سنية صالح وشعرية العشاق المهووسين

السبت 2015/08/22
سنية صالح سورية شاركت الماغوط أحلامه ثم غادرته إلى الغياب

لا تشكل ظاهرة سنية صالح حالة متفردة في مسار الشعر السوري والعربي في القرن العشرين وحسب، بل إنها ربما تكون الحالة الأنثوية الأكثر تجوهراً حول البنية المجازية المعيارية للحداثة الشعرية العربية التي بدأت ملامحها منذ منتصف القرن الماضي وحتى الآن.

حيث لا يعثر قارئ الشعر على صوتٍ شعري أنثوي سوري يستطيع أن يفصّل في شعريته بين خطابه ولغته، وبين الخطاب المهيمن واللغة الذكورية.

شعراء تموزيون

سنية صالح حالة وظاهرة تفردت عن هذا السياق، رغم انتمائها إليه من حيث مشاركتها ومنذ بداية الستينات (جائزة النهار الأدبية 1961)، في صناعة الظاهرة، فقد بدأت كتابة الشعر في الخلف مما صنعته ظاهرة “الشعراء التموزيين”، الذين ابتكروا المصطلح الذي أشار إليهم جبرا إبراهيم جبرا، وكان من بينهم بدر شاكر السياب، وعلى مسافة منهم خرجت بلغتها نحو تجريد الصوت الشعري من معطيات الانتماء إلى الجماعة.

هي ابنة الظاهرة ولكنها تختار الافتراق عن العلاقة الأبوية للشعر، فتبحث وعبر لغتها عن حواف خاصة تجعل من الكلام أداة حادة، تغامر من خلالها الذاتُ القارئة لتختبر ردهات تلقيها. وهكذا فإن النظر في مجموعاتها الشعرية الأربع “الزمان الضيق، بيروت 1964” و”حبر الإعدام، بيروت 1970” و”قصائد، بيروت 1980” و”ذكر الورد، لندن 1988”، لا بد سيقودنا إلى الوقوف أمام ثنائية على المستوى الدلالي الأول، ثنائية تأخذ تعبيرها من خلال مفردتين هما “الجسد” و”الإرهاب”، وتتحول وفي حال التعمق الذي تقدمه القراءة الثانية للمجموعات إلى تقابل على مستوى القول والمعنى، إنها تشكل بقسوة حواف العمق المطلوب في قراءة الشعر، وليمسي كل ما خلفها حافة ثانية تقليدية، مثلها كأيّ خطاب آخر تطرحه كلمات مكرسة في خطابات الحداثة الشعرية العربية كالحب والوطن والروح والطفولة، الخ.

لعلها واحدة من النذورات القاسية جداً على الصورة الفنية عموماً والشعرية خصوصاً، أن تبقى عالقة منذ ولادتها بانتظار موتها، إذ هي تحقّق شبه مجرد عن كل المحسوسات لحالة الجماع بين الحياة وبين الموت في طقس احتراف الفعل الحياتي؟ ثمة حالة من الضبابية ترافق حديثنا الدائم عن جنس هاتين الكلمتين “الحياة، الموت”.

سياق الفعل الذي يفترضه نهج توالد الصور في يوميات الشاعرة سنية صالح وقصائدها يدفع بالملكات التي تتحسس هذه العلاقة لأن تتبنى الموقف الذي يفضي إليه خطاب القصيدة ذاتها

هل ثمة أفق لتجريد الصورة أكثر فأكثر باتجاه حالة من انتفاء الجنس معيارياً؟ ربما يقدم لنا إسقاط أداة التعريف الكلمة في عريها الخارجي، إنّ تغييب الجنس كمحدد نوعي يجعل الصورة تستعيد خصوبتها في تفاعلها الأزلي ضمن بنيتها أولاً، وفي ما يفيض عن ارتوائها، ويسيل باتجاه القارئ ثانياً، والحديث عن هذا في الإطار الشعري الذي قدمته سنية صالح ليس معزولاً بالتأكيد عن ظرفها الخارجي الذي عاشته والذي أثّر في بنية صورتها الشعرية وجعلها أكثر من مجرد صورة تستند عليها القصيدة لتولد الدهشة.

الصورة الشعرية

حاولت سنية صالح منح عملها على صورتها الشعرية شرعية ما، ضمن البحث عن علاقة سرية وعلنية في آن معاً بين الشاعر والقارئ فتقول “كلاهما يضيء الآخر، كالصور الشعرية التي تضيء بعضها البعض، تدعم بعضها البعض أو تأخذ من بعضها البعض”.

ولكن سياق الفعل الذي يفترضه نهج توالد الصور في يوميات الشاعرة وقصائدها يدفع بالملكات التي تتحسس هذه العلاقة لأن تتبنى الموقف الذي يفضي إليه خطاب القصيدة ذاتها، تقول “أفتح نوافذي للحب، فيدخلها حشد من العشاق والراغبين في الجسد حاملين معهم الغضب والعبودية، وتطأ نعالهم العمر وهم في توغلهم العنيد صوب القلب الغائب، وكأسلاك شائكة يشقون طريقهم في الشرايين وكأنها أنفاق بنيت لعبور الأعداء والجواسيس جموع لا همّ لها إلا أن تقذف منصة الأحلام بنار الجحيم، المنصة التي يعتليها الوطن والأطفال”. (من ديوان قصائد).

ما الذي تعنيه الشاعرة بالإرهاب والذي تضع بالمقابل معه “منصة الأحلام”؟ فالإرهاب يدخل الأعماق كما تقول هي “يقرر حركة الحياة، فارضاً شروطه مسلطاً رقابته، قاذفاً خلايا العمر بالمعونات الفاسدة” بينما لا يستطيع القلب فعل أيّ شيء.

تقول “يأخذ القلب ما يلقى له/من الخبز والطحين/والعدل، دون أن يجرؤ على المناقشة، فالرقباء كثر، والثعالب شرسة/الدم يتشرد أمام عتبات الإعانات،/ملطخاً بالذل، وأحلام واهية تطارد أثر الأمل”.

يتحدث رولان بارت عن القلب في “خطاب العاشق” فيقول عنه إنه “كلمة تناسب كل أنواع الحركات والرغبات. ولكن ما هو ثابت هو أن القلب يتكون من أعطية، أو هبة، سواء كانت مقبولة أم مرفوضة”.

سنية صالح لا تمنهج عمل القلب مقموعاً وبلا قدرة على المناقشة، بل تأخذ مساحة ابتعادها به عن موقع التضاد، في سبيل واحد: إبراز الأثر الآخر في الصورة، ووفقاً لاحتلال الإرهاب الموقع المركزي في الصورة المقصودة، فإن المرجعية التي تبنى عليها الصورة ليست ذاتية، قدر كونها ذات منحى إنساني، فالقلب “هو الشيء الذي أظن أنني أهبه، وفي كل مرة ترد لي هذه الهبة”.. فهل استطاعت سنية صالح استرداد قلبها بعد صورتها الشعرية؟

إن اختلاط أوراق الراحلة وعلى مستوى المجموعات الثلاث الأولى يبعثر القلب، فيغدو مهشماً فتقول “نادني أيها المجهول بكل أصواتك الذهبية/امنحني ذراعك المنقذة/فقلبي بحر صغير هانم بحبك” (من حرب الذاكرة).

وتردف في إعلان حقيقي لهزيمة مشروع القلب في قصيدة تالية “كيف أسير في الأزمان الغريبة وقد أدمنت روحي على طعم الظلام/أيّ موج سيهدر وأنا أخبرك عن الجلادين والأفاعي والمرائين واللصوص والجمال الهائجة والكلاب المسعورة/والخونة،/ولأنهم جميعهم الطرف الرابح خسرت/ أنا الخاسرة الأبدية”.

في “ذكر الورد” قلما تمر أمامنا قصيدة تنجو من الرغبة في إعادة الحياة إلى جذورها الأولى، ولعل هذا الحشد من استحضار الأزمنة الأولى لم يكن أمراً خارجاً عن وعي الحالة الشعرية لدى الشاعرة ذاتها

سنية صالح هنا لا تستتر بالشعر، إنها تفصل له مقصلته حين لا يغدو مؤثراً إلا عبر صداميته مع مشروع الآخر الظلامي، في ثنائية الجسد والإرهاب، تاركة للقارئ مجسات خفيّة تبشر بانتصار محتمل للمشروع الذي تتبناه، وإذ تلجأ في مكان آخر إلى التصريح خارج إطار الشعر عن القائم في مصهر الحالة واللحظة الشعرية، فإنّ تبين هذا القائم سيصب في الإطار الذي ينقل إلى بنية الصورة ذاتها، تقول “جسد الشاعر هو حلقة الوصل بين حلمه والعالم، أو بين الحلم واللاحلم، هو معبر الرؤية إذ كيف تمر التجارب المعيشية إلى اللاوعي دون أن يكون الجسد قد امتص قدراً كبيراً من الواقع، من جذبه أو صدماته، من تبادل السيطرة أو تبادل الهزيمة؟ عملية التداخل أو التفاعل هذه هي الزمن الضروري للتحول إلى شعر، تخترق هذه التجارب وعي الشاعر في عبورها التراجيدي المروع من المناخ المباشر إلى مناخ الحلم مخضعة الجسد لتقلبات هو جاء بين مهاوي الأرض وحمى المرتفعات”.

المنصة الوحيدة الباقية

إن الجسد الذي كنا نراه مرغوباً ومشتهى لا يدخل في الصورة بصفاته السالفة، إنه يعاني من انقسام خليوي، يحوله إلى جسدين، جسد قاتل يطفئ العالم في المخيلة وآخر “مقتول” تتصاعد منه النهايات، والحاصل من هذه المقاربة انتقال التضاد من مستوى فوقي هو مستوى المشروع إلى مستوى تحتي هو مستوى الذات، فإذا كانت سنية صالح لم تملك سوى أن تخاطب الآخر في المستوى الأول بقولها “لكن أيها العشاق الفاتكون، إنها المنصة الوحيدة الباقية للحب والوطن والأطفال”.

إنها حقاً كانت خاسرة وحيدة في الجزء الثاني من المعادلة، فبعد أن نتلمس المعاناة لديها ومقاربتها لخطابها الذاتي مع خطاب معاناة المرأة الاجتماعي، نجدها تتجاوز هذا الأخير مفسحة المجال عبر المقطع السابق لاستدراك عودة يقوم بها الآخرون كي يتطهّروا من أدرانهم الإرهابية الكامنة في اللاوعي، أو في المغيّب من العقل والتي تساوي بين الحياة والموت، وهي بذلك إنما تفعل ما تبقى على الخيط الوحيد الواصل بينها وبين العالم المعاش، هذا الخيط الحنيني الذي يتماهى كفعل مستقل ويقترب من الفعل الأساسي في بنية الصورة التي تعيد إنتاج الرغبة بالحياة.

غير أنها وفي ديوانها “ذكر الورد” الذي صدر بعد وفاتها عام 1985 تؤكد على الخيار الأوّلي أي البحث عن زمن الطفولة المفقود، أي تلك الثيمة المتكررة كواحدة من البنى الدلالية الكبرى في الشعر العالمي.

ومنذ الإهداء تؤكد على الرغبة في قيادة اللغة بعيداً عن صراع الذات مع الآخر، فهي تهدي الديوان إلى “البيوت الحميمية التي طرد الإنسان منها، وتلك التي ابتلعته وأهلكته، وإلى الأبواب الموصدة التي تساقط أمامها وهو ما يزال ينتظر”.

الشاعرة الغريبة، تنهج في آلامها، صوب المرآة التي تخاطب، صورة الطفلة، وهنا سنعثر في هذا الديوان على خطابات مؤلمة تقدمها الشاعرة إلى طفلتيها سلافة وشام (ابنتاها من زوجها الشاعر محمد الماغوط).

حضور هذه الطفولة في قصائد طافحة بالآلام يقود الذات القارئة نحو التعثر بالبحث الشعري الخاص بالطفولة، وهي الحالة التي قرأها غاستون باشلار في “شعرية أحلام اليقظة” ولعلها ليست صدفة أن تتمثل الشاعرة ما تقع به الشعرية الحقيقية في الثيمات المتكررة لدى أغلب الشعراء وهم يتمثلون نهايات حيواتهم شعراً، إنها تستضيء بذاكرة الغابة وهواجس الطفلة التي نامت وسط أصوات الوحوش المختلطة بترقرق الماء/النهر/الينبوع/والتحلل إلى عناصر أولى.

يقول غاستون باشلار “في تأملاتنا نحو الطفولة، في القصائد التي نودّ جميعنا كتابتها لكي نحيي تأملاتنا الأولى، لكي نستعيد معالم السعادة، تظهر الطفولة، في أسلوب سيكولوجيا الأعماق نفسه، وكأنها أنموذج مثالي حقيقي، أنموذج السعادة البسيطة الحقيقي. بلا ريب إنها صورة فينا، مركز صور تجذبُ الصور الحسنة وتنفر أو تبعد التجارب التعيسة.. ولكن هذه الصورة في مبدئها، ليست تماماً صورتنا إنّ لها جذوراً أعمق من ذكرياتنا. ومشهد طفولتنا على طفولة الإنسان، على طفولة الكائن الذي لامَسَهُ مجد الحياة”.

وفي “ذكر الورد” قلما تمر أمامنا قصيدة تنجو من الرغبة في إعادة الحياة إلى جذورها الأولى، ولعل هذا الحشد من استحضار الأزمنة الأولى لم يكن أمراً خارجاً عن وعي الحالة الشعرية لدى الشاعرة ذاتها، فهي تصرح بهذه العلاقة في مقدمة الديوان فتقول “الشعر جوهرياً عملٌ لا يكشف للشاعر العالم وحسب بل يكشف له نفسه، تجدّده، يحتمي به من التكلس والجمود بالثقافة يستطيع أن يخترق السطوح المألوفة المنهكة، أن يرى بعيداً، أن يستعيد الكثير من طفولته، أن يجد الجسر بين طفولته وطفولة الخليقة”.

هذا التقاطع غير المقصود بين ما تصرح به الراحلة سنية الصالح، وبين القاعدة التي يخرج بها باشلار يقدم لنا انزياحاً يفيد بأصالة الجملة الشعرية، التي تبدأ من محاولة استعادة الحلم الأبدي الذي يترسم في أعماق المخيلة الشعرية، وقد بدأت بتنحية العارض اليومي والإمساك بالأساسي، أو ما يجب تعزيزه، ليكون الكلام أشد حدةً وتجريماً في ذات الشاعرة نفسها، فهي تقول “في العمل الإبداعي يدفع الشاعر بشفرة ذاته داخل القشرة الثقافية الأخلاقية، وعبر النواة الحلمية، ليصل إلى مذاق الحياة الحقيقي. بذلك وحده يصير نسيج اللغة الشعرية نسيجاً مشعاً”.

سنية صالح ابنة ظاهرة الشعراء التموزيين، الذين أشار إليهم جبرا إبراهيم جبرا، وكان من بينهم بدر شاكر السياب، لكنها تختار الافتراق عن العلاقة الأبوية للشعر، فتبحث وعبر لغتها عن حواف خاصة تجعل من الكلام أداة حادة، تغامر من خلالها الذات القارئة لتختبر ردهات تلقيها

طفولة الأم

غير أن ما يشع هنا هو أكثر من مجرد رغبة شعرية أو توصيف لجوهر العملية الإبداعية، فسنية تجاوزت كلماتها الشعرية المنتقاة نحو آلام الموت (توفيت إثر مرض عضال) الذي يجد تعبيره في قصائد هي أكبر من بيان شعري، فالآخر الذي يشكل ظلاً شبحياً في مواجهة الإشعاع الطفلي، هو العالم وكوامنه هي: الطوفان/الزرنيخ/السرطان/تاريخ المذابح/الطغاة الجلادين/الخداع الكبي/كلاب الطريق/العاشق الوبال/التنين.

أما الطفولة وهي هنا كل ما تحتمله نبضات القلب الشعري في المواجهة، وهي أيضاً الذاكرة والحياة في مواجهة الموت، وفيها تأتي جموع الفقراء والشعراء والعشاق الحقيقيين والأطفال الحالمين.

وفي هذه المواجهة تأخذ كلمات سنية صالح الشعرية طابع المنازعة بين الاثنين، لتعود الثنائية الأولى ثنائية الإرهاب والجسد في تشكل جديد؛ فالأول يلبس شكل العالم، بينما يصبح الجسد المعبر نحو أزمنة الطفولة واليوتوبيا المتحدة مع المستقبل، الذي تراه الشاعرة في الطفولة التي تخاطبها، وكذلك في استعادة الأمنيات التي حولتها الحياة إلى نقمات حاصرت الجسد والروح، وما لبثت إلا ودمّرتهما، ولم تبق منهما سوى أشلاء كلمات “كيف نكتشف لعنة الحب دون عشاق مهووسين؟/كيف نكتشف الرصاصة ما لم تمزّق حرير الهواء؟/وشوك الموت مالم ننجب ونقاتل؟/ الذاكرة في العراء ورسائلها في الخزائن/خيوط المطر تحوك لباسها الخريفي/والمياه في نومها الدّهري على الشفاه/تدخل وتخرج/ كالرّوح، دون أن تتجزأ. نحن العشاق الناجحون/يئسنا وكبرنا،/شطرنا الطّاغية/ فصرنا الجسد والظل/أما أنت/فقد عسكرت طويلاً على الشواطئ/وعسكر الموج والمستحمون/ وعسكر أطفالي وأحفادي/واخذوا يبتعدون/حتى شطرنا الأفق/ وهوينا بين الفقريات واللافقريات عشاقاً مهووسين”.

14