرة من السلاح، خلّفها نظام القذّافي، يمكن لهذا السلاح، غير المسيطر عليه، أن يهدّد كلّ دول المنطقة في حال انتقاله إليها.

بعد «ثورة يونيو»، لا تزال مصر في حاجة إلى الكثير. مشاكل مصر ضخمة. لكنّ هناك ما يدعو إلى بعض التفاؤل من منطلق أن هناك في مصر وبين العرب من يدرك حجم هذه المشاكل ويعمل في الوقت ذاته على إصلاح ما يمكن إصلاحه، بدل تحوّل مصر إلى غزّة أخرى، وذلك دون تجاهل حجم غزّة وحجم مصر بمقاييس المساحة وعدد السكان والموقع الجغرافي.


إعلامي لبناني

8