سنودن في مهمة جديدة.. حماية المراسلين من الجواسيس

أصبحت لعميل المخابرات السابق، والرجل الذي كشف مجموعة من أكبر فضائح التجسس في العالم إدوارد سنودن مهمة جديدة. هذه المرة لن يسعى سنودن لكشف فضائح جديدة لكنه يسعى إلى حماية المراسلين من التجسس لجعل اللعبة أكثر عدلا.
السبت 2017/02/25
مازال هناك من يخاف على الصحافيين

موسكو - يعرف عن الصحافة الأميركية هوسها بالتأريخ للمنعطفات التي مرت بها، مثلما جرى عقب فضيحة “ووترغيت” أو في مرحلة ما بعد “الزحف الأزرق” (الإنترنت)، وهي اليوم تؤرخ لحقبة جديدة دخلتها منذ أربع سنوات تقريبا.. يتعلق الأمر بالصحافة في أجواء “ما بعد إدوارد سنودن”.

وكان استطلاع للآراء أجراه مركز تو للصحافة الرقمية “Tow Center for Digital Journalism” أظهر أن غالبية الصحافيين تنتابهم المخاوف من المراقبة، لكن ذلك لم يحل بين متابعتهم أعمالهم الاستقصائية والاستمرار في الوصول إلى مصادرهم.

ولسوء الحظ، تستقبل غرف الأخبار الوضع الجديد وهي تعاني من ضوائق مالية بسبب منافسة مصدرها شبكات التواصل الاجتماعي وتراجع المبيعات، ما يعني تخفيضها الموارد المطلوبة لتوفير التدريب على الأمن الرقمي لصحافييها، وكشفت الدراسة أن 15 بالمئة من الصحافيين فقط تلقوا تدريبات تتصل بالأمن الرقمي من طرف مؤسساتهم.

لكن رئيس كلية كولومبيا للصحافة، لي بولينغر، اعتبر أن انحسار الموارد المالية للمؤسسات الصحافية لا ينبغي أخذه مطية للحؤول بين غرف تحريرها وبين التدريب، بل “يجب أن تشجع على الاستفادة من دورات الأمن الرقمي لتقييم المخاطر”. وقال أيضا إن ما يتطلبه العهد الجديد هو “الحرص على قدسية المصدر والبحث عن حلول لتجاوز محاولات الإخضاع التي تمارسها المؤسسة السياسية، فضلا عن أهمية احترام الأخلاقيات وتحمل المسؤولية”.

وكشف رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة “واشنطن بوست”، مارتي بارون، بدوره، جانبا من التحديات التي تواجه صحافيي اليوم بما في ذلك عدم القدرة على حماية المصادر وتحقيق التوازن بين الهاجس الأمني وبين خطابي الحرية والديمقراطية.

الآن، وبعد مرور ما يقرب من أربع سنوات، فقد ركز العميل الأميركي السابق، إدوارد سنودن، المرحلة المقبلة من حياته المهنية لأجل حماية الصحافيين والأشخاص الذين يمدونهم بالمعلومات في عصر تآكل الخصوصية، دون مطالبتهم بتوفير خبير تشفير أو الذهاب إلى المنفى إلى موسكو، وذلك بحسب تقرير نشره موقع «wired» وايرد الأميركي.

لا يمكن حل مشكلة المراقبة بين عشية وضحاها، ولكن سنودن يسعى لبناء درع من شأنها أن تحمي أي شخص يقف وراءها

يقول سنودن “ليس عليك سوى مراقبة الصحافيين لإيجاد مصادرهم. إذا كيف نحافظ على السرية في هذا العالم الجديد، عندما يكون ذلك أكثر أهمية من أي وقت مضى”.

ويبدو أن عميل المخابرات السابق، والرجل الذي كشف مجموعة من أكبر فضائح التجسس، وأساليب الحكومات في التنصت على بيانات المواطنين، مهتم بالتأكيد بأمان وسائل التواصل، سواء الأجهزة المحمولة أو الإنترنت. حتى من منفاه في روسيا، لم يزل سنودن مدافعا عن حق الناس في خصوصياتهم الرقمية.

وأشار التقرير إلى أن سنودن تولى رئاسة مؤسسة صغيرة غير ربحية تتخذ من سان فرانسيسكو مقرا لها وتدعى “مؤسسة حرية الصحافة” منذ مطلع العام الماضي. تتمثل مهمة المؤسسة في دعم وسائل الإعلام للقيام بعملها في وقت يهدد فيه المخترقون الذين ترعاهم الدول، ومراقبة الحكومة، الصحافة الاستقصائية بطريقة لم يتخيلها أبدا الصحافيان كارل برنستين وبوب وورد، وهما الصحافيان اللذان قدما استجوابا أدى إلى كشف كواليس فضيحة ووترغيت التي اضطرت رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الاستقالة.

يعرف سنودن، وفق تصريحاته لموقع وايرد، أنه لا تتوفر لدى غرف الأخبار الميزانية، والتطوير، أو المهارات للدفاع عن نفسها في ظل الظروف الراهنة.

وأضاف متحدثا مع الموقع الأميركي عن طريق برنامج فيديو مشفر للدردشة من منزله في موسكو “إننا نحاول توفير عدد قليل من الأدوات المتخصصة لجعل اللعبة أكثر عدلا”.

وفقا للتقرير، تتألف مجموعة العمل من 10 عاملين وحفنة مبرمجين، مع توجيه عن بعد من سنودن، وتعمل على تطوير ترسانة من التحسينات الأمنية للصحافيين.

ويتشارك سنودن ومتخصص القرصنة الشهير، بوني هوانغ، لتطوير تعديل حاسوبي لجهاز آي فون، يهدف إلى الكشف عن برمجيات خبيثة على الجهاز تنقل سرا بيانات أحد الصحافيين، بما في ذلك الموقع الذي يتواجد به.

وقال الموقع إن المجموعة تعكف على تطوير قطعة من البرمجيات تدعى Sunder (ساندر) تسمح للصحافيين بتشفير مجموعة قيمة من الأسرار ومن ثم إخراجها فقط إذا أدخل العديد من الزملاء في غرفة الأخبار كلمات المرور الخاصة بهم للوصول إلى البيانات.

ويقوم مبرمجو المؤسسة ببناء نسخة ربط وتشغيل من برنامج Jitsi (جيتسي)؛ برنامج دردشة الفيديو المشفر، الذي يستخدمـه إدوارد سنودن نفسه للاتصال اليومي. يريدون لغرف الأخبار أن تكون قادرة على تثبيته على أجهزتهم الخاصة مع عدد قليل من النقرات.

ولكن التقرير أفاد بأن أكبر إنجاز للمؤسسة كان برنامج SecureDrop، وهو منصة برمجيات مفتوحة المصدر للاتصال الآمن بين الصحافيين ومصادرهم.

الصحافة تختبئ وراء درع رقمية تحمي مصادرها

وقد تم استخدام النظام من قبل العشرات من المنصات الإخبارية، بما في ذلك صحيفة “الغارديان” البريطانية وصحيفتا “نيويورك تايمز” و“واشنطن بوست” الأميركيتين.

يذكر أنه في بداية 2014، طالب مؤسسا “مؤسسة حرية الصحافة”، التي كانت من بين المؤسسات الصحافية الأولى التي تلقت تسريبات سنودن، وهما الصحافيان غلين غرينوالد ولورا بواترا، طالبا مصدرهما الصحافي البالغ من العمر 30 عاما حينها بالانضمام إلى مجلس إدارة المجموعة كبادرة رمزية إلى حد كبير.

لكن سنودن فاجأ أعضاء مجلس الإدارة بالظهور في أول اجتماع له مع قائمة بالتغييرات المفصلة التي شملت 40 صفحة للنظام الداخلي للمؤسسة، وفي العام التالي انتخب بالإجماع رئيسا لها.

وأشاد تريفور تيم، المدير التنفيذي للمجموعة بـسنودن وخبرته الواسعة في ما يتعلق بالاتصالات الصحافية، كما أن سنودن رفض تقاضي راتب نظير توليه رئاسة المؤسسة، وبدلا من ذلك منح المجموعة 60 ألف دولار خلال العام الماضي.

وقد أظهرت تسريبات سنودن الخاصة، بحسب التقرير، الحاجة الماسة إلى عمل المؤسسة؛ ففي بداية شهر يناير طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل تنصيبه الكونغرس بالتحقيق في تسريب لشبكة أخبار “إن بي سي” NBC وهو التسريب الذي منح الشبكة نظرة خاطفة على تقرير استخباراتي حول دور روسيا في التأثير على الانتخابات الأميركية.

في الأشهر التي تلت انتصار ترامب، تلقت “مؤسسة حرية الصحافة” طلبات مكثفة من الصحافيين لتقديم دورات تدريبية، وفق ما ذكر المدير التنفيذي للمؤسسة.

يقول سنودن إن إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وليس ترامب، هي التي أقامت لائحة اتهام ضده وسبعة آخرين على الأقل بموجب قانون التجسس لتسريبه معلومات للصحافيين. لكن سنودن يشعر بالقلق من أن ترامب، مع ازدرائه العميق لوسائل الإعلام والسلطة التي يملكها في وزارة العدل الأميركية، سيكون سعيدا جدا للمضي قدما وتوسيع دائرة تلك الاتهامات والتضييقات.

واختتم التقرير بقوله إن كل ذلك يجعل الحماية التقنية لوسائل الإعلام من التجسس أكثر أهمية من أي وقت مضى. وقال سنودن “إننا لا يمكننا حل مشكلة المراقبة بين عشية وضحاها، ولكن ربما نتمكن من بناء درع من شأنها أن تحمي أي شخص يقف وراءها”.

18