"سنوات الإشهار" ينتظر رفع مقص الرقيب عن السينما في الجزائر

مازال الغموض يكتنف مصير فيلم “سنوات الإشهار” للفنان الجزائري عثمان عريوات، فبين مقص الرقيب والشبهات السياسية، وبين تفكك فريق العمل، يبقى الجمهور الجزائري، محروما من عمل فني يعد بالكثير، قياسا بسالفه “كرنفال في دشرة” للمخرج محمد أوقاسي وبطولة عثمان عريوات ونخبة من نجوم الكوميديا، لا سيما وأن نفس الظروف السياسية والاجتماعية التي عالجها في حقبة الثمانينات مازالت تسود البلاد في الألفية الثالثة.
الثلاثاء 2016/02/02
عثمان عريوات فنان متكامل

دخل فيلم “سنوات الإشهار” للمخرج الجزائري محمد أوقاسي عقده الثاني دون أن يرى النور، ودون أن يطلع الجمهور الجزائري على تجربة جديدة، لفنان الكوميديا الأول في الجزائر عثمان عريوات، ولا زالت ظروف وملابسات التعطيل مجهولة للرأي العام، خاصة في ظل تضارب التعليلات، حيث يربط منتج ومخرج الفيلم المسألة، بمقص الرقيب بعدما اشترطت وزارة الثقافة الجزائرية حذف بعض المقاطع واللقطات، وهو الأمر الذي يرفضه عثمان عريوات، بينما يرى أحد وجوه البطولة الممثل العمري كعوان أن القضية تتعلق بخلاف كبير بين فريق العمل وصاحب الإنتاج والمخرج.

وانطلق تصوير الفيلم عام 2002، بمشاركة نخبة من فناني الكوميديا في الجزائر، منهم العمري كعوان وأحمد بن حصير، بهدف تقديم قراءة لحقبة العشرية الحمراء التي شهدت عدة تحولات اجتماعية وسياسية، ارتبطت بالعنف الدموي وبانقلاب موازين القيم التي قذفت ببعض الانتهازيين والوصوليين إلى الواجهة، بحثا عن موطئ قدم تحت شمس النخبة السياسية والاجتماعية، المستندة إلى سلوكات التزلف والتملق.

وسعى الفنان عثمان عريوات إلى تقديم تجربة مكررة لفيلم “كرنفال في دشرة”، في “سنوات الإشهار”، بتشريح نقدي لمرحلة العشرية الحمراء، من خلال تسليط الأضواء على زوايا الرداءة والانتهازية التي انتصبت تحت لواء محاربة الإرهاب، وتحولت بمرور الأيام إلى ممارسة يومية تقع في صلب الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد.

ورغم مرور 13 عاما على مباشرة التصوير وتجهيز الفيلم منذ سنوات، إلاّ أن العمل لم ير النور إلى حدّ الآن، بسبب ما روّج على أنه خلاف بين وزارة الثقافة الجزائرية والمنتج والمخرج عثمان عريوات، وذهب الوزراء تباعا وقدموا تباعا إلى مبنى “هضبة العناصر” بالعاصمة الجزائر، ورغم أن الوزيرة السابقة نادية العبيدي قدمت تطمينات منذ سنتين حول الترخيص للفيلم بالعرض، إلاّ أن رحيلها ومقدم الوزير عز الدين ميهوبي أعاد الفيلم إلى المربع صفر.

العمري كعوان: عثمان عريوات ألبس العمل بلباسه، ولم يسمح بظهور غيره في الفيلم

وجاءت تصريحات الممثل العمري كعوان لتفاقم من وضع “سنوات الإشهار”، وترهن حظوظ عرضه، ليكون الفيلم الذي أثار الكثير من الجدل ووعد بالكثير في مسار الكوميديا الجزائرية، أول فيلم ينتهي قبل أن يبدأ، خاصة في ظل الحديث غير المعلن عن إرادة تريد قبر العمل، لأنه سيشعل الساحة الناقدة للأوضاع السياسية والاجتماعية، وسيعزز جبهة النشطاء المعارضين للواقع الراهن في مختلف الجبهات.

وإن سمح نظام الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في حقبة الثمانينات بعرض فيلم “كرنفال في دشرة” للفنان الكوميدي عثمان عريوات، رغم نقده اللاذع لتبعات الخيارات السياسية المنتهجة آنذاك، فإن أجواء الديمقراطية والحريات التي سادت البلاد حينذاك، عرفت تراجعا رهيبا بعده، والسلطة الآن تدرك أن إسقاطات ورسائل الفيلم مازالت ملاذ الناشطين رغم مرور ربع قرن على إنتاجه، وأي تكرار لتجربة كوميدية مماثلة ستكون نتائجها وخيمة على مصداقية السلطة لدى الرأي العام.

وكان الممثل الرئيسي في “سنوات الإشهار” العمري كعوان، قد صرح بأن: عثمان عريوات ألبس العمل بلباسه ولم يسمح بظهور غيره في الفيلم، ولذلك انسحبت بعد شهر من التصوير، والآن من الصعوبة أن يلجأ عريوات إلى حذف المشاهد التي أظهر فيها في الفيلم، كما يصعب أيضا استبدالي بممثل آخر بعد تصوير جزء كبير من العمل، وبالتالي يستحيل تقنيا تكملة الفيلم.

وجاء التصريح مفاجئا لعثمان عريوات، ووصف ما قيل بـ“الأكاذيب والمغالطات” حول شخصه وحول الفيلم، وعبر عن إصراره على المضي قدما بعمله حتى نهايته، إدراكا منه لقيمته الفنية وتعلق الجمهور العريض بشخصه وبأعماله، ووعد الجمهور الجزائري بعرض عمله في التلفزيون والقاعات في الوقت المناسب.

ويبقى الفنان الذي ابتعد عن الأضواء خلال السنوات الأخيرة، متربعا على عرش الملايين الجزائريين، لما ينطوي عليه من قدرات فائقة، على التكيف مع مختلف الأدوار وتقمص مختلف الشخصيات، فكما أدّى دور القائد العسكري التقي والورع في فيلم “الشيخ بوعمامة”، أدّى أيضا دور الشخصية الكوميدية والهزلية في دور سي مخلوف البومباردي في فيلم “كرنفال في دشرة”.

كما ينتظر منه ظهور لافت يؤكد تربعه على عرش الدراما الجزائرية في العقود الأخيرة، في فيلم “سنوات الإشهار”، الذي كرس له كل وقته وجهده.

16