سوء الإدارة يدفع الجزائر لتأميم أكبر مجمع لصناعة الحديد

السبت 2015/01/17
الخوف من اندلاع احتجاجات شعبية يحرك السياسة الاقتصادية في الجزائر

الجزائر- تسارعت خطوات الحكومة الجزائرية لإعادة تأميم مجمع الحجاز للحديد والصلب في عنابة بذريعة إنقاذ المصنع من الإفلاس، وهي الذريعة نفسها التي ساقتها عند خصخصة المجمع قبل 12 عاما.

أثار عزم الحكومة الجزائرية تأميم أكبر مصنع للحديد في البلاد جدلا واسعا حول جدوى سياسات التأميم والسياسات الإقتصادية التي تنتهجها الحكومات المتعاقبة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، والتناقضات بين خيارات الخصخصة والتأميم.

ويعتبر المجمع أحد رموز الصناعات الثقيلة في الجزائر خلال فترة السبعينات، التي تآكلت بسبب الإخفاقات السياسية إلى جانب الكثير من المصانع الأخرى مثل مصنع المركبات الثقيلة قرب العاصمة والجرارات في قسنطينة وومصنع المضخات في المدية وغيرها.

ويقول مراقبون إن الحكومات المتعاقبة بددت الكثير من الأموال والجهود في مخططات الخصخصة، التي لم تنجح في إنقاذ أي من تلك المصانع.

وقال الخبير الإقتصادي محمد حمادوش لـ”العرب” إن الحكومة “تسرعت كثيرا في عام 2002 في خصخصة مجمع الحديد لأنها لم تحدد ما كانت تريده، ولم تراع مصالح السوق المحلية… ما كان يهمها هو التخلص من مصنع على حافة الإفلاس، والحفاظ على اليد العاملة تفاديا لأي اضطرابات اجتماعية “.

وأضاف أن أرسيلور ميتال، طبق إستراتجيته ولم يغامر بضخ استثمارات جدية لتطوير المجمع، بسبب الركود في سوق الحديد العالمية، وطبق على المجمع ذات المعايير التقشفية التي طبقها في مصانعه الأخرى، وقام بخفض الإنتاج رغم حاجة السوق المحلية لنحو 4مليون طن من منتجات الحديد.

إسماعيل قوادرية: الحكومة تستعد لتأميم مصنع الحجاز أو بيعه لرجل أعمال جزائري

وأشار إلى أن أرسيلور فرضت الأسعار العالمية على مبيعاتها المحلية، وبالتالي فإن الطرف الجزائري لم يستفد شيئا من العملية، بل إن الحكومة الجزائرية واجهت اضطرابات عمالية بعد تراجع الإنتاج واضطرار الإدارة لإحالة معظم العمال على عطل إجبارية.

وكانت أرسيلور ميتال قد خفضت إنتاج جميع المصانع التابعة لها في العالم، ومنها مجمع الحجار بنسبة 50 بالمائة من إجمالي الإنتاج، بسبب تراجع الطلب العالمي على منتجات الحديد والصلب.

ولا ينتج المجمع حاليا سوى 600 ألف طن، مما يرفع العجز الوطني إلى 3.6 مليون طن سنويا، يتم استيراده من أوكرانيا وتركيا وإيطاليا.

وتقول الحكومة الجزائرية إنها تريد رفع طاقة إنتاج المصنع عبر استثمارات جديدة لتلبية الطلب المحلي، وتوفير تكلفة الاستيراد بالعملة الصعبة، لكن حمادوش يشير إلى هواجس التحكم في التكنولوجيا وآليات الإنتاج ومصير الإنتاج بعد إشباع السوق المحلية. ويقول إن ذلك يعيدنا إلى ذات الأسباب التي أدت إلى إفلاسه وإفلاس غيره من المنشآت الصناعية الموروثة عن عهد الرئيس هواري بومدين.

وهيمنت الخلافات على عمل المجمع منذ سيطرة العملاق العالمي أرسيلور ميتال عليه في عام 2002، حيث عولت الحكومة عليه للنهوض بصناعة الحديد وتغطية الطلب المحلي والاكتفاء الذاتي.

أما الشريك الأوروبي الهندي فلم يكن مهتما بالطلب المحلي أو تطوير المصنع، وكان يركز على توازنات استثماراته، ولم يكن مستعدا لزيادة الاستثمارات في ظل تراجع الطلب العالمي.

وتؤكد مصادر حكومية، أن السلطات الجزائرية قررت منذ فوز بوتفليقة بولاية رابعة في أبريل الماضي، إعادة النظر في سياستها الإقتصادية، والحفاظ على دور للدولة في المجال الاقتصادي، في ظل المصاعب الاقتصادية الناتجة عن انهيار أسعار النفط.

محمد حمادوش: الحكومة مهتمة بالحفاظ على الوظائف لتفادي الاضطرابات الاجتماعية

وكانت الحكومة قد باعت 70 بالمئة من أسهم المصنع لمجموعة أرسيلور ميتال في عام 2002 واحتفظت بنسبة 30 بالمئة. لكنها عادت في عام 2013 لتقليص حصة أرسيلور الى 49 بالمئة مقابل 51 بالمئة لمجمع سيدار الجزائري الحكومي.

ويبدو أن التخبط الحكومي في مواجهة انخفاض أسعار النفط ومحاولة تقليل الاعتماد على الريع النفطي دفعها إلى محاولة النهوض مجددا بعدد من القطاعات والمصانع، وهو الخيار الذي يندرج فيه مخطط تأميم مجمع الحديد والصلب في عنابة وتبسة من أرسيلور ميتال.

وأكد النائب البرلماني والنقابي السابق إسماعيل قوادرية، أن الحكومة تستعد لتأميم المصنع لتصبح المالك الوحيد للمركب، أو لصالح أحد رجال الأعمال الجزائريين الذي تقدم بطلب لشراء أسهم المركب.

وأضاف أن أرسيلور ميتال فشل في تطوير المجمع رغم سيطرته عليه طوال 12 سنة، ولأنه أوصله إلى حافة الانهيار، رغم المبلغ الكبير الذي ضخته الحكومة لإعادة الحياة لمجمع الحجاز.

ولم يكشف قوادرية عن هوية المستثمر المحلي، لكنه لم ينف أو يؤكد الأخبار المتداولة حول أحد رجال الأعمال المقربين من السلطة، والذي موّل الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة في أبريل الماضي.

وتواصل أرسيلور ميتال تمسكها ببراغماتية الشركات المتعددة الجنسيات، بإمكانية تعويض ضياع حصتها في مجمع الحجاز، بالتطلع للاستحواذ في المستقبل على منجم غار جبيلات، الذي يعد من أكبر المناجم في العالم، والذي سيتم عرضه للاستثمار قريبا.

وأكدت مصادر مطلعة أن إدارة الشركة تباحثت في هذا الأمر مع رئيس الوزراء عبدالمالك سلال، خلال الأسابيع الأخيرة في العاصمة الجزائرية، رغم نفي وزير الصناعة.

وتدخلت الحكومة الجزائرية في الأشهر الأخيرة لإنقاذ المجمع عبر بنك الجزائر الخارجي بتوقيع عقد تمويل مع أرسيلور ميتال بقيمة 600 مليون دولار، بعد قرض مماثل بقيمة 355 مليون دولار لزيادة رأس المال. ويهدف القرض بحسب مصادر حكومية، لتطوير المركب ورفع طاقته الإنتاجية إلى 2.2 مليون طن بحلول 2017.

ويؤكد قوادرية، أن “خصخصة المجمع لم تحقق أي نتيجة وأن الشريك الأجنبي لم يقم على مدار 12 سنة حتى بتجديد الفرن العالي الذي انتهت صلاحيته، مما يعني أن شراكة أرسيلور غير جادة وغير ناجعة.

10