سهير بن عمارة.. تونسية ضلت طريقها إلى الإخراج باحترافها التمثيل

الممثلة الشابة ترى أن المنصات الإلكترونية قوّضت مقولة التلفزيون للاستهلاك والسينما للتثقيف.
الاثنين 2021/03/22
"ممالك النار" مثل نقلة نوعية في مسار الفنانة التونسية سهير بن عمارة

تعيش الممثلة التونسية الشابة سهير بن عمارة في الآونة الأخيرة حالة من النشاط الفني غير المسبوق بعد مشاركتها أخيرا في أولى أعمالها المسرحية عبر مسرحية “ربع وقت”، كما تستعد لخروج أحدث أفلامها السينمائية إلى القاعات التونسية، وهي أيضا في طريقها لإتمام مشاهدها من المسلسل الدرامي “فوندو” المزمع عرضه في الموسم الرمضاني المرتقب على قناة “الحوار التونسي” الخاصة.

تونس – سهير بن عمارة ممثلة تونسية شابة عرفها الجمهور العربي بشكل بارز في دور السلطانة عائشة حفصة زوجة سليم الأول في المسلسل التاريخي “ممالك النار” (2019)، لكن حضورها الدرامي لدى المُشاهد التونسي انطلق منذ ما يزيد عن العقد عبر مسلسل “مكتوب” في جزئه الأول (2008)، تلاه “عاشق السراب” (2009) فـ”أيام مليحة” (2010) ثم “يوميات امرأة” (2013) الذي مثّل نقلة نوعية في مسارها التمثيلي بتجسيدها دور “دنيا” الفتاة المثقفة التي تقع ضحية زوج مريض بمتلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والذي يُصيبها بالعدوى لتُنهي حياتها منتحرة.

إثره اقتحمت بن عمارة تجربة الأعمال المغاربية المشتركة عبر المسلسل الليبي التونسي “دراجنوف” (2014)، كما شاركت في المسلسل الخليجي “الخطايا العشر” (2018) وبعض الأعمال التونسية الأخرى، كان آخرها “فلاش باك” بجزأيه الأول والثاني (2016 و2017)، لتقرّر إثره التفرّغ للسينما مقدّمة فيلم “الجايدة” لسلمى بكار و”طلامس” لعلاء الدين سليم، وقبلهما قدمت فيلمي “ما نموتش” للنوري بوزيد و”دائما براندو” لراضي الباهي، قبل أن تعود أخيرا إلى الدراما التونسية من بوابة مسلسل “فوندو” المزمع عرضه في الموسم الرمضاني القادم على قناة “الحوار التونسي” الخاصة.

ضد التصنيفات

سهير بن عمارة: اقتحام المخرجين السينمائيين غمار المسلسلات التلفزيونية يثري المشهد الدرامي ويضاعف نسب إقبال الفئات الشابة عليها
سهير بن عمارة: اقتحام المخرجين السينمائيين غمار المسلسلات التلفزيونية يثري المشهد الدرامي ويضاعف نسب إقبال الفئات الشابة عليها

في إجابة عن سؤال “العرب” حول ما الذي شدّها في المسلسل كي تقرّر العودة إلى الدراما التونسية، تقول بن عمارة “أولا، أودّ أن أشير إلى أن غيابي عن الدراما التونسية في السنوات الخمس الأخيرة كان باختيار مني، هي بمثابة وقفة تأمل لتقييم مساري المهني بشكل عام والدرامي بشكل خاص، فرفضت بعض الأعمال لأتفرّع أكثر للأعمال السينمائية”.

وتسترسل “حين اتصلت بي سوسن الجمني مؤلفة ومخرجة مسلسل ‘فوندو’ سعدت كثيرا، وتشجّعت على خوض التجربة معها، خاصة وأني كنت من المُتابعات الشغوفات لعملها “أولاد مفيدة 5″ في رمضان الماضي، المليء بالتشويق والإثارة بحس جمالي خاص لا يُشبه أحدا سوى الجمني، وتدعّم هذا الانبهار أكثر فأكثر بعد قراءتي لدوري وللسيناريو بشكل عام، فلم أتوان ولو لحظة عن قبول المشاركة في هذا المشروع”.

وتكتّمت بن عمارة عن سرد أي تفاصيل تخصّ دورها، وفق الاتفاق المبرم بينها وبين طاقم العمل، إلى حين عرضه في شهر رمضان المُرتقب، كاشفة لـ”العرب” أن شريكها الأساسي في جل مشاهد العمل المكوّن من عشرين حلقة سيكون الممثل نضال السعدي الشخصية المحورية التي تدور حولها الحكاية.

خشبة المسرح تمنح الممثل الإحساس بقيمة المُشاركة الجماعية وتقاسم الانفعالات الإنسانية مع شركائه في العمل

وتدور أحداث مسلسل “فوندو” حول “برهان” (نضال السعدي) الشاب الذي دخل السجن ظلما وهو حدث (دون سن الـ13)، ليخرج منه بعد عشرين عاما باحثا عن الحقيقة وساعيا لإثبات براءته وسط مجتمع قاس لا يرحم من زلّت به القدم ولو عن غير قصد. والعمل من بطولة كمال التواتي ونضال السعدي ودرصاف مملوك ومحمد علي بن جمعة وأميرة الشبلي وياسين بن قمرة ونعيمة الجاني ومغني الراب “نوردو” وآخرين.

وعن وقوفها للمرة الأولى أمام كاميرا الجمني تقول بن عمارة “أكثر ما يبحث عنه الممثل في أي تجربة يُقدم عليها هو عامل الثقة؛ الثقة بينه وبين العين الأخرى الخارجية التي تُراقبه وتُوجّهه، وهو ما وجدته لدى سوسن الجمني، الحريصة على إبراز طاقات الممثل، تعرف ماذا تُريد منه وكيف تُوظّف جهده لصالح أدقّ تفاصيل العمل دون تكلّف أو مُبالغة”.

ولا تعترف الممثلة التونسية بالتصنيفات البصرية التي يذهب إليها بعض النقاد الذين يرون أن الدراما التلفزيونية في مرتبة دونية مقارنة بنظيرتها السينمائية، مبرّرة طرحها بقولها “لا أرى أي فرق بين الكتابة للدراما التلفزيونية أو نظيرتها السينمائية، إن من حيث الشكل أو من ناحية السرد، على اعتبار أن التلفزيون أتى بعد سنوات من ترسيخ الثقافة السينمائية بين شعوب العالم، فلا غرابة في أن تستلهم الشاشة الصغيرة تقنيات الشاشة الكبيرة، وهي ظاهرة صحية ومحبّذة من وجهة نظري”.

اختارت الطريق الأصعب
اختارت الطريق الأصعب

وتسترسل “هذا النهل التلفزيوني من السينما ليس بأمر جديد أو حادث، ربما تدعّم أكثر مع انتشار منصات البث الرقمي كنتفليكس وشاهد اللذين رسّخا هذه الجمالية السينمائية لدى المُشاهد، وأنا مع هذه الموجة التي قطعت نهائيا مع هذه الفوارق التي تقول إن التلفزيون للاستهلاك والسينما للتثقيف. ففي اقتحام المخرجين السينمائيين الكبار غمار الدراما التلفزيونية من بوابة المنصات الإلكترونية إثراء للمشهد الدرامي من حيث الكتابة والإخراج وأداء الممثلين وإيقاع الحكاية”.

وتفتخر بن عمارة بمشاركتها قبل عامين في العمل التاريخي الملحمي “ممالك النار” الذي أتاح لها التعرّف على مدارس عربية مختلفة من حيث التمثيل والإخراج والكتابة، بالإضافة إلى التقنيين الغربيين الذين أنجزوا المعارك بحرفية عالية، و”هذا التبادل الثقافي والفعل التشاركي الحميمي لا يوفّرهما إلاّ الفن الجامع بين جميع الحضارات والجنسيات وإن اختلفت اللغات بيننا، فلغة الفن واحدة، الجمال أولا وأخيرا”.

وهي ترى أن مثل هذه الأعمال الضخمة تفتح الأبواب على مصراعيها للتعريف بالأسماء التونسية ودعم حضورها عربيا ودوليا، خاصة مع تنامي عدد المنصات الإلكترونية وما تلقاه من قبول لدى شريحة الشباب، ممّا يُصالحه مع تاريخه ورموزه، كما يُصحّح بعض الأفكار الخاطئة التي يحملها الغرب عن العربي الموسوم بالتطرّف والإرهاب، في حين أنه صاحب أمجاد وبطولات.

و”ممالك النار” دراما عربية مشتركة من إنتاج شركة “جينوميديا” الإماراتية، ومن تأليف المصري محمد سليمان عبدالمالك وإخراج البريطاني بيتر ويبر وبطولة ثلة من نجوم الدراما العربية على غرار خالد النبوي ومحمود نصر ورشيد عساف وعاكف نجم وفتحي الهداوي وسهير بن عمارة ومنى واصف وديمة قندفلت وآخرين، وهو يوثّق الحقبة الأخيرة من دولة المماليك وسقوطها على يد العثمانيين في بدايات القرن السادس عشر، مسلطا الضوء على مرحلة في التاريخ العربي ثرية بالأحداث، كاشفا العديد من الحقائق حول تلك الحقبة التي زيّفتها الدراما التركية بقصص وهمية.

تجارب متنوعة

Thumbnail

على عكس بنات جيلها من الممثلات التونسيات اللاّتي آثرن الإقامة في مصر كي تكون بوابتهنّ نحو الانتشار العربي تؤكّد بن عمارة في حوارها مع “العرب” أنها اختارت الطريق الأصعب، لكنه الأسلم وفق توصيفها، برفضها الهجرة والاستقرار في مصر رغم العروض الجادة التي وصلتها من ناحية ومتانة العلاقات التي تجمعها بأهل القطاع من ناحية ثانية، وذلك لاقتناعها اقتناعا راسخا بأن بإمكان الفنان البروز إقليميا ولمَ لا دوليا انطلاقا من بلده، فالتراكم يُفرز الجودة ويدعم المسار، ومن ثمة الانتشار الذي أساسه الاختيار المدروس والمُمنهج.

وهي في ذلك تعمل على اختيار أدوارها بدقة وتأن شديدين سواء تعلّق الأمر بالأعمال الدرامية أو السينمائية أو المسرحية، في سعي حثيث منها لتنويع تجاربها وإثراء رصيدها الفني، الأمر الذي حفّزها مؤخرا على المشاركة في مسرحية “ربع وقت” في أول صعود لها على خشبة المسرح.

وعن تلك المشاركة تقول “هي تجربة ثرية جدا، سعدت بها كثيرا، إذ منحتني الخشبة إحساسا عميقا بقيمة المُشاركة الجماعية وتقاسم الانفعالات الإنسانية مع شركائي في العمل. ننطلق جميعا من النقطة الصفر في بحثنا المضني عن مفردات الشخصية وآليات تكوينها كي نصل بها في النهاية إلى الحالة التي يراها المُشاهد ويتقاسم ألمها وأملها، انكساراتها وانتصاراتها، هدوءها وصخبها معنا. وهو أمر لا يتحقّق إلاّ على خشبة المسرح التي تمنحنا عائلة جديدة نختارها معا ونعمل جميعنا على الحفاظ على صلابتها وتماسكها، كي يعيش العمل لأطول فترة ممكنة”.

و”ربع وقت” أو “نادي الغناء” بعنوانها الفرنسي بطلها الرئيسي المرأة، وهي مسرحية تسرد قصص خمس نساء التقين في نادي للغناء، لكل واحدة منهنّ هاجسها ومخاوفها في زمن مُرتبك ومُتحرّك، ومع ذلك تبدو المرأة في العمل هي الفاعلة في الأحداث، تفعل ما تريد بحرية دون وصاية أو رقابة أو حتى مشاركة من الرجل الذي بقي حبيس الحكايات والمواقف، ودون تحميله مسؤولية عدد من الانتهاكات، بل هي مسؤولية المرأة التي عليها أن تقبل وترفض بكل حرية ودون العودة في اتخاذ قرارها إلى أحد.

وهي إلى ذلك مسرحية نسوية بامتياز من حيث الكتابة والإخراج والأداء، حيث تولّت إخراجها سيرين قنون التي اشتركت أيضا في كتابة نصها مع ريم حداد، ومن بطولة شاكرة رماح وريم حمروني وسهير بن عمارة وبسمة بعزاوي وأميمة المحرزي.

Thumbnail

والمسرحية كما تؤكّد بن عمارة أُنتجت في ظروف استثنائية، في ظل الموجة الثانية من جائحة كورونا، ومع ذلك ثابر طاقمها على الانتهاء منها بعد ثمانية أشهر من التحضيرات ليتزامن عرضها الأول على خشبة مسرح “الحمراء” بتونس العاصمة مع اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس الجاري، وما يعنيه ذلك اليوم من رمزية للمرأة العربية بشكل عام والمرأة التونسية بشكل خاص التي ما انفكّت تُثابر من أجل التحقّق في ظل متغيّرات سياسية واجتماعية أفرزتها ثورة 14 يناير 2011، وسعي بعض القوى الظلامية للارتداد بالمرأة التونسية وحقوقها إلى المربّع الأول من التهميش والإهمال.

وعلى غرار مسرحية “ربع وقت” التي تم الاشتغال عليها في زمن الجائحة أفادت بن عمارة “العرب” بأنها صوّرت في زمن الحجر الصحي الأول في تونس (بين مارس ومايو 2020) فيلما جمعها بالمخرج التونسي نجيب بلقاضي في شكل “ويكلو” بينهما عن نص وإخراج لبلقاضي يوثّق لحالة الفزع والخوف والشك التي عاشها المجتمع التونسي بشكل يجمع بين الهزل والجد، وهو عمل غير مدعوم بطاقم تقني لا يتجاوز العشرة أشخاص، سيرى النور قريبا.

وتعترف سهير بن عمارة التي درست الإخراج السينمائي في كلية فنون الملتميديا بمنوبة بأن الممثلة ظلمت المخرجة التي كانت تودّ أن تكون، لكن هذا الهوس بالإخراج والكتابة السينمائية لن يتأخّر كثيرا، لتكون قريبا وراء الكاميرا بعد أن راكمت الخبرات والتجارب كممثلة محترفة.

17