سن يأس البلاد

السبت 2015/07/11

نحنُ الآن على باب الليالي الخمس المتأخرات من شهر رمضان. عملية فقدان الأمل تكاد حلقاتها تتصل ببعضها، والمشاكل بنات عمّ وأخوات تكاد واحدتهنّ تبوس الثانية. هلالُنا لم يعدْ واحداً مثل كعبةٍ لا يتناطح على بوصلتها اثنان واثنتان . طوبُ الإفطار يصيح مرّتين وأذان بيوت الله في تطويلٍ وتقصيرٍ وإضافةٍ وحذفٍ. التضادّات شكلية وسخيفة ومبتدعة ومبتذلة وتتكئ على نصوص وقصصٍ وحكايات من صنف حمّالات الوجوه والحطب، لكنّ الناس السكرانة بالخرافة، تتعامل معها على أنها مقدسات تستأهل الموت بمعركة كسر ظهر ورجل ويد ورقبة وضمير.

لم أنزرع حتى الآن أمام مسلسلٍ أو ملهاةٍ رمضانيةٍ واحدة، لأنّ عياط الممثلين والكومبارس والمغنّين، صار يشبه عياط ولغاوي المقدّمين والمقدمات على شاشة برامج الساسة الجائفة.

بلادي مقادة بثللٍ ومللٍ ونحلٍ كلها تصوم وتصلّي وتحجّ وتسبّح، لكنها أنتجتْ أفسد دولةٍ على وجهِ الأرض، وبلاد الدانيمارك التي يسميها المجانين بالكافرة، لم يلبس قادتها قناع الدين، لكنها صنعتْ أنزهَ دولةٍ على سطح الكون. إزدواجية وفصام ضخمٌ لم ينجُ منه حتى شغيلة الأدب والفنّ والفكر والفنون الجميلة ، فصار الكاتبُ يفصّل ثوب الحروف على قياس شحمة المزاد وعطر الخزنة ويباس الضمير وحجم المعدة.

قبل أزيد من ألف وأربعمئة سنة مات محمدٌ النبيّ، فاختلفت وتناطحتْ الناس وهو ما زال مسجى على أخير نظرات الوداع، ثم استوتْ الدولة والحلم لمن استوتْ له، فحكمَ الخلفاء الأربعة بالتراحم والتوادد والتشاور وربما ببعض خلافٍ أو حسدٍ أو زعلٍ لم يمنع التصاهر والتزاوج والتعاطر، حتى وصلتْ السفينة بما لها وما عليها إلى باب الدولة الأمبراطورية، فانوجدَ الأُمويون بالشام وما حولها، ثم شعّ العباسيون ببغداد ومدياتها البعيدة، ومن قبلها قامت الأندلس العظيمة، وبعدها كلها انطفأتْ عين الأمة وحلّ الظلام وديستْ العلوم والطبّ والأدب والشعر والفلك والهندسة واللغة والفقه، تحت بساطيل الغزاة والخائنين والحثالة حتى اليوم .

خلافات تاريخية تتصل بالسياسة وأحابيلها وبالكرسيّ ونشوتهِ وبالغفلةِ التي لا يحميها تأريخٌ، حتى تعتّقتْ القصص ونُفخَتْ الواقعات وجيء بها صوب خانة المقدّس المعصوم المعطّر الذي لا يجوز الاجتهاد فيه ولا التفسير، فتذابحَ أبناء وبنات اليوم على واقعةٍ وقعتْ قبل ألف وأربعمئة سنة، أو استندتْ على فكرة دموية تكفيرية تافهة عمرها أقل من ثلاثمئة سنة، لا يرضى بها الله وكتابه ونبيه وصحبه والعقل والمنطق والتعريف الأصلي للإنسانية، حتى دخلت الأمة بجبّ التخلف والضلالة وسنّ اليأس، والنفق العطن الذي لا يبدو بنهايته بعض ضوء وأمل.

24