سنغافورة تعتبر الأزهر مرجعية لها في الوسطية والاعتدال والتعايش

تبعا لإستراتيجية دقيقة وضعتها مؤسسة الأزهر الشريف في مصر بعد ثورة يونيو الشعبية التي أطاحت بالإخوان من سدة الحكم، فإن خطاب الأزهر الداعي إلى التسامح والوسطية أصبح مداه أكثر عمقا وإستراتيجية، على مستوى الانتشار الجغرافي والمضامين الدينية. ولعل الزيارات المستمرة التي يقوم بها مسؤولون من الأزهر وعلى رأسها الزيارة الأخيرة التي قام بها عبدالفتاح السيسي إلى سنغافورة، تعد جزءا من الإستراتيجية العالمية التي يتبعها الأزهر للقضاء على مسببات التطرف والإرهاب، وتقديم خطاب بسيط ومفهوم صحيح عن الدين الإسلامي بعيدا عن خطاب التطرف والغلو والجماعات الإرهابية.
الخميس 2015/09/03
التأكيد على ضرورة محاربة الإرهاب كان محورا رئيسيا لزيارة السيسي لسنغافورة

القاهرة - أكد الرئيسان المصري عبدالفتاح السيسي والسنغافوري تون تان على أهمية إعلاء قيم التعايش السلمي والتصدي بقوة وفاعلية للإرهاب الذي أشارا إلى مضاره الفكرية والاجتماعية والاقتصادية بإطناب. وشدد السيسي على أن أعمال العنف والقتل والتخريب هي أبعد ما تكون عن قيم الإسلام السمحة النبيلة التي تحض على الرحمة والتسامح وقبول الآخر، قد جاء ذلك خلال لقاء السيسي الذي زار سنغافورة مع الرئيس تون تان. وبحسب السفير علاء يوسف المتحدث باسم الرئاسة المصرية، أعرب الرئيس السنغافوري عن توافقه مع رؤية الرئيس السيسي بشأن مكافحة الإرهاب وأهمية التعايش السلمي، منوها إلى أن بلاده تستوعب العديد من الديانات والثقافات وتحرص على التعاون وتحقيق التوافق المجتمعي.

وقال تون تان إن بلاده تحرص دائما على متابعة طلبتها في جامعة الأزهر لتستفيد منهم ومن تجاربهم العلمية بطريقة تجعل من الأزهر مرجعية في إنشاء واقع ديني سليم داخل البلاد، مرتكزا إلى مبادئ الإسلام السمحة والاعتدال والوسطية التي يتميز بها الأزهر، وهو الأمر الذي دأبت عليه سنغافورة منذ زمن.

وتؤكد العديد من التقارير الصادرة عن المؤسسات المصرية المعنية بالشأن الديني والاجتماعي، وعلى رأسها الأزهر، أن الإستراتيجية الجديدة التي وضعتها مصر عبر الانفتاح على العمق الآسيوي والأفريقي في استقطاب الطلبة ودارسي العلوم الدينية والشرعية، إنما تهدف أساسا إلى إنشاء قاعدة نيرة من الخبرات والباحثين في المجال الديني لإعادة نشرها في دولها الأصلية والعمل على متابعة نشاطهم في الدعوة إلى التسامح والتعايش ونبذ التطرف في الخطاب الديني.

واعتبر رئيس سنغافورة زيارة السيسي، وهي الأولى التي يقوم بها رئيس مصري لبلاده، مثابة انطلاقة كبيرة للعلاقات بين البلدين. وأكد في معرض حديثه أن النموذج المصري في التدريس الديني “يعد منارة يجب الاهتداء بها”، مشيرا إلى أن جامعة الأزهر تحظى في التعليم الديني الإسلامي بمكانة مرموقة.

إعلاء قيم التعايش السلمي والتصدي بقوة وفاعلية للإرهاب، هدف رئيسي لخطاب الأزهر في العالم

ومن جانبها، أكدت جامعة الأزهر أنها بصدد دراسة العديد من الملفات لإدماج عدد من الطلبة الآخرين من جنوب شرق آسيا وأفريقيا وإعطائهم منحا للدراسة والسكن، مؤكدة أن الأمر يعد تنفيذا لإستراتيجية الأزهر في توسيع قادة الطلبة لديها وفق معيار العالمية، الأمر الذي سيساهم في نشر الفكر الوسطي المعتدل الذي يتبناه الأزهر في مواجهة التنظيمات الإرهابية والخطاب المتشدد والممارسات المتطرفة لبعض الجماعات المحسوبة على المسلمين.

زيارة السيسي إلى سنغافورة استهلت بزيارة تفقدية لمركز الوئام الديني الذي أقيم بمبادرة من المركز الإسلامي في سنغافورة، حيث التقى بمفتي سنغافورة وعدد من خريجي جامعة الأزهر بمصر. وتعرض السيسي في معرض حديثه إلى القائمين على مركز الوئام الديني، إلى أن “مصر محرك للتسامح بين كل المسلمين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم وبين المسلمين وباقي الأديان”، مؤكدا أن الدور الذي يضطلع به الإسلام في الديار التي يحل بها هي نشر التآلف والحكمة والتعايش بين الجميع دون أي سلوك عنيف أو متجاوز لقناعات الآخرين ومعتقداتهم. وأوضحت السفيرة المصرية فاطمة جلال في تصريحات لها أن سنغافورة بها 10 ديانات رئيسية قام معتنقوها بإنشاء مركز الوئام الديني، لافتة إلى أن هناك مدرستين ثانويتين أزهريتين ونحو 300 سنغافوري يدرسون سنويا في الأزهر.

وأشاد المسؤلون السنغافوريون بدور الأزهر الشريف باعتباره منارة للإسلام الوسطى المعتدل، مثنين على جهوده المبذولة للتعريف بصحيح الدين، حيث سبق أن أجرى الإمام الأكبر الأسبق والمفتي الحالي شوقي عبدالكريم علام وعدد من علماء الأزهر عدة زيارات إلى سنغافورة، فضلا عن نجاحهم في استقطاب المئات من الطلبة السنـغافوريين بالدراسة فـي الأزهـر الشـريف.

ويعد مركز الوئام الديني في سنغافورة نقطة مهمة في منطقة آسيا لتقديم البحوث والدراسات المستمرة إلى المراكز الإسلامية في المنطقة، والقيام بزيارات للجامعات في كل ماليزيا وإندونيسيا ودول أخرى ذات غالبية مسلمة أو سكان مسلمين، وذلك في سبيل الإدماج الوطني للمسلمين داخل مجتمعات تزخر بالتنوع الديني والعرقي، الأمر الذي يجعل من دور الأزهر في هذا المجال مهما باعتباره المؤسسة الإسلامية الأبرز عالميا في البحوث الأنتروبولوجية والثقافية التي من خلالها يتلخص دور الإسلام في نشر التسامح والوئام بين الأديان والأعراق والقوميات.

13