سهام بن سدرين حقوقية غاضبة تناور مع النهضة وتدفع الثمن

سهام بن سدرين امرأة تقف على الخط من كل التحليلات والمواقف والاعتبارات السياسية، لتخطّ لنفسها تجربة فريدة من النضال عرفت بها في تونس.
الثلاثاء 2018/05/01
صاحبة الأدوار المتناقضة

توصف في تونس بـ “المناضلة الشرسة” و”الحقوقية المتمرّسة”، ويثني العديد من التونسيين على هذا الوصف ويعتبرونه يليق بشخصية كرّست حياتها للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. فيما يصفها آخرون بـ “المرأة المركبة”، صاحبة الأدوار المتناقضة، تحركها نزعة شخصانية مستعرة وسيناريو تصفية الحسابات جعلاها تتوه في طريق البحث عن حقيقة مغتربة وكرامة مسلوبة في زمن يبحث فيه المواطن التونسي عن لملمة وضع يائس تعيشه البلاد على كافة الصعد اقتصاديا، اجتماعيا وخصوصا سياسيا.

سهام بن سدرين امرأة تقف على الخط من كل التحليلات والمواقف والاعتبارات السياسية، لتخطّ لنفسها تجربة فريدة من النضال عرفت بها في تونس من قبل المتابعين والمحللين. يقابل هذا الإطراء على المرأة نفس تصعيدي من ألّد خصومها قياسا بترنّح تجربة هيئة الحقيقة والكرامة التي تقودها منذ العام 2013 تحديدا ولم تحقق أهدافها.

يبدأ العد لهذه المرأة من مهد نشأتها وولادتها الأولى، فهي أصيلة إحدى الضواحي القريبة من العاصمة تونس. تنتمي إلى عائلة سياسية مطلعة على كواليس النظام وأسرار المعارضة التونسية. هي زوجة عمر المستيري ابن السياسي المخضرم أحمد المستيري الذي كان أحد عناصر النظام وركائزه الأساسية. تقلّد مناصب سيادية في عهد بورقيبة ثم اختار المعارضة بدءا من العام 1978 بعد خروجه من الحزب الدستوري وتأسيسه حركة الديمقراطيين الاشتراكيين.

 البيئة التي عجنت منها بن سدرين وأثّرت في شخصيتها، تدفعها إلى الأمام لخوض غمار التحدي وعدم الارتكان للمسلّمات ونظرة المجتمع الضيّقة. فقد عاشت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة طفولتها في وسط يعرف بالمحافظ والتقليدي إلى حد ما.

 ويعتقد أن ما شكّل سيكولوجية بن سدرين وصنع لها حافزا مهمّا كامرأة، كان تحديها للنبذ الذي تعرضت له والدتها نظير إنجابها لعشر بنات قبل أن يأتي الطفل الذكر وتنفك اللعنة. ربما لم تفهم الصغيرة يومها أن البنات في المجتمع العربي يشكلن عبئا، لكنها ووفق ما تطفح به بعض القراءات شعرت بمرارة الخيبة كامرأة أو أنها في مرتبة تحتّم عليها الكفاح لفرض مكانتها وسط مجتمع ذكوري يأبى الاستسلام والطاعة للمرأة ويقلّل من شأنها، على حد توصيف البعض.

بدأت بن سدرين منذ طفولتها بمواجهة الحدود المرسومة لها. وعملت على التفوق في دراستها خصوصا باللغة الفرنسية، ما شكل لها شعبية كبيرة بين زملائها من الفرنسيين في تونس حينها. أما والدها القاضي بالمحكمة التونسية، فكان في تلك الفترة داعمها الأساسي. تقول بن سدرين “كانت متابعة دراستي أنا وإخوتي، وخصوصا البنات، أولوية بالنسبة إليه”.

حركة النهضة يتردد اليوم أنها رفعت غطاءها السياسي عن هيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها سهام بن سدرين في أعقاب رفض البرلمان التمديد لمدة عمل الهيئة لتلتحق بنداء تونس.
حركة النهضة يتردد اليوم أنها رفعت غطاءها السياسي عن هيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها سهام بن سدرين في أعقاب رفض البرلمان التمديد لمدة عمل الهيئة لتلتحق بنداء تونس.

لكن هذا الدعم سرعان ما تحول إلى حاجز يقف أمام البنت الطامحة في ركوب موجة المغامرة والسفر بعيدا عن الحدود التي يرسمها المجتمع. يعترف البعض بأن رؤية الأب المحافظ تغيّرت حين رفض أن تغادر ابنته تونس لمواصلة دراستها الجامعية في الخارج وتحديدا بفرنسا. في المقابل لم ترم سهام المنديل كعادتها وتشبثت بتحقيق مطلبها. أخبرت عائلتها بقرارها الذي لا رجوع عنه “فرنسا أو لا شيء!”. بعد استماتة من الشابة “العنيدة” استسلم الوالد لمطلب ابنته فحزمت حقائبها ويمّمت شطر مدينة تولوز الجنوبية. لكن “المشروع الحلم” لم يكتمل وسرعان ما تحطم على صخرة الواقع.

لا يفوت المتابع لمسار بن سدرين الأحداث التي عاشتها تونس مع نهاية الستينات في الداخل والخارج. أزمة داخلية بلغت حدها من الفقر والاحتياج وأزمة وطن عربي تلقي بظلالها في الخارج. هذا الوضع المتأزم داخليا وخارجيا زاد الطالبة النشيطة إصرارا على المضي في طريقها ليصبح الانخراط في العمل السياسي أولوية مطلقة. وجدت سهام نفسها مناضلة في لجان الطلاب الفلسطينيين بفرنسا ومن ثمة لجان الطلاب المغاربة لتكتشف أن الهمّ العربي واحد، فقررت العودة إلى تونس.

العودة إلى سجن تونس

اكتشفت في البداية أنها ممنوعة من الدخول ومطلوبة للتحقيق. عادت أدراجها ولم تدخل البلاد إلا في نهاية السبعينات. حينها كان نظام الحبيب بورقيبة منشغلا بمواجهة التظاهرات العمالية، فغض الطرف عن ملفها. تروي بن سدرين ذلك بقولها “مع ذلك أوقفوني في المطار لكنهم لم يسجنوني”. منذ ذلك اليوم أيقنت بن سدرين أن حياتها تغيرت وأن خوض معركة الديمقراطية ستتطلب منها الكثير من التضحيات، لكنها مرة أخرى لم تتراجع. 

جاءت الأحداث السياسية لتفتح لها آفاقا جديدة. في أواخر 1979، وإثر المواجهات النقابية مع السلطة، منح الزعيم التونسي بورقيبة رخصا لعدد من الصحف المستقلة. وجدت بن سدرين طريقها من خلال مهنة الصحافة من مجلة “المنار” الناطقة باللغة الفرنسية التي أقفلت عام 1982 إلى مجلة وراديو “كلمة”. فعاشت حياة صحافية حافلة. تتنبّه بن سدرين وهي تروي تفاصيل مسيرتها المهنية إلى أن معظم الصحف التي عملت فيها واجهت العديد من المشكلات “ورغم ذلك كان هناك هامش لحرية التعبير في تونس. على الأقل، لم أكن أجرّ إلى السجن كل مرة أكتب فيها شيئا يزعج النظام”. الأمر تغير في أواسط الثمانينات.

 إسرائيل تقصف حمام الشط في تونس، حيث قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. ينزل التونسيون إلى الشارع في تظاهرات صاخبة احتجاجا على هذا الهجوم. كانت بن سدرين على رأس إحدى هذه التظاهرات، ما تسبب بسوقها إلى السجن الذي أمضت فيه قرابة 15 يوما. منذ ذلك التاريخ أصبح السجن رفيق دربها، فيما الحديث عن النظام يخرجها من سكونها وهدوئها المعتاد، لكنها رغم ذلك لم تتراجع وواصلت طريقها.

بعد وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة والمعركة التي خاضها ضد الإسلاميين كانت بن سدرين كغيرها من الوجوه التي دافعت عن الإسلاميين بلا تردد، تحت شعار “إن أخطأوا فحاكموهم، لكن لا تعذبوهم”.

حماسة مفرطة تحلت بها بن سدرين جعلتها فريسة للنظام الذي أقفل “دار أقواس للنشر” التي أسستها عام 1988. ظلت تحت أعين المراقبة. تروي بن سدرين عن تلك الفترة فتقول “كانوا يصطدمون بي وأنا أقود سيارتي على الطريق”. فيما كان الهجوم الأعنف ضدها حين صارت الصحافة تنعتها بـ”المرأة الفاسقة والفاسدة”.

لكن رغم ذلك، تقول، إن تلك الأساليب لم تمنعها من مواصلة نضالها، حيث احتجزت السلطات في منتصف التسعينات جواز سفرها هي وزوجها، لمنعهما من السفر ولم يسترداهما إلا بعد خمس سنين. يسجّل لبن سدرين قولها عن تلك الحقبة “يروّج النظام أن تونس بلاد الحريات وحقوق المرأة والسياحة. لكن ذلك غير صحيح. إنها حاليا بلد السلطة المطلقة المحصورة في يد رجل واحد”. 

حنق بن سدرين لا ينصب فقط على نظام بن علي بل إنه يتركز أيضا على أوروبا عموما وفرنسا تحديدا، حتى أنها شككت مؤخرا في نيل تونس استقلالها التام وقالت إن لها إثباتات على ذلك بأوراق تدعي أنها ستكشف عنها في الوقت المناسب. ما يسجل لها قولها “على أبواب أوروبا تقبع دكتاتوريات مخيفة، وأوروبا تصر على حمايتها”.

لعبة الكواليس تعرف بن سدرين كواحدة من وجوهها الشهيرة، وهي التي نشطت حين طُرحت أسماء عديدة لتولي الرئاسة قبل الاحتكام إلى المبزع. وكانت بن سدرين تدفع باسم والد زوجها المستيري، لكنه لم يحظ بالمنصب الذي آل إلى الباجي قائد السبسي.
لعبة الكواليس تعرف بن سدرين كواحدة من وجوهها الشهيرة، وهي التي نشطت حين طُرحت أسماء عديدة لتولي الرئاسة قبل الاحتكام إلى المبزع. وكانت بن سدرين تدفع باسم والد زوجها المستيري، لكنه لم يحظ بالمنصب الذي آل إلى الباجي قائد السبسي.

لقد منحتها تجربة الزواج والانصهار في صلب عائلة لها قيمتها السياسية في تونس، بعدا راديكاليا. رغم المضايقات وسقف الحدود الذي ظل يتابعها طيلة مسيرتها إلا أن اللافت وفق متابعين أن تجربة هذه المرأة السياسية تطورت دون أدنى شك. وهي حقيقة تقف عندها بن سدرين بعد ثورة يناير 2011.

هبة النهضة التي لا ترد

بعد الإطاحة بنظام بن علي تسابق أهل السياسية على المناصب وفي الخلفية على المكاسب. أليس “الجاه مفيدا للمال” على حد قول العلامة ابن خلدون؟ فالمناصب تمنح وفق الولاءات السياسية والحسابات الضيقة والمحاصصات الممجوجة والقرابات العائلية والجهوية والوصولية الحزبية.

وفي واقع الأمر لم تشذ رئاسة هيئة الحقيقة والكرامة عن القاعدة، أين التقت حسابات بن سدرين وحركة النهضة في مستويات عدة بينها تقارب المواقف والأطروحات والحقد التاريخي الدفين على النظام السابق.

يقف متابعون لبن سدرين عند لعبة الكواليس التي نشطت بشدة في تلك الفترة بالذات التي ساد فيها الارتباك أطيافا واسعة من الطبقة السياسية ، وطرحت فيها العديد من الأسماء لتولي الرئاسة قبل الاحتكام إلى فؤاد المبزع. ويقال إن بن سدرين كانت تدفع بقوة من أجل أن يصل والد زوجها أحمد المستيري إلى هذا المنصب. تم تداول اسم المستيري لكنه لم يحظ بالمنصب وآل إلى الباجي قائد السبسي. 

حقيقة هيئة الحقيقة والكرامة

بعد هذه الخيبة تراجعت بن سدرين خطوة إلى الوراء وبقيت تراقب المشهد السياسي في تونس من بعيد بكل ما حمله من طفرة للأحزاب لم تنخرط في أي منها، بتدنّ في الخطاب لم تكن هي من مسايريه، وبحنق التونسيين على النظام السابق، فكانت هي أيضاً من أشد مناصريهم.

بعد عملية الترتيب التي قادها السبسي ووضع خلالها البلاد أمام انتخابات تشريعية أفضت إلى وصول النهضة إلى الحكم في 24 ديسمبر 2011 بقيادة حمادي الجبالي. ورغم ما رافق تلك الفترة من حمى تصفية الحسابات قوي منسوبها أكثر مع وصول محمد المنصف المرزوقي إلى سدة الرئاسة، حافظت بن سدرين على هدوئها وظلت ملتصقة بالقيادة قلبا وقالبا، رغم عدم انخراطها في أي من الائتلافات الحاكمة حينها. يثني البعض على هذا الأسلوب ويعتبرونه تكتيكا سياسيا لمناضلة محنكة عرفت كيف تدير اللعبة في الكواليس رغم أنها لم تنصفها في ما كانت تصبو إليه، فيما ينظر منتقدوها إلى ما سعت إليه حركة النهضة خلال تلك الفترة عبر دفعها لقيام هيئة دستورية اختارت لها بن سدرين كهبة لصبرها ووقوفها معها.

ومهما يكن من حسابات كشفت عنها إرهاصات ما بعد وصول النهضة لسدة الحكم، فإن عنصر الترضية كان غالبا على وضع  هيئة الحقيقة والكرامة التي بعثت في 2013 الغاية الأساسية منها تصفية حسابات قديمة وكشف أسرار كانت تحرك قائدتها، إضافة إلى أنها مثلت يوما ما نوعا من المقايضة على ملفات المرحلة في تونس بعد الثورة، أين التقت ملفات النهضة وسهام وكل له حساباته، على حد توصيف البعض.

العديد من التونسيين يعتبرون بن سدرين شخصية كرّست حياتها للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. فيما يصفها آخرون بـ "المرأة المركّبة"، صاحبة الأدوار المتناقضة، التي تحركها نزعة شخصانية مستعرة

سارت الهيئة عكس ما هو مخطط لها ولم ترق إلى مستوى انتظارات التونسيين حول الملفات الحارقة التي كانت تنتظر رؤية حقيقية ومصارحة فاعلة، عوض الارتكان إلى أساليب موغلة في الانتقائية والنبش في الماضي وإخراجه بثوب شاءت الهيئة والقائمون عليها أن يخرج به. فيما التلكؤ في طرح ملفات حقيقية ومنتظرة وكاشفة، حلم ظل يعلق على عمل هذه الهيئة التي تطالب بالزيادة والتمديد في عمرها.

 هنا انقسم الطيف السياسي في تونس بين من لا يتوافق مع كيفية إدارة بن سدرين لهيئة الحقيقة والكرامة ، أي الجبهة الشعبية ونداء تونس، فيما وجدت تأييدا مطلقا من جانب العديد من الشخصيات السياسية على غرار المنصف المرزوقي الذي قال عقب هروب النهضة وتفضيلها كعادتها الوقوف في منزلة بين المنزلتين إن “قرار هيئة الحقيقة والكرامة (التمديد) يأتي في صلب القانون عكس القرار الذي اتخذه البرلمان وهو خرق للقانون”. المرزوقي أضاف أيضا أن الأطراف التي صوتت ضد تمديد عمل الهيئة هي نفسها التي “كانت ضد قيامها أصلا ولا تؤمن بمسار العدالة الانتقالية”.

إن اختلافا في المواقف وتباينها داخل حركة النهضة حول التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة من عدمه، يعكس الحسابات والارتهانات والارتباطات الحزبية لنوابها داخل البرلمان. فيما الأهم من كل ذلك سؤال يؤرق العديد من المتابعين لملف الهيئة، حول الثمن الذي تريد النهضة تحصيله من إصرارها على هذه الهيئة وزعزعتها للاستقرار السياسي في تونس باعتبار الاختلاف الحاد في الرؤية لملف العدالة الانتقالية عموما: هل هو الاستمرار طرفا في الحكم عبر الابتزاز بملفات الهيئة أم التمكين للأنصار مرة أخرى في الإدارة والتعويض المادي؟

ويتردد اليوم أن حركة النهضة رفعت غطاءها السياسي عن هيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها بن سدرين في أعقاب رفض البرلمان التمديد لمدة عمل الهيئة لتلتحق بنداء تونس.

13