سنكارا.. حلم ببناء "أرض الرجال النزهاء" واقتحم المحظور في العرف الاستعماري

السبت 2013/10/26
توماس سنكارا.. رمز اغتيال الحلم الأفريقي

ارتبط التاريخ السياسي المعاصر للقارة الأفريقية بالانقلابات العسكرية، التي مثلت الآلية الغالبة على أشكال الانتقال السياسي، ورغم أن أغلب الانقلابات أودت بدولها إلى سحيق الاستبداد والديكتاتورية، إلا أن بعضها شذّ عن القاعدة، وأنتج نظما سياسية سعت إلى تغيير السائد الاقتصادي والاجتماعي الموروث عن الاستعمار، لكن تحالف الاستعمار ووكلائه الذي لا يغفر ذلك التطاول، لم يتح لتلك المحاولات القليلة فرصة البقاء وتنفيذ ما حلمت به. ومن ذلك محاولة توماس سنكارا، الرئيس البوركيني، الذي أطاح به صديقه ورفيق دربه بيليز كومباوري بالتحالف مع قوى أفريقية ودولية متعددة.


الرئيس النزيه


ولد توماس سنكارا عام 1949 في بوركينا فاسو، التي كانت تعرف قبل وصوله إلى السلطة بفولتا العليا، وسجّل له التاريخ أنه غيّر اسم بلده، إلى اسم جديد وازن بين اللغات المحلية الرئيسية في بلده، فاستخدم "بوركينا" التي تعني الوطن في قاموس لغة "ديولا"، وأدمجه مع "فاسو" التي تعني الرجال النزهاء في لغة "مور". فكان اسم بوركينا فاسو حاملا لمعنى "أرض الرجال النزهاء" اختزالا للوطن الجديد الذي يحلم سنكارا ببنائه.

قبل ذلك التحق سنكارا بالقوات المسلحة البوركينية التي تأسست بعد استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1960، وتدرج بسرعة في سلم الرتب العسكرية إلى أن رُقّي عام 1980 إلى رتبة رائد، وهي الرتبة التي أتاحت له أن يقترب من دوائر صنع القرار السياسي، وكان من موقعه يتابع الوضع السياسي المضطرب الذي تعيشه البلاد، والمشوب بالانقلابات المتتالية. ولكن امتعاضه الأساسي كان نابعا من عجز النخبة السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد، على تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتردّي.

شارك عام 1983 في تنظيم انقلاب عسكري صحبة مجموعة من رفاقه العسكريين الذي يربطه بهم عدم الرضا عن الوضع القائم والحلم بتغيير واقع البلاد. ووصل إلى السلطة يوم 4 أغسطس من نفس العام، وهي حركة اعتبرت "ثورة" في الأوساط الشعبية والفكرية والسياسية الأفريقية، التي كانت تدور آنذاك في فلك التصورات اليسارية الحالمة بالتغيير والاشتراكية.

توصيف الحركة التي نفذها سنكارا ورفاقه "ثورة" كان نابعا من الشعارات التي كان يطلقها "الرئيس النزيه" (كما كان يسمى آنذاك لدى فقراء بوركينا فاسو) في خُطبه وحواراته، التي كان خلالها يتحدثُ ويدعو إلى تخليص أفريقيا برمتها من المديونية التي اعتبرها بمثابة الأغلال التي أحكمت القوى الاستعمارية تقييدها على جسد القارة الفقيرة-المفقّرة.

وعلى قصر الفترة التي قضاها رئيسا لبوركينا فاسو، والتي لم تتجاوز الـ3 سنوات، إلا أن سنكارا تمكّن من تحقيق بعض أحلامه، حيث أولى عناية فائقة بالتعليم في مجتمع تكاد تطغى عليه الأمية، وشجّع قطاع الزراعة في دولة تقترب من حافة المجاعة، وركّز على الصحة العامة لإنقاذ شعب مهدّد بالأمراض والأوبئة وينحدر فيه معدل أمل الحياة عند الولادة إلى مستويات خطيرة. ومن القرارات التي تحسب لسنكارا أيضا أنه قاوم بشدة ظاهرة "ختان الإناث" التي كانت متفشية لدى أغلب القبائل المكونة للنسيج المجتمعي البوركيني آنذاك. كما أنه تجرأ وعيّن في حكومته عديد الوزيرات.

لكن نضاله الرئيسي تمركز حول مقاومة المديونية، التي اعتبرها بمثابة السوس الذي ينخر كامل جسد القارة، وفي أحد مداخلاته الشهيرة التي ألقاها أمام قمة منظمة الوحدة الأفريقية في أديس أبابا يوم 29 يوليو 1987، وقال فيها إن أصول الديون التي تتخبط فيها القارة الأفريقية تعود إلى أصول الاستعمار الأوروبي، وقال "هؤلاء الذين يقرضوننا المال هم أنفسهم الذين استعمروننا، وهم أنفسهم الذين يحكمون دولنا واقتصادياتنا، المستعمرون يقرضون أفريقيا بواسطة وكلاء محليين لهم في القارة، وبما أننا غرباء عن هذا الدين فلا يمكننا دفعه. وهؤلاء المستعمرين تحولوا بعد استقلال دولنا إلى "مساعدين تقنيين"، وفي الواقع هم قتلة تقنيين بما أنهم هم أنفسهم من اقترحوا مصادر التمويل والجهات المانحة، كما لو أن هناك رجال يكفي تثاؤبهم لتحقيق التنمية في بلداننا.

هذه الجهات المانحة التي أوصيَ بها لنا، قدّمت لنا مشاريع جذابة وامتيازات مالية وبذلك أصبحنا مدانين لخمسين أو ستين سنة أخرى قادمة. وهذا يعني أنه تم دفعنا إلى تقييد شعوبنا بعقود طويلة قادمة، لكن الدين في شكله الحالي تهيمن عليه الامبريالية هو غزو منظم، لتصبح أفريقيا ونموها وتنميتها تنضبط وتستجيب لمعايير غربية غريبة، وهي بذلك شكل جديد من العبودية المالية…".

هذا الخطاب العاصف لم يرق للقوى الغربية، مثلما لم يرق لبعض القيادات السياسية الأفريقية المرتبطة والمستفيدة من الاستعمار الأوروبي، وهو ما حدا بالبعض للقول إن هذا الخطاب كان كافيا لوحده لتدبير اغتيال توماس سنكارا.


اغتيال صديق

تشي غيفارا أفريقيا
توماس سنكارا.. رئيس بوركينا فاسو من 1983 إلى 1987. رجل غير عاديّ حاول أن يدفع خلال فترة تولّيه الرئاسة المفاهيم الخاطئة حول القارة السمراء.

برامجه التحررية والطموحة التي هدف إلى تأميم المصادر الاقتصادية لبلاده بغية استخدامها لصالح شعبه، تضرّ بمصالح المستعمر السابق والقوى الغربية التي تبحث عن موطئ قدم في أفريقيا الغنية بالثروات، فخطّطت لاغتياله.

واخترق الفرنسيون والأميركيون حركة التحرير الأفريقية بغية إسقاط توماس سانكارا، الذي اغتيل يوم 15 أكتوبر/ تشرين الأول 1987 على إثر انقلاب عسكري قاده ضده رفيق دربه الرئيس الحالي ابليز كومباوري.


اغتيال تم تنفيذه يوم 15 تشرين الأول 1987، بتدبير ومساهمة من صديقه ورفيق دربه (الذي شاركه في انقلاب أغسطس 1983) بليز كمباوري، الرئيس الحالي لبوركينا فاسو، الذي حصل على دعم وموافقة من فرنسا التي عبرت عن استيائها من خطاب وبرامج سنكارا منذ أيامه الأولى، وارتفع سقف تحفظ فرنسا على سنكارا خاصة مع شعاراته المناهضة للامبريالية التي لم يجد ضيرا في الإصداع بها في كل المناسبات المحلية والإقليمية.

اغتيال سنكارا، الذي كان بمثابة عقوبة له على "تطاوله" على القوى الغربية ووكلائها المحليين، كان أيضا مؤشرا على تداخل الجهات الضالعة فيه، حيث ثبت مؤخرا انطلاقا من بعض التحقيقات الصحفية الاستقصائية، أن عديد الدول والأنظمة ساهمت في تدبير اغتيال "تشي غيفارا أفريقيا" مثلما كان يلقب.

فقد أثار تحقيق وثائقي تلفزيوني أعده الصحفي الإيطالي "سيلفيسترو مونتانارو" وبثته القناة الإيطالية "راي 3" يوم 15 يوليو 2009، قضية اغتيال توماس سنكارا واتهم التحقيق الوثائقي فرنسا والمخابرات الأميركية وعدة شخصيات أفريقية بالتواطؤ في تدبير وتنفيذ اغتيال سانكارا. اعتمد تحقيق "سيلفسترو مونتانارو" على عدة شهادات لقادة أفارقة وفاعلين سياسيين، على غرار جوال هوار تايلور (زوجة سابقة للرئيس الليبيري شارلز تيلور) ومومو جيبا قائد سابق لأركان الجيش الليبيري، ومريم سنكارا (زوجة توماس سانكارا) الذين وفروا معلومات متطابقة مفادها أن اغتيال سنكارا حصل بتضافر جهود فرنسا والمخابرات الأميركية والرئيس البوركيني الحالي بليز كومباري، فضلا عن مساهمات ودعم غير مباشر لعديد الأسماء الأخرى أمثال الرئيس التشادي إدريس دبي والعقيد الليبي معمر القذافي. واتفقت الشهادات على أن سلسلة من الاجتماعات واللقاءات (جمعت تايلور وبليز كومباوري وإدريس ديبي) بين ليبيا وموريتانيا في الفترة بين 1986 و1987، لتنسيق وترتيب مخطط الاغتيال وتوقيته.

أحلام أفريقيا

مع بزوغ فجر 15 تشرين الأول 1987، كان قرار تصفية سنكارا صادرا وخطط تنفيذه جاهزة، فكان أن صُوّب المدفع الرشاش نحو مقر إقامته ليقتل سنكارا وليوقف أحلامه بأفريقيا حرة. وبعد أيام قليلة خرج صديقه ورفيق دربه بليز كومباوري إلى الصحافيين ليقول إنه "فقد صديقا عزيزا".

ومنذ تقلده زمام الحكم في بوركينا فاسو، انشغل كومباوري بترسيخ موقعه في الحكم ولم يجد الوقت لإجراء تحقيق في "ملابسات" اغتيال رفيقه، لكن الضغوط المحلية والدولية جعلته يقدمُ على إجراء تحقيق عاجل ومرتجل لم يفض إلى نتيجة، وظل كومباوري يردد بأن اغتيال سنكارا كان "حادثا".

تبدو قصة توماس سنكارا اختزالا لواقع القارة الأفريقية، التي أنّت طويلا من قرون الاستعمار، ولكن "الاستقلالات الوطنية" لم تسعفها بمعالجة أسقامها الاقتصادية والاجتماعية، وواصل الاستبداد تأمين الدور الذي كان يقوم به الاستعمار، بل إن الأنظمة التي قامت وتداولت- بعنف- على السلطة اعتبرت امتدادا سيئا للاستعمار الأوروبي. أما سنكارا فقد تم اغتياله لأنه بالغ في رفع سقف حلمه ببلد حرّ، وقارة أقل فقرا ومرضا.

اقتحام المحظور

سنكارا الذي بدا للجميع أنه يسابق الزمن، كان يسرع في تحقيق أكثر ما يمكن من المنجزات لبلده، ربما لأنه كان واعيا بأن القوى الغربية وأعوانها لن تسمح له بالإيغال في "التحرر"، بدأ أولا من تغيير اسم بلده من اسم استعماري إلى اسم مستمد من اللهجات المحلية، ويحفظ له أيضا أنه حقق الاكتفاء الذاتي لبلده في مادة القمح في ظرف 3 سنوات فقط.

لكن نجاحاته كانت تُراقب بأعين شاخصة غير راضية، وكلما حالفه نجاح وإن كان ضئيلا، كان قرار التخلص منه يزداد تصميما. لكنه عندما اقتحم المحظور في العرف الاستعماري، بأن تجاسر على وطأ قضايا المديونية والتبعية، كان صدر تلك القوى قد ضاق ذرعا بـ"سرياليته وجموحه" فتم اغتياله. توماس سنكارا قالها بنفسه قبل أسبوع واحد من اغتياله "يمكن قتل الثوار، لكن أفكارهم لا تقتل"؛ والدليل على ذلك النشيد الرسمي لبوركينا فاسو الذي كتبه توماس سنكارا بنفسه ومازال معتمدا إلى اليوم والذي يقول:

ليلة واحدة جمعت في ذاتها تاريخ شعب

في ليلة واحدة أعلنت مسيرة الظفر نحو آفاق سعيدة

ليلة واحدة وحدت شعبنا مع كل شعوب العالم

لتحقيق الحرية والتقدم

الوطن أو الموت: سننتصر

14