سنيا دولوناي رسامة تجريدية بدرجة مصممة أزياء

الاثنين 2014/12/01
دولوناي يعدها النقاد رائدة الحوار بين الفنون

باريس- على ضفاف نهر السين، يحتفي متحف الفن المعاصر -من 17 أكتوبر 2014 إلى 22 فبراير 2015 - بمعرض استعادي باريسي يقام لواحدة من أهم روّاد التجريدية هي سنيا دولوناي، وقد جاء في شكل مونوغرافيا ترسم مسيرة الفنانة من فجر القرن العشرين إلى أواخر السبعينات، وتسلط الضوء على نشاطها في الفنون التطبيقية ومكانتها في الحركات الطلائعية الأوروبية ودورها الريادي في التيار التجريدي.

هو أضخم معرض يقام لسنيا دولوناي (1885 /1979) في باريس منذ 1967، ويضمّ ما يزيد عن 400 أثر ما بين لوحات زيتية وزخارف جدارية، ولوحات بصبغ، ومطبوعات نافرة أو مقعرة وألوان من الموضة والأنسجة مع صور فوتوغرافية وأشرطة سينمائية تسترجع أنشطة الفنانة ومداخلاتها، معروضة كلها حسب ترتيب زمني.

هذه الفنانة، التي حصلت على الجنسية الفرنسية عام 1908، هي من أصل أوكراني (واسمها الحقيقي سارة إللينيتش اشتيرن)، تبناها خالها وهي طفلة، ولما اشتد عودها هاجرت إلى كارلسروهه بألمانيا، حيث درست فنون الرسم لمدة عامين، ثم انتقلت عام 1905 إلى باريس، حيث انخرطت في أكاديمية لاباليت بمونبارناس لتتعلم الحفر والنقش.

هناك التقت بغوغان وفان كوخ وجربت التوحشية، كما تدربت مع بيير بونار وجان إدوار فوييّار على كيفية استعمال الألوان الموحدة ذات الدرجة الخالصة، لرسم وجوه معبّرة منفصلة في الغالب عن أرضية مزينة.

وفي عام 1910، تزوجت الفنان روبير دولوناي، فاختارا معا التجريدية طريقة في التعبير الفني، وأعلنا عن مولد فن جديد يستند إلى طاقة اللون في ديناميكيته البناءة، أو ما أطلقا عليه اسم “التزامنية” أي البحث عن ألوان خالصة وحركات ألوان متزامنة.

وهي التجربة التي استوحاها من بعدهما رسامون آخرون مثل فرنان ليجيه وغاسبر جونس. وفي هذا تقول سنيا: “تحاببنا في إطار الفن، وتوحّدنا كما يتوحد أزواج آخرون في العقيدة، أو الجريمة، أو تعاطي الكحول، أو الطموح السياسي. شغفنا بالرسم كان رابطنا الأساس”. حتى أن صديقهما الشاعر أبولينير قال مرة: “عندما يصحو روبير وسنيا يتحدثان عن الفن التشكيلي”.

تقول سنيا: “تحاببنا في إطار الفن، وتوحّدنا كما يتوحد أزواج آخرون في العقيدة، أو الجريمة، أو تعاطي الكحول، أو الطموح السياسي

كان الزوجان متحدين في حياتهما الخاصة والعامة، ملتزمين بالبحث عن سبل تطوير أدواتهما الفنية، والتطلع إلى آفاق جديدة. فبينما كان روبير يسعى إلى تحديد مفهوم التجريد كلغة كونية، كانت سنيا تجرّبه على المحامل المختلفة، كاللوحات واللافتات والملابس وأسفار الكتب والأدوات المنزلية، بل إن شقتهما الباريسية تحولت إلى فضاء للعرض، تزينه الألوان من كل جانب.

ولما فاجأتهما الحرب الكبرى وهما في أسبانيا، قررا تمديد إجازتهما في البرتغال. هناك طورت سنيا نشاطها في مجالي الموضة والمسرح، وسوّقت إنتاجها في مدريد عام 1918، ثم في باريس منذ العشرينات إثر عودتها رفقة زوجها.

العشرية الموالية شهدت ظهور تجريدية مطهّرة هي سمة الأسلوب العالمي، بالتناغم مع الهندسة المعمارية، كما نجد ذلك في الزخارف الجدارية، داخل قصر السكك الحديد خلال المعرض العالمي للفنون، التي دأبت سنيا على عرضها في باريس منذ عام 1937.

وكان لمساهماتها في صالون الحقائق الجديدة الذي أنشأته عام 1946 خصيصا لنشر التجريبية، دور الرابط بين روادها والتابعين الذين ظهروا بعد الحرب، مثلما كان لها دور فاعل في مشاريع الهندسة المعمارية، وحضور لافت في رواق دنيز رنيه.

في تلك الفترة عرف فن دولوناي تحولا بلغ أوجه في الستينات في شكل فن تجريدي شاعري، فقد كان الخلق عندها في وجهيه الشكلي والتقني ينعكس في أعمال كالرسوم الجدارية والفسيفساء والسجاد، وتجسيد أشعار رامبو ومالارميه وسندرار وتريستان تزارا وفيليب سوبو، قبل أن ينتقل في مرحلته المتأخرة إلى ألبومات صور محفورة.

كانت حياتها متسمة بزخم الإنتاج وكثرة الحضور في المعارض والأروقة العالمية، مثل الرواق القومي بكندا، مؤسسة غولبنكيان بلشبونة، ومتحف الفن المعاصر بباريس ومتحف اللوفر ومتحف الفنون الجميلة بليون ومتحف الفن والصناعة بسانت اتيان.

كانت حياتها متسمة بزخم الإنتاج وكثرة الحضور في المعارض والأروقة العالمية، مثل الرواق القومي بكندا

تركت سنيا دولوناي إنتاجا غزيرا يحتوي أيضا على أقمشة مطبوعة، وكتب رسامين، وفساتين فاخرة أشهرها فستان الممثلة الأميركية نانسي كونراد. وقد اختلف النقاد حول إنتاجها النسيجي، فميشيل سوفور الذي يرى أن ذلك المسعى حصرها في دائرة الموضة يقول: “من المؤسف أن سنيا دولوناي، بدل أن تكرس فنها للرسم، شتّتت جهودها وموهبتها طوال أعوام في البحث عن الوسيلة التي تقحم بها أفكارها التزامنية في الموضة”.

بخلاف جاك داماز الذي يعتبر أن “الموتيفات” على الأقمشة التي ابتكرتها سنيا شكلت إضافة جديدة إلى فن الرسم، فهي في رأيه مصدر إلهام لجيل من الرسامين الشبان، أشهرهم الهولندي بييت موندريان. ولكن أغلبهم يحيّون فيها مواظبتها في البحث عن أشكال مستجدة، وسعيها للتوليف بين سائر الأنماط الفنية، وخلق حوار بين الفنون.

ورغم ذلك العطاء الزاخر، كتبت سنيا في يومياتها عام 1978: “لا أستطيع تحديد فني التشكيلي، أنا أرتاب دائما من التصنيف والمنظومات. إذ كيف يمكن تسمية ما نخرجه من أعماقنا بجهد جهيد”.

16