سنيا الشامخي: النخبة التونسية مشوشة

الأحد 2017/02/05
البحث عن الجمال في ما هو مشوه وقبيح ومرفوض

في بداية لقائي بها، قالت لي سنيا الشامخي التي درست الإخراج السينمائي وكتابة السيناريو في باريس، وتعمل منذ سنوات طويلة أستاذة في معهد الفنون الجميلة بتونس العاصمة "أرغب قبل كلّ شيء في أن أعبرّ لك من خلال جريدة "العرب الدولية" عن غضبي من النخبة التونسية.. فقد أثبتت السنوات الأخيرة التي أعقبت سقوط نظام زين العابدين بن علي أنها نخبة مترددة، مشوّهة، ومشوّشة في أفكارها وتوجّهاتها إن لم تكن فاقدة للبوصلة، وبالتالي عاجزة عن مواكبة الأحداث والتطورات السريعة. كما أنها غير متجذرة في الواقع التونسي.. وربما يعود ذلك إلى أنها تميل إلى تقليد الأجنبي، الفرنسي تحديدا، وتركن إلى التحاليل السطحية والسهلة.. تلك التي تفتقر إلى المجهود الفكري في معناها العميق.. لذا هي فوّتت على نفسها فرصة تاريخية عظيمة.. فرصة كان من الممكن أن تسمح لها بأن تحتل المشهد لتقود المجتمع المكبل بالقيود إلى التغيير الحقيقي على جميع المستويات.. وأنا أعرف مثقفين يتظاهرون بحماسهم لحرية المرأة في المنابر الإعلامية، لكنهم في الواقع لا يختلفون كثيرا عن الأصوليين والسلفيين..".

سنيا الشامخي مثقفة تتقد حماسا ونشاطا. فقد أخرجت العديد من الأفلام التي نالت جوائز تونسية وعربية وأجنبية. كما أنها تكتب الرواية بالفرنسية. ومن بين رواياتها يمكن أن نذكر “رجل الأفول”، و”ليلى أو امرأة الفجر” الحاصلة على جائزة “كومار” عام 2009. وفي دراساتها النقدية تطرّقت إلى جوانب مختلفة من السينما التونسية قي ضوء الحداثة، وإلى دور المرأة في الحياة الثقافية والفنية. أمّا نشاطاتها الكثيرة الأخرى فتتوزع على المشاركة في الملتقيات التونسية والعربية والأجنبية المتّصلة بالبحوث والرواية والسينما.

تقول سنيا الشامخي “أحبّ أن أكتب في الصباح حين يتسلل ضوء النهار الطالع إلى باحة البيت.. هو يأتي إليّ باسما سعيدا فأذوب فيه وأشرع في الكتابة.. وثمة روائيات أستحضرهن في بداية كل رواية أكتبها مثل أغوتا كريستوف في ثلاثيتها البديعة ‘الكراس الكبير’، و’البرهان’، و’الكذبة الثالثة’. كما أستحضر سيمون دو بوفوار، وفرانسواز ساغان في روايتها الأولى "صباح الخير أيها الحزن" التي قرأتها في سنوات مراهقتي. وأتذكر أني ضحكت كثيرا وأنا أقرأ أميلي نوتومب. وأنا أحب أن أقرأ سير الكتاب”.

وتضيف سنيا الشامخي قائلة “أنا أميل إلى الكاتبات الجريئات مثل كاترين ميللي التي أثارت ضجة كبيرة في فرنسا عندما أصدرت روايتها "الحياة الجنسية لكاترين. م"، ومارلين فرانش التي تحدثت في روايتها "تبرّج النساء" عن عالم المرأة الحميمي في خلوتها، ومارغريت دوراس خصوصا في ‘العشيق’، وفي ‘عشيق الصين الشمالية’، وفي ‘سدّ ضد الباسيفيكي’. وثمّة كاتبة من أصول جزائرية وهي نينا بوراوي تثير فضولي. لها لغة ساحرة منسابة وقاطعة مثل سكين مشحوذ جيّدا. وهي تكتب مثل رسام موهوب. وهي تتطرق في رواياتها إلى مواضيع ‘وسخة’ ومريبة لكنها حاملة لأحاسيس حارة وعنيفة للغاية آتية من زمن الطفولة البعيد. ودائما يحضر الحب، وعنف الرجال، ورقة المرأة. وفي مجمل رواياتها، هي تستحضر طفولتها، والجزائر التي اقتلعت منها وهي في الرابعة عشرة من عمرها، ووالدتها الفرنسية التي اختارت في النهاية الإقامة في بلدها الأمّ.. نعم أنا أعشق الكاتبات اللاّتي لا تخشين نشر الفضائح، والمسّ من المحرّمات".

وعن متعة القراءة تقول سنيا الشامخي “أنا أقرأ لكي أحمي نفسي من صخب العالم، ومن عنفه، ومن ابتذاله، ومن تفاهته في غالب الأحيان. وأنا أقرأ لكي أستمع إلى موسيقى الكلمات، ولكي أتمتع بجمالية النص سواء كان شعرا أم نثرا، ولكي تحلق بي لغة شعرية بعيدا، فأكتشف العالم من جديد.. أحيانا أعيد قراءة رواية من تلك الروايات التي تروي قصصا تراجيدية وملحمية، وأجد في ذلك متعة كبيرة.. وأنا أكتب لا لكي أسمّي الأشياء والعالم وإنما لكي أمضي بعيدا في أحلامي، ولكي أمتحن نفسي، وأستعيد براءتي الطفولية”.

وعن أعمالها السينمائية تقول سنيا الشانخي “أنا مهتمة في كل نشاطاتي وكتاباتي بالجمالية.. وهذا ما تعكسه بحوثي ودراساتي الكثيرة التي لها خلفية فلسفية.. فأنا متأثرة بميشال فوكو، وسوزان سونتاغ، ورولان بارت، وفالتر بنيامين وبآخرين من رموز الحداثة الغربية.. وأعتقد أنني أبحث في السينما عمّا يمكن أن يكمل الفراغ الذي لا تستطيع الكتابة وحدها أن تملأه.. وقد أغرتني موسيقى ‘المزود’ التي ظهرت في الأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة في السبعينات من القرن الماضي فأخرجت فيلما وثائقيا عنها وعن نجومها الكبار.. وأنت تعلم أن نظام بورقيبة أقصى هذه الموسيقى من الإذاعة ومن التلفزيون باعتبارها موسيقى مبتذلة وسوقية.. مع ذلك تمكنت موسيقى المزود من أن تخترق المجتمع التونسي بجميع طبقاته لتصبح جماهيرية.. واليوم هناك موسيقى الراب.. وهذه الموسيقى تشهد الآن انتشارا واسعا لدى الشباب، لا في المدن الكبيرة فحسب، بل في القرى والمداشر النائية.. من خلالها يعبّر الشباب عن مشاغلهم النفسية والاجتماعية وحتى السياسية.. لذا من الخطأ أن نحتقرها ونرفضها. وفي أفلامي الأخرى مثل "عزيّز روحو" أنا أتطرق إلى مشاكل اجتماعية ونفسية تخص علاقة المرأة بالرجل، وتَعثّر الحداثة في مجتمع تونسي لا يزال مشدودا إلى الماضي، وإلى التقاليد القديمة.. وأنا دائما أشعر أن السينما هي الوسيلة الفنية الأفضل لطرح القضايا التي تهم فئات واسعة من الناس رغم اختلاف مراتبهم وتوجهاتهم.. وفي السينما كما في الرواية أنا أبحث عن الجمال حتى في ما هو مشوه وقبيح ومرفوض”.

كاتب من تونس

15