سهولة انحراف الحج إلى "مناطق رمادية" تثير مخاوف الحكومة الجزائرية

تقصير بعض عناصر البعثة الجزائرية في الاهتمام ببعض الحجاج، وممارسات تمييزية كثيرة بين أفراد الوفد الواحد.
الخميس 2018/08/16
حاجتان جزائريتان

الجزائر – أمام إمكانية استغلال بعض الدوائر الدينية لفرصة الحج من أجل بث أفكارها وتوجهاتها في أوساط الحجيج، تقول الحكومة الجزائرية إنها تولي أهمية قصوى للهيئة المنظمة للعملية من أجل السهر واليقظة على تحييد الحجاج الجزائريين عن بعض التصورات المتداولة، لا سيما تلك المتعلقة بالمذاهب المتعصبة والتطرف، أو التعرض لعمليات الغسيل التي ظهرت معالمها على بعض الحجاج خلال المواسم الماضية.

ومن أجل تلافي الانتقادات التنظيمية والخدمية التي تطالها، تقول الحكومة الجزائرية إنها تعمل على تحييد البعثة المحلية، وتسعى لتجنيبها أي احتكاك ديني أو فقهي مع البعثات الأخرى من أجل منع تغلغل بعض الأفكار والتصورات المتطرفة التي يجد أصحابها في مناسبة الحج فرصة لبثها في أوساط الحجاج المسلمين.

وفضلا عن حملات التوعية والتعبئة التي تنظمها مختلف المصالح التابعة لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف خلال الأسابيع التي تسبق الموسم، فإن البعثة المشرفة على تنظيم الحجيج الجزائريين في مكة والمدينة، تسهر على التزام الحجاج بالمرجعية الدينية المحلية، وعدم التأثر بما قد ينتشر هناك من طرف دوائر معينة تستغل الموسم لنشر المذاهب وخطاب التطرف. وتحول الموسم إلى تحد للحكومة، بعد تصاعد الانتقادات خلال المواسم الماضية، بسبب ممارسات التقصير والإهمال في مجالات كثيرة، وهو ما ترجمه تنقل وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية، محمد عيسى، إلى مكة المكرمة، للوقوف على ظروف التنظيم والعناية بالحجيج الجزائريين، وتمثيل بلاده في مراسم الاستقبال التي تجرى للوفود الأجنبية، التي دأبت السلطات السعودية على تنظيمها خلال أيام عيد الأضحى.

تنامي نشاط الوكالات التي صارت متخصصة في تنظيم الحج والعمرة، لابد أن يخضع لعيون الحكومة

ولا تزال ظروف التنظيم تمثل الهاجس الأكبر للبعثة الجزائرية المشرفة على الحجيج، حيث اشتكى بعض الحجاج وأهاليهم، مما أسموه بـ”تقصير بعض عناصر البعثة في الاهتمام ببعض الحجاج، والممارسات التمييزية بين أفراد الوفد الواحد، إذ يتفاوت الاهتمام والرعاية من فندق إلى آخر، ومن مجموعة إلى أخرى، خاصة بالنسبة للمسنين والمرضى”.

وأكد وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية في لقاء تفقد ومعاينة في المملكة العربية السعودية “ضرورة  بذل عمل نوعي من أجل إظهار شعيرة الإسلام بمظهر الوسطية والاعتدال”، في إشارة إلى الخطاب الديني الذي تتبناه الحكومة، من أجل الحد من تغلغل أفكار التطرف والتعصب المذهبي.  ودعا الوزير عيسى إلى “إظهار الجزائر بألوانها البهية كالشامة في الأمة الإسلامية”، في تلميح إلى أن وفد الحجيج يمثل دورا دبلوماسيا لتسويق صورة بلاده، لأن موسم الحج يلتقي فيه المسلمون من كل أصقاع العالم ومن شتى الثقافات والحضارات، وهو ما يحتم على الحاج الجزائري، بحسب وزير الشؤون الدينية، الالتزام بمرجعيته المعتدلة والمتسامحة.

وفي معرض دفاعه عن المصالح المشرفة على تنظيم ورعاية الحجيج الجزائريين، قال الوزير “ما قدمه المشرفون على البعثة بمختلف فروعهم ورتبهم، سمح للحجاج الجزائريين بالشعور بالثقة والطمأنينة بعدما وجدوا من يستمع ويتكفل بانشغالاتهم، لكن ذلك يتطلب بذل المزيد من الجهود والاجتهاد لطمأنة الحجاج”.

وشدد على أن “الأصداء التي وصلت إلى الجزائر حتى الآن تنبئ بأن موسم الحج 2018 يسير في ظروف جيدة وبخطى ثابتة، وأن جهود أفراد طاقم البعثة الجزائرية مدعوة إلى مواصلة العمل بجدية وإخلاص”.

لا تزال ظروف التنظيم تمثل الهاجس الأكبر للبعثة الجزائرية المشرفة على الحجيج

وأضاف “التقارير التي أستمع لها بخصوص المرحلة القادمة وهي مرحلة المشاعر، تدل على أن أسباب وعوامل النجاح تم ضبطها، ولابد على أعضاء البعثة والحجاج أن يندمجوا في خطة التناصح وتكافل الجميع، من أجل تحقيق حج الكرامة وحج الرفاه”. ويقدر تعداد بعثة الحجيج الجزائريين إلى مكة وبقية البقاع المقدسة بنحو 36 ألف حاج، بسبب الاتفاق المبرم خلال السنوات الماضية بين الحكومتين الجزائرية والسعودية، وتأمل الجزائر الاستفادة في المواسم المقبلة من أعداد إضافية لتلبية رغبات المواطنين، وبلوغ النسبة الملائمة مقارنة بتعداد سكان البلاد. وكان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، قد تكفل بنقل أكثر من 100 جزائري إلى الحج من حسابه الخاص، وهو ما دأب عليه خلال المواسم الماضية، حيث سبق لكتاب وأساتذة وإعلاميين وفنانين أن استفادوا من مساهمته الشخصية.

ومع ذلك تبقى عملية التحضير تمثل هاجسا حقيقيا للسلطات الجزائرية، خاصة بالنسبة للحجاج الأحرار، حيث تعرض بعضهم لعمليات احتيال طالت العشرات منهم خلال الأسابيع الماضية، فضلا عن الأساليب الملتوية في تحصيل تأشيرة الحج، وهو ما يتوجب عرض الوكالات السياحية على المراقبة والحساب، خاصة وأن بعضها بات محل شبهة في ممارسة هذا النشاط.

ويرى مراقبون أن تنامي نشاط الوكالات التي صارت متخصصة في تنظيم الحج والعمرة، لابد أن يخضع لعيون الحكومة، لأن الطابع الحر للعمليتين يتم بعيدا عن إشراف الهيئات الحكومية، وهو ما يوقعها في مساحات رمادية، لأن أنشطة التمذهب واعتناق الأفكار الدينية المثيرة والمتطرفة تتم في فضاءات ضيقة، وأن استقبال المملكة العربية السعودية للملايين من الحجاج في موسم محدود، يعقّد من مهمة مراقبة الأوساط والدوائر الدينية المغرضة والمشبوهة.

13