سنّة العراق ومقاومة الهويّة الجديدة

السبت 2014/05/31
العراق للجميع

طالما كان الحديث عن التنوعات الدينية والمذهبية والعرقية في العراق، محصورا ضمن سياقات محددة، أغلبها في الأندية الثقافية، والملتقيات العالمية في الفن التشكيلي والأدب والموسيقى، حيث يهيم الأديب أو الفنّان في الحديث عن لوحة الفسيفساء العراقية، الغنية في الوانها وتنوعها، الضاربة في القدم، وكيف انعكست على جمال عمله الفني حين يسأل عنه.

لكننا اليوم أمام سياق جديد، انعكست فيه “لوحة الفسيفساء”، تلك نفسها على عالم السياسة، بعد أن فككتها الأنظمة والقوانين والأيديولوجيات التي عُمل بها بعد الاحتلال الأميركي، وحولتها إلى هويات وكيانات من النوع الطائفي السياسي، فيهيم رجل السياسة هذه المرة عوضا عن الفنان في الحديث عن ضرورة تعميمها وترسخها، ومد جذورها في الكيان العراقي العام، كلما سأل عن تعثر “الديمقراطية التحاصصية” وفشلها في استيعاب كافة الشرائح والطوائف، ضمن عملية سياسية سليمة ومتوازنة.

وفي إطار حمى التسابق على تكريس الهويات الطائفية السياسية، تبدو اليوم أكثرها استعصاء، هي الهوية “العربية السنية “، مما جعلها السبب الرئيسي في صداع السياسيين. هذا الاسم الذي اختارته عملية بريمر السياسية لاتباع المذهب السني في “العراق الجديد” كتعبير دلالي سياسي، ليكونوا أحد المكونات الرئيسية الثلاثة، إلى جانب الشيعة والكرد، بالإضافة إلى التركمان والمسيحيين وغيرهم من “الأقليات” الصغرى. هذا التقسيم وضع السنة كما عموم العراقيين أمام صدمة تاريخية كبيرة، لم يستطع العقل الجمعي لهذه الفئة المذهبية أن يستوعبها، بينما استطاعت باقي المكونات أن تتقبل ذلك إلى حد ما، وذلك يعود إلى عوامل وظروف متعددة فرضها تاريخ وكرستها وقائع لابد من تسليط الضوء عليها.


العراق القديم / الجديد


تشكلت الدولة العراقية سنة 1921، في ظل غياب تام لأي حديث عن هويات طائفية سياسية، رغم الحضور الفاعل للخطاب الديني. خلال ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، أصدرت المراجع الشيعية الفتوى الدينية التي شجعت على انتشار الثورة، وكذلك الأمر من الجانب السني. لم يعد خطاب رجالات الدين والطوائف وقتها عن كونه خطابا شعبيا، محفزا للحالة الثورية التي تصدت لمشروع “تهنيد العراق” وطالبت بالحكم العربي. وهذا ما يفسّر قبول العشائر العراقية الثائرة تولية الأمير فيصل على عرش العراق، دون تسجيل أي احتجاج تاريخي يذكر من قبل الشيعة في العراق على انتماء الملك الجديد إلى المذهب السني.

رفض السنة لمحاولات تشكيلهم بقرار أميركي، جعل منهم الحاضنة الأساسية لانطلاق المقاومة العراقية ضد الاحتلال

رسمت حقبة الحكم الملكي الخارطة الأساسية للتموضعات الاجتماعية، حظي فيها السنة بمسؤوليات كبيرة في الدولة العراقية، ليس انطلاقا من ميل طائفي في التشكيل الكياني الجديد، بقدر ما هو انعكاس لوضع اجتماعي تميز فيه السنة عن غيرهم تاريخيا، ولاسيما في الموصل وبغداد، خاصة في حقبة الوالي العثماني الإصلاحي مدحت باشا، حين انتعشت التجارة في المدينتين، وأسهمت في تشكل نخبة من العائلات التجارية السنيّة استطاعت أن توصل أبناءها إلى مدارس الاستانة، بينما بقي ذلك غير متاحا للجنوبيين الشيعة، فعوامل الصراع بين الإيرانيين والعثمانيين جعلت البيئات الشيعية تعيش حالة من الانكفاء على الذات والتقوقع ضمن المدارس الدينية والبنى العشائرية. كان الأمر مختلفا في البصرة نوعا ما، لكن طبيعة الحكم العثماني الطائفية كانت لها اعتباراتها.

هذا الوضع الاجتماعي جعل النخب السنية هي اللاعب الأكبر ضمن أجهزة الدولة العراقية إبان الحكم الملكي، وخاصة ضمن الجهاز العسكري، الذي كان الصانع الأبرز لكل التحولات والأحداث اللاحقة حتى قيام الجمهورية ولاحقا انقلاب البعث. هذا السياق الذي حكم تاريخ العراقيين السنة، لم يوفر أي مبررات موضوعية لأي تبلور سياسي طائفي كما هو الحال لدى العراقيين الشيعة، حيث شكل موضوع تهميشهم التاريخي عن الأدوار السلطوية، المبرر الأكبر لظهور الأيديولوجيات السياسية الطائفية التي هي اللاعب الأبرز في ما يسمى اليوم بـ”العراق الجديد“.

كان تشكيل حزب الدعوة الإسلامية الشيعي عام 1954 أول تشكل طائفي سياسي في البلاد، ساهمت ممارساته الراديكالية في إبعاده عن المشهد السياسي في العراق، إلا أنه استمر في العمل السري ضمن الحوزات الدينية، حتى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد شجعه ذلك على اكتسابه نفوذا أكبر، بالإضافة إلى عدة تنظيمات حملت أفكار الثورة الإسلامية، والخلاص الشيعي وغيرهما من المفاهيم، كتنظيم “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” ولاحقا العصائب وغيرهما. عملت تلك التنظيمات على حشد الرأي العام الشيعي طائفيا، وتحقيق شبه اجماع شيعي حولها، وجعلها قربها من الاحتلال الأميركي اللاعب الأبرز في صياغة مرحلة ما بعد سقوط الدولة، بالإضافة إلى الكرد الذين كانوا قد حسموا أمر هويتهم القومية وخياراتهم بعيدا عن أي اندماج مذهبي.

المرأة العراقية دفعت، ولاتزال تدفع، غاليا مستحقات الغزو الأميركي وما أعقبه من صراع طائفي متفجر ودام

هذا المعطى الجديد جعل سنة العراق في حالة من الصدمة التاريخية، لم تتأثر بها كثيرا بقية المكونات التي وجدت معبرات عنها نقلتها من موقع التهميش إلى موقع السلطة. هُمّش السنة لأسباب عنصرية، وتعرضوا للكثير من الممارسات الانتقامية، على اعتبارهم “الكتلة السياسية” التي كانت في الحكم السابق!، وحُمّلوا مسؤولية تهميشهم، بسبب مقاطعتهم للعملية السياسية منذ البداية.


المقاومة العراقية


رفض السنة لمحاولات تشكيلهم الجديد بقرار أميركي، جعل منهم الحاضنة الأساسية لانطلاق المقاومة العراقية ضد الاحتلال. تراوح خطاب المقاومة بين الخطاب القومي والخطاب الديني المعتدل، عبر عن نفسه بعدة فصائل وتنظيمات بمسميات مختلفة، أبرزها المجلس السياسي للمقاومة العراقية. مشروعهم هذا تعرض لاختراقات مفتعلة من قبل أطراف خارجية ولاسيما تنظيم القاعدة ذي الأجندة الدولية المتطرفة، مما جعل مشروع المقاومة يتراجع لصالح الميل للتخلص من التطرف، وإيجاد مخرج ما ضمن العملية السياسية ذاتها. انعكس ذلك في المشاركة الواسعة للكتلة السنية في انتخابات 2010، وانصب الخيار حينها على البرنامج الذي حمل طابعا علمانيا معاديا للطائفية، عبّر عنه نوعا ما “ائتلاف العراقية” بقيادة “الشيعي” العلماني إياد علاوي. لم ينجح الائتلاف في تشكيل حكومة رغم الحصول على الأغلبية داخل البرلمان، الأمر الذي جعل هذا الخيار يكلّل بالخيبة من العملية السياسية كلها.

بينما تستمر محاولات تكتيل السنة في العراق ضمن الهوية السياسية الجديدة، إلا أنها تبدو يوما بعد يوم عصية على ذلك، بسبب رفض الكتلة الأكبر من السنة لهذا الأمر، الذي يستهدف إنهاء دورهم وعزلهم ضمن كانتون طائفي، على حساب الانتماء إلى العراق، ولصالح المشاريع الاحتلالية، ليبدو السياسيون السنة العاملون على هذا الأمر، مشتتين غير قادرين على إحداث إجماع سني حول مشروعهم، مما يجعلهم يبحثون عن دعم خارجي لإحداث ضغط ما من أجل منصب هنا أو إقليم هناك، فيما يدخل سنة العراق في موجة ثورية عارمة على مجمل البنى السياسية والاجتماعية التي حملها مشروع “العراق الجديد”، باحثين عن من يشاركهم لدى الكيانات الأخرى التي اختبرت الطائفية السياسية، وذاقت كثيرا من مرارة أن تحشر ضمن كانتون هوياتي طائفي ضيق تحت ربقة أمراء الطوائف ومافيات النهب وتجار الهويات.

7