سهيل عناية الله: ماذا عن مستقبل المسلمين بعيدا عن الدعاء والقضاء والقدر؟

سهيل عناية الله عالم مستقبليات يعتقد أن ما يجري داخل العالم الإسلامي من حروب طائفية، إضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها من الخارج سيؤدي إلى ظهور إسلام أسمى.
الخميس 2018/03/15
عالم مستقبليات يحذر الأمة الإسلامية من مفاجآت الغد

كثير من الأسئلة حول وعي البشر وتحولاته اليوم تثير الفضول. من بينها السؤال: كيف يفكر عالم مستقبليات مسلم بالمستقبل بعيدا عن القضاء والقدر والمصير المحتوم بالأعمال والنيات؟ كيف ينظر إلى الغد الذي لا يجب أن نتوقع أنه سيهبط من السماء على شكل رحمة أو استسقاء أو امتحان أو ابتلاء، بل على صورة نتائج فعلية وعلمية للمقدمات التي نضعها في ماكينات الراهن؟
هنا عالم مستقبليات. انشغل طيلة حياته بمستقبل العالم الإسلامي أو ما يسميه بـ”الأمة” بعيدا عن التيارات السياسية والحركات والجماعات والمتطرفين. بل إنه أحد أهم محاربي التطرف والإرهاب، أكاديميا وفكريا وأمنيا، في أستراليا وفي مراكز أخرى هامة من العالم.

ظهور إسلام أسمى

مر معي اسم سهيل عناية الله، عالم المستقبليات الأسترالي باكستاني الأصل، المولود في لاهور عام 1958، أول مرة في كتاب “حروب الهوية ومستقبل التفاوض مع الغرب” لحسن وجيه الذي صدر في العام 2002. استوقفتني طريقة المؤلف في التعاطي مع أفكار عناية الله، فتحت عنوان “سيناريو نهاية الإسلام في تفكير سهيل عناية الله” لم يتحمل المؤلف أن يقرأ هكذا عبارة، فما كان منه إلا أن أضاف إليها بين قوسين  “والعياذ بالله”. فافتضحت الطريقة التي يفكر بها غالبية المشتغلين بالمستقبليات من المتدينين، والتي لا تقوم على قراءة المعطيات، بل على التعوذ من الشيطان الرجيم طيلة الوقت.
ورد سيناريو نهاية الإسلام ضمن أربعة نماذج مستقبلية يعتمدها عناية الله في بحثه “الأمة الإسلامية 2025: مراجعة للنماذج والأساليب والمستقبلات البديلة” الذي قدمه لجامعة كوينز لاند للتكنولوجيا، حيث يعتقد عناية الله أن ما يجري داخل دول العالم الإسلامي من حروب طائفية، إضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها تلك الدول من الخارج. كل ذلك سيؤدي إلى ظهور إسلام أسمى.

نماذج عالمية عديدة يستند إليها عناية الله لفهم المستقبل مثل "حدود النمو، البشرية عند منعطف، عالم عام ألفين"، وفي الوقت ذاته ينادي بضرورة الاهتمام بالمستقبل وصناعته في إطار القيم الإسلامية ومفاهيمه الأساسية

في العام 2015 حصل عناية الله على أول كرسي لليونسكو في الدراسات المستقبلية. قبل ذلك كان قد تسلم جائزة لوريل لأفضل عالم مستقبليات في العالم. وعاش حياته متنقلا ما بين إسلام أباد وإنديانا ونيويورك وجنيف وكوالالمبور وهونولولو وسيدني. وهو يقول إن هناك عشرة مفاهيم كبرى تتحكم بمستقبل المسلمين هي “التوحيد والخلافة والعبادة والعلم والحلال والحرام والعدل والظلم والاستصلاح والضياع”. 
وهذه المفاهيم، حسب عناية الله، لا تخضع لحرفية التأويل بقدر ما تتحكم باللاشعور عند المسلمين، فالتوحيد لا يعني وحدانية الله وحسب بل يعني أيضا وحدة المسلمين في كل مكان، والخلافة لا تعني وجود شخص يحكم المسلمين، بل تعني أن الأرض لله وأنه استخلف الإنسان عليها، وكذا الحال مع بقية المفاهيم العشرة.
ومن هنا يرى عناية الله ضرورة وجود خيال خلاق يتجاوز الماضي، ويمنع التاريخ من الهيمنة على الراهن. إن الخيال الخلاق كما يراه عناية الله، يشكل قفزة بالوعي، لكن ذلك الخيال يواجه مشكلة حقيقية في المجتمعات الغربية المتقدمة، ذات النزعة الاقتصادية الجامدة، فهو فكر غير رياضي وغير استراتيجي. وهو جميل للأطفال ولكن ليس للبالغين، والعمل الحقيقي هو مراكمة رأس المال والسلطة والمعرفة التقنية. وهذا ما لا يتوافر لدى الباحثين عن مستقبل يحمل رؤية.

استعمار المستقبل

في تصوراته، يضع عناية الله نماذج عالمية لفهم المستقبل مثل “حدود النمو، البشرية عند منعطف، عالم عام ألفين”، وهي أكبر المشاريع العلمية والدراسات التي أنجزها علماء في معاهد ونوادي الدراسات المستقبلية في الغرب، ولذلك توصف تارة بـ”النماذج” وأخرى بـ”المداخل” أو “السيناريوهات”. 
وفي الوقت ذاته ينادي عناية الله بضرورة الاهتمام بالمستقبل وصناعته في إطار القيم الإسلامية ومفاهيمه الأساسية. لكن كيف يمكن ذلك في وجود مراكز قوى فكرية داخل الإسلام تعيدنا إلى الماضي السحيق، ونحن مازلنا لم نفق بعد من صدمة داعش والسبي وقطع الرؤوس والأيدي؟
غير أن الرجل يرد، مسبقا، على تلك التساؤلات بالقول “ولكن الإسلام أصلا كان رؤية استراتيجية مستقبلية حين ظهر”. ويستشهد على ذلك بحياة النبي محمد، الذي يرى أن أسلوبه في الحياة والدعوة، إنما كان رغبة بالانتقال إلى المستقبل استنادا إلى الماضي الفكري والحضاري لمن سبقه من الأديان وسبق العرب من الشعوب.

عشرة مفاهيم كبرى يقول عناية الله إنها تتحكم بمستقبل المسلمين، وهي "التوحيد والخلافة والعبادة والعلم والحلال والحرام والعدل والظلم والاستصلاح والضياع". وهذه المفاهيم، كما يعتقد، لا تخضع لحرفية التأويل.
عشرة مفاهيم كبرى يقول عناية الله إنها تتحكم بمستقبل المسلمين، وهي "التوحيد والخلافة والعبادة والعلم والحلال والحرام والعدل والظلم والاستصلاح والضياع". وهذه المفاهيم، كما يعتقد، لا تخضع لحرفية التأويل

من المداخل الشهيرة لفهم المستقبل، المدخل التنبؤي الذي يفترض أن الكون حتمي، أي أنه يمكن معرفة المستقبل. وهذا ما يؤمن به المحللون السياسيون والاقتصاديون والفلكيون وعلماء المستقبل. وهكذا يمكن أن يكون المستقبل أيضا مسارا في التاريخ المرئي، أي أنه يمكن أن يكون “موضع استعمار”، وليس الحاضر وحده.
أما المدخل الثقافي لفهم المستقبل فهو لا يستند إلى التنبؤ. بل على نفاذ البصيرة التي تكتسب بالبحث في صور المستقبل المختلفة العرقية والقومية والنوعية. وأخيرا المدخل النقدي الذي يهدف إلى أشكلة وحدات التحليل وجعل المستقبل غير محدد، ولا يهتم بعدد السكان بل بفئات السكان، كما أنه يهتم ببحث المستقبلات الحضارية.
لا يريد عناية الله اعتماد واحد من هذه النماذج، بل يرى أن علينا اعتمادها كلها في ذات الوقت.
لكنّ عالم مستقبليات بريطاني باكستاني الأصل أيضا اسمه ضياء الدين سردار يرى غير هذا في كتابه “الاستعمار والمستقبل”. حيث يعتقد أن الدراسات المستقبلية تسيطر عليها النزعة الغربية، مؤكدا أن العالم الإسلامي يعاني حاضره من الاستعمار، ويعاني فوق ذلك من استعمار الدراسات المستقبلية الغربية التي تريد أن تصنع له مستقبلا أحاديا.
أما عناية الله فينادي بضرورة التخطيط الاستراتيجي وتحديد التوجهات المستقبلية البعيدة المدى واكتشاف المستقبلات البديلة. وكذلك تطوير نماذج المحاكاة بالكومبيوترات والتقنيات الحديثة. وإدارة البحوث عن الأبعاد الزمنية للحضارة الإسلامية، والقيام بمسوح لتوقعات المستقبل.

الخوف من المستقبل

عند عناية الله يبرز الخوف من المستقبل، كعامل أساسي تسبب في تطور دراسات المستقبل في أميركا وأوروبا في خمسينات القرن العشرين. فزمن ما بعد الحرب العالمية الثانية، جعل الغد أمرا مروّعا من دون حسابات وتوقعات. لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار التطور التكنولوجي الهائل الذي استفادت منه الصناعات العسكرية المدمرة.
ولذلك ظهر شخص مثل هيرمان كان الذي كتب عن مشاهد قادمة من الغد، حيث التفكير في اللا مفكر فيه. وهو زمن ما بعد حرب نووية مفترضة. كان يشرف على معهد هدسون للشؤون الدولية والأمن القومي. وهو صاحب نبوءة استئصال العرب، التي توقّع أنها ستحصل في الأعوام الأولى من القرن الحادي والعشرين. مشبها إياهم بالهنود الحمر وإبادتهم التي تمت في أميركا. طرح كان نبوءته تلك في العام 1983. لكن أهم أعمال كان كانت كتابه “200 سنة قادمة” الذي تنبأ فيه بتحول الولايات المتحدة إلى إمبراطورية هائلة وقطب أوحد، واضعا تصورات اقتصادية لما سيكون عليه الحال في العام 2176.

العالم الإسلامي يقول عنه عناية الله إنه ليس مضطرا إلى الانتظار 100 عام قادمة للتنبؤ بحلول كوارث سكانية فيه. فالكارثة قد حلت بالفعل في مدن وأرياف وتجمعات سكانية عديدة على امتداد الخارطة
العالم الإسلامي يقول عنه عناية الله إنه ليس مضطرا إلى الانتظار 100 عام قادمة للتنبؤ بحلول كوارث سكانية فيه. فالكارثة قد حلت بالفعل في مدن وأرياف وتجمعات سكانية عديدة على امتداد الخارطة

يقول عناية الله إن الدراسات المستقبلية الغربية، اتخذت بعدا شخصيا، فهي في وقت ما كانت ضد الشيوعية، ثم باتت ضد العالم الثالث، وهكذا. ولكن علينا التمييز ما بين الرؤية والتنبؤ. ولهذا يجزم عالم المستقبليات المسلم، بأن المستقبل لا يمكن أن يكون مشرقا إلا إذا تخلصنا من ضغط السكان والتلوث وزادت عملية التشغيل وتحققت مساواة عالمية أكبر.
ولذلك يجب تطوير وعي عالمي أفضل يحقق كل فرد من خلاله دوره في المجتمع العالمي القادم. ويجب أيضا وضع أخلاقيات جديدة لاستثمار الموارد العالمية، وتطوير اتجاه علاقة الإنسان مع الطبيعة، ورفع حس التوحد مع الأجيال القادمة لدى البشر الحاليين. أما بخصوص العالم الإسلامي فيقول عناية الله إنه ليس مضطرا إلى الانتظار 100 عام قادمة للتنبؤ بحلول كوارث سكانية فيه. فالكارثة قد حلت بالفعل في مدن وأرياف وتجمعات سكانية عديدة على امتداد الخارطة من إندونيسيا إلى المغرب.

القضايا البازغة

مما يروج له عناية الله في تحليله لمستقبل العالم الإسلامي، نظرية “القضايا البازغة” التي يستند فيها إلى غيره من المفكرين الغربيين، لكنه يصفها بأنها تتناول القضايا غير المتوقعة، التي نشأت عن احتكاك الإنسان بالمنتج الإنساني ذاته، وهي قضايا ذات تأثير كبير على المجتمعات.
 ومن تلك القضايا قضايا الهندسة الوراثية وقضايا حقوق الإنسان والعلاقة ما بين الإنسان والآلة، وكذلك إسقاط السيادة عن دول قائمة بسبب عدم التزامها بحقوق الإنسان على سبيل المثال، وصولا إلى قضية ضرورة نشوء أمم متحدة جديدة ومجلس أمن جديد، لكن هذه المرة للمنظمات غير الحكومية “منظمة أمم متحدة للشركات الخاصة والهيئات الاجتماعية وانتخابات مباشرة للمواطنين، ومجلس منظمات العالم العسكرية” وزوال الرأسمالية وغيرها من تلك القضايا الخارجة عن سياق التفكير الغربي الحالي.
يقول عناية الله إن الاحتمال الضعيف لوقوع تلك القضايا لا يعني أنها لا يمكن أن تقع، وهذا بحد ذاته يشكل تهديدا كبيرا للعالم الإسلامي الذي عليه أن يفكر في كل تلك القضايا بجدية واكتراث حقيقيين، وألا يترك مستقبله وحده رهنا بالدعاء وأوهام رجال الدين.

12