سنغافورة... التأهيل الديني سلاح فعال ضد الإرهاب

يفتقر المعتقلون إلى فهم الإسلام كما تقول جماعة إعادة التأهيل الديني، وهي حقيقة تجعلهم فريسة سهلة للوعاظ المتطرفين.
الاثنين 2018/04/02
عدم الاكتفاء بمحاربة الإرهاب بل التصدي للتطرف الفكري

سنغافورة - تم وضع الخطط، وكان الأعضاء السنغافوريون في شبكة الجماعة الإسلامية الإرهابية في عام 2001 سيضعون ثلاثة أطنان من نيترات الأمونيوم في كل واحدة من ست شاحنات في مستودع.

كانت الخطة تقوم على تفجير ست قنابل في وقت واحد في السفارات والقواعد البحرية الأميركية في جميع أنحاء البلاد.

وكانت شاحنة واحدة محملة بالمركب الكيميائي شديد الانفجار لديها قوة نيران تفجيرية تكفي لقتل 168 شخصا وإصابة 680 آخرين في تفجير مدينة أوكلاهوما عام 1995.

ولكن هجوم سنغافورة تم إحباطه في ديسمبر 2001. وبعد تلقي معلومات، تحركت السلطات المحلية للانقضاض على المشتبه بهم قبل أن يتمكنوا من تنفيذ خطتهم، مما أدى في النهاية إلى احتجاز 31 شخصا لسبق الإصرار.

وكشفت التحقيقات أنها مجرد واحدة من ست خطط مصممة لشل البلاد، تستهدف خطوط أنابيب المياه الحيوية والمطارات ومراكز النقل.

وتسببت الأنباء في شعور بالصدمة ببلد غير معتاد على مواجهة مثل هذه التهديدات الإرهابية المباشرة. ودعا قادة الحكومة إلى الهدوء، كما دعا رئيس الوزراء جوه تشوك تونج إلى تعزيز العلاقات العرقية والدينية.

وبعد مرور عام، وتحديدا في أكتوبر من عام 2002، دبرت نفس الشبكة الإرهابية تفجيرات بالي التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص.

وكتب روهان جوناراتنا، أستاذ الدراسات الأمنية بجامعة نانيانج التكنولوجية، في كتاب “إعادة تأهيل الإرهابيين: حدود جديدة في مكافحة الإرهاب” يقول “لقد فهم القادة السنغافوريون مبكرا جدا أن لديهم الهياكل اللازمة لمكافحة خطر الإرهاب، ولكن ليس تهديد التطرف الأيديولوجي”.

أدى الهجوم الذي تم إحباطه إلى تشكيل جماعة إعادة التأهيل الديني في عام 2003، والمكونة من علماء ومعلمين مسلمين يسعون إلى حماية الجمهور ضد الأيديولوجيا المتطرفة، بينما يعيدون أولئك الذين تعرضوا للتطرف مرة أخرى إلى حظيرة المجتمع.

كانت فكرة إنشاء جماعة إعادة التأهيل الديني تقوم على منطلقات متوازية من أهمها، أن مكافحة الإرهاب لا تقتصر فقط على مجابهته الميدانية والأمنية والعسكرية، بل يجدر بها أن تلتفت أيضا إلى الأبعاد الدينية والنفسية والاجتماعية وغيرها، والهدف الأساسي من ذلك هو تفادي ظهور جيل جديد من الإرهابيين، وأيضا تسهيل اندماج الإرهابيين المسجونين في المجتمع، بدل عزلهم وإقصائهم، بل يمكن الاستفادة من قصصهم ومسيرتهم في الحيلولة دون تكرر تلك القصص.

وبعد مرور خمسة عشر عاما على الهجوم الذي تم التخطيط له عام 2001، تظل جماعة إعادة التأهيل الديني قصة نجاح ملحوظة. وقد تم تسجيل حالة واحدة فقط من الانتكاس بحلول عام 2015 من بين 57 شخصا تم إطلاق سراحهم من الاحتجاز بعد العمل مع المنظمة.

إن منهج البرنامج كلي، حيث يقدم المشورة للمحتجزين في الأمور الدينية وعلم النفس والمسائل الاجتماعية. ويفتقر المعتقلون غالبا إلى فهم الإسلام السائد كما تقول جماعة إعادة التأهيل الديني، وهي حقيقة تجعلهم فريسة سهلة للوعاظ المتطرفين.

ويقول محمد علي، نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة ومستشارها، إن “أيا من المعتقلين لم يأت من المدارس الدينية. بمجرد أن يذهبوا إلى شبكة الإنترنت يقادون إلى الاعتقاد بأن هذه الأفكار هي الإسلام الحقيقي والصحيح”.

وتأخذ جماعة إعادة التأهيل الديني المصطلحات التي تختارها الجماعات الإرهابية مثل الجهاد والتكفير، وتعيد وضعها مرة أخرى في سياقها الكتابي الشرعي الصحيح.

ويقول محمد “نحن نوضح لهم كيف أساءوا استخدامها وأساءوا فهمها وأساءوا تفسيرهم للإسلام”.

يقدم علماء النفس أيضا الدعم الشخصي والمشورة للمحتجزين. ويضيف محمد “الأمر لا يتعلق فقط بالدين. إنه يتعلق بشخصيتهم وسلوكهم ومشاعرهم وتكوينهم النفسي… وشعورهم بالكدر أو شكاواهم”.

وفي مواجهة فقدان الدخل الأساسي للأسرة في العديد من الحالات، يمكن أن تترك الأمهات يناضلن من أجل إدارة شؤونهن المالية، في حين أن الأطفال غالبا ما يُستبعدون من المدرسة أو يتعرضون للسخرية بعد ظهور آبائهم في تقارير الأخبار الوطنية.

ومن أجل حماية الرفاهية الاجتماعية والمالية لأفراد العائلة، تهدف هذه المنظمات إلى القضاء على نفس نقاط الضعف التي تحاول الجماعات المتطرفة استغلالها مثل الشعور بالإقصاء الاجتماعي والحرمان الاقتصادي. لكن العملية تواجه العديد من العقبات حيث ينظر بعض المعتقلين وعائلاتهم إلى المنظمة نظرة شك، حيث يعتبرونها ذراعا للحكومة.

وإن إقامة علاقات قائمة على الثقة مع المعتقلين هو أمر ضروري، حتى لو كانت العملية تستغرق عدة أشهر، وفقا لما يقوله محمد. ويضيف “إذا لم يتحقق ذلك، لا يمكن أن يتم تقديم المشورة الدينية”.

والتحدي الأحدث هو انتشار المواد على الإنترنت من قبل الجماعات الإرهابية لإثارة الكراهية والتي غالبا ما تتميز بقيم الإنتاج الباهرة والموسيقى التصويرية الدرامية.

وينعكس هذا التغيير على تكتيكات التجنيد في التركيبة السكانية لأهداف التطرف. في الوقت الذي كان فيه الأعضاء السابقون في شبكة الجماعة الإسلامية في سنغافورة تتراوح أعمارهم ما بين 30 إلى 50 سنة، فإن متوسط عمر الشخص العادي الذي تراه جماعة إعادة التأهيل الديني اليوم يميل إلى أن يكون في أواخر سن المراهقة أو أوائل العشرينات. ومع ذلك ;رغم التهديد المتطور باستمرار، لا تزال مجموعة إعادة التأهيل الديني تركز على أهدافها.

يقول محمد علي، نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة “بالنسبة لنا فإن أولئك الذين أفرج عنهم من الاحتجاز لا يعودون إلى التفكير العنيف ويندمجون في المجتمع. وهذا نجاح”.

تمتد فترة إعادة التأهيل على مراحل عديدة تبدأ بحمل المحتجز على مراجعة موقفه والدخول في علاقة استثنائية مع المستشار الذي يرافقه على أن يحاول السجين أن يعي الطريقة التي أغوي بها وأن يبدأ نوعا من “التصحيح الأيديولوجي”. ومع نهاية المسار يجب أن يتعهد السجين المعاد تأهيله بعدم العود للانتماء إلى منظمة إرهابية. وبما أن الموقف الجهادي قد يعبر أحيانا كثيرة عن تعطش لخدمة هدف، فإن مستشاري جماعة إعادة التأهيل الديني يحاولون إعادة توجيه طاقات السجين المعاد تأهيله نحو أهداف أخرى كالعمل الإنساني مثلا. طوال فترة التوقيف تقوم جماعات مسلمة بتأطير أسر السجناء على المستويات المادية والمعنوية، كيلا تتكوّن عندها ضغينة قد تساعد على تقبل الفكر الجهادي، في الوقت الذي تٌشرك فيه المجموعة الإسلامية بالمعنى العريض لتحول دون التطور نحو الجهادية.

13