سنة من الرخاء الصامت

الاثنين 2016/10/17

لنغلق الشباك على الألم، هناك سعادة ممكنة، تنبت أعشابها بين القدمين، هناك عينان صار في إمكانهما أن تتسعا لصخب العابرين بكل اللغات إلى الضفة الأخرى.

لا تزال هناك موسيقى لم تُسمع بعد في كيس الساحر، ليس لأن الشباب يعزفون الموسيقى طلبا للمال الفائض، بل لأن المدينة نفسها صارت بمثابة صندوق موسيقى، ولأن الموسيقى لا تكذب فإن هواءها يغسل الرئات.

لقد انتهت سنة وأنا أمر بهذا الشارع نفسه، يمكنني أن أقول إنه ليس الشارع نفسه في كل مرة ألقي فيها بخطواتي على رصيفه، كل يوم أكون ضيفه ليكتب اسمي من جديد في سجل زواره.

أنا أتجدد من خلاله، مَن مر به بالأمس ليس أنا، كما أنني لن أكون ذلك الشخص الذي سيمر به غدا، لقد عملت ثقافة ذلك الشارع على تحديث هويتي، لم أعد ذلك الكائن المتحفي الذي حضر ذات يوم ليؤكد انفصاله عن حياة لم يعشها بعمق.

يهبني الشارع مثل غزالة إلى سيرة تنوعه ووفرته، أكون أسود في باذنجانه وبالقوة نفسها أكون أحمر في فلفله، وأنظر بغبطة إلى فواكهه وهي تطاردني بلغاتها القادمة من مختلف أنحاء الأرض.

أنا المطرود من العائلة، المنفي من الوطن، المنبوذ مثل حشرة صار لي وطن في ذلك الشارع، كنت أنفق على الكتب من أجل أن تثقفني، فإذا بي أعثر في كل منعطف من ذلك الشارع على كتاب على هيئة امرأة جميلة تعلمني ما الجمال وما الفتنة وما السحر.

هبات مجانية صرت أتلقاها كل نهار وأنا أقول مضطربا وملتاعا وهائما “صباح الخير”، أن يتاح للمرء أن يقول “صباح الخير” للطبيعة، فتلك نعمة لا يمكن نسيانها.

في الشارع شيء من الطبيعة، من طقوس نضارتها وترفها وبذخ معانيها، يليق بالمرء أن يقول بثقة “لقد عشت”، وهو لا يقصد سوى المشي الآمن على رصيف ذلك الشارع الذي كان وطنا لسنة من الرخاء الصامت المتأمل.

كاتب من العراق

16