سوء التسيير والإغلاق يفاقمان مأزق الخطوط الجزائرية

اللجوء إلى طلب مساعدة حكومية عاجلة بقيمة 650 مليون دولار يثير جدلا حول مردودية الشركة.
الخميس 2021/09/16
إقلاع صعب إلى فضاءات جديدة

عاد الجدل بشأن وضعية الخطوط الجوية الجزائرية إلى واجهة الأحداث مرة أخرى بعدما استنجدت بالحكومة لتقديم دعم مالي طارئ حتى تتمكن من الإفلات من شبح الإفلاس الذي يهددها بسبب تراكم الأعباء وعدم قدرتها على مواجهة أزمتها في ظل سوء التسيير وقيود الإغلاق اللذين كبلا أعمالها بشكل غير مسبوق.

الجزائر - دقت إدارة الخطوط الجوية الجزائرية أجراس الإنذار تحسبا لخطر إفلاس يهدد الشركة المملوكة للدولة، حيث طلبت مساعدة حكومية عاجلة لسد العجز المتراكم في حساباتها.

ويأتي ذلك في أعقاب قرابة سنتين من إغلاق شبه كلي للملاحة الجوية بسبب الإجراءات الصحية في البلاد، وبعد عقود من سوء التسيير والفساد، مما حولها إلى شركة عائلية تستقطب أفراد الأسر النافذة في السلطة.

وتقدر المساعدة بنحو 650 مليون دولار، وهو ما يترجم الوضعية الهشة التي تعيشها الشركة، ولم تستطع تحقيق توازناتها المالية في أزهى فتراتها.

وتعاني الشركة من تراكم الأعباء على كاهلها والاختلالات المالية المزمنة بالموازاة مع حالة الركود التي يشهدها النقل الجوي في العالم بسبب جائحة كورونا.

وتأثرت الخطوط الجزائرية كثيرا من قيود الإغلاق منذ تفشي الوباء، وقدرت خسائرها خلال العام الماضي بنحو 300 مليون دولار، لكن رغم ذلك لم تطبق أي إجراءات تقشفية على موظفيها رغم دخولهم في بطالة مقنعة لمدة طويلة.

وكان موقف النقابات صارما تجاه اقتراحات مشابهة من طرف الإدارة، حيث رفضت بشكل قاطع المساس برواتب العمال والموظفين، لأنهم مستعدون للعمل في أي لحظة وأن شلّ النشاط يتحمله المسؤولون وليس العمال.

ورغم العودة الجزئية للنشاط خلال الأسابيع الأخيرة بفتح نحو 20 خطا بين العاصمة وبعض المدن الأوروبية الكبرى، إلا أن ذلك لم يحرك من أداء الشركة شيئا.

وتتعرض الشركة إلى انتقادات حادة من الزبائن نتيجة الأسعار “الخيالية” لرحلاتها، إذ تعد الأغلى بين شركات المنطقة، حيث يقدر سعر التذكرة بين العاصمة الجزائر وباريس بنحو 700 يورو، بينما لا يتجاوز ثمن نفس الرحلة 200 يورو للخطوط التونسية والخطوط الملكية المغربية.

مؤشرات عن الشركة

  • 300 مليون دولار الخسائر المسجلة في 2020
  • 10 آلاف موظف تشغّلهم الخطوط الجزائرية
  • 60 طائرة هو عدد أسطول الشركة الحكومية

وجاء الإعلان عن حاجة الشركة لمساعدة حكومية في أعقاب لقاء جمع بين وزير النقل عيسى بكاي وكوادر من الوزارة والمدير العام بالنيابة للخطوط الجزائرية.

وذكرت تقارير محلية بأن الاجتماع تضمن عرضا قدمه أمين مسراوة مدير الشركة بالنيابة تطرق فيه إلى “وضعية الشركة وتوازناتها المالية التي تأثرت بشكل كبير منذ بداية الجائحة في الجزائر منتصف مارس 2020، وتراجع نشاطها وحركية أسطولها الجوي”.

ولفتت إلى أن “الأعباء الكبيرة التي تتحملها الشركة مثل فاتورة الرواتب وصيانة الطائرات والمصاريف بالعملة الصعبة في الخارج إلى جانب الركود العالمي الذي يعرفه نشاط النقل الجوي، ترهن فرص تطور الخطوط الجزائرية وتهدد مستقبلها، مما دفع إلى المطالبة بمساعدات عاجلة من الدولة “.

وقد أكد بكاي على ضرورة ترشيد النفقات وتطبيق تعليمات الحكومة المتعلقة بإعادة هيكلة نشاط الشركة لاسيما في الخارج. ودعا إلى مراجعة بعض التشريعات لنشاط النقل الجوي وجعلها أكثر مرونة، في إشارة إلى قرارات سابقة تضمنت غلق بعض مكاتب الشركة ببعض المدن وتقليص اليد العاملة.

ويتشكل أسطول الشركة من نحو 60 طائرة تشتغل على 48 وجهة، منها من لا تتعدى معدل رحلة واحدة في الأسبوع، لكنها في المقابل توظف قرابة 10 آلاف موظف، وهو ما اعتبرته تقارير وأرقام كشفت عنها جمعية مهاجرة في فرنسا إنهاكا مبرمجا لشركة اقتصادية.

ويبدو أن الشركة التي ظلت مرتبطة بآليات التسيير الإداري والسياسي لفترة طويلة دأبت على اللجوء إلى الخزينة العامة لتعويض خسائرها، لكن شح الموارد المالية للدولة وضعها في موقف حرج يصل إلى حد الإفلاس.

أمين مسراوة: نشاط الشركة تقهقر بشكل كبير منذ بدء تفشي الوباء

كما أنها تحملت قرارات غير اقتصادية للسلطة، وبالتالي فإن سوء التسيير والفساد حوّلاها إلى كيان يضم أبناء وأقارب كبار المسؤولين في الدولة، والآن هي بصدد العجز عن دفع رواتب عمالها.

ويهيمن أبناء وأقارب كبار مسؤولين في الدولة على المناصب الحساسة والمكاتب المحلية والخارجية، فضلا عن تطبيق رواتب هي من بين الأعلى بالبلاد إلى جانب شركات سوناطراك النفطية، وسونلغاز لتوزيع الكهرباء والغاز، ونفطال لتوزيع الوقود وغيرها.

ويتوازى ذلك مع خدمات متواضعة وأسعار ليست في المتناول، حيث لا تستطيع بموجبها عائلة مهاجرة، على سبيل المثال، أن تقضي إجازتها السنوية بمسقط رأسها نتيجة لغلاء التذاكر.

وكانت الخطوط الجوية الجزائرية قد خسرت العام 2013 ستة مليارات دولار في قضية تحكيم دولي رفعتها ضدها شركة أي.أم.أي الكندية في أعقاب إخلال الأولى بمضمون صفقة أبرمت بينهما العام 2011 لإنجاز مبنى مركزي لها في ضاحية باب الزوار بالعاصمة، وهو ما اعتبر “فضيحة” حسب رئيس الوزراء الأسبق المسجون أحمد أويحيى.

وأثار الوضع المقلق للشركة حفيظة مجموعة من نواب البرلمان طالبت بفتح تحقيق في عمل الخطوط الجزائرية بالخارج على خلفية ما وصفوه بـ”التجاوزات” في أسعار الرحلات والخدمات الرديئة.

وقدم في هذا الشأن عشرون نائبا طلبا إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) إبراهيم بوغالي لتعيين لجنة تحقيق برلمانية حول عمل هذه المؤسسة، بمن فيهم نواب عن الجالية الجزائرية بفرنسا.

وإلى جانب غلاء الأسعار وتدني الخدمات ينتقد برلمانيون وجود حالات لبيع التذاكر بطريقة غير قانونية مع احتكار السوق المحلية مما وفر للشركة بيئة للتلاعب، فضلا عن عدم تخصيص رحلات مباشرة إلى الدول الأخرى، وعدم التعويض عن الرحلات التي تم إلغاؤها.

وقال عضو مجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) عبدالوهاب بن زعيم في تغريدة على حسابه الرسمي في تويتر “أن تكون شركة عمومية ليس معناه أن يكفل لك أن تطلب من الحكومة والخزينة أموالا لسداد الرواتب والنفقات. هذا لم يحصل في أي شركة في العالم”.

وأضاف “يجب أن تكون هناك دراسة استراتيجية وخطة اقتصادية جديدة للشركة للبقاء في السوق عبر تطويرها وهيكلتها”.

ويرى بن زعيم أن الأفضل للحكومة هو فتح المجال للمستثمرين الجزائريين والأجانب للاستثمار في مجال الطيران والخدمات الجوية، في تلميح إلى معالم خطة لخصخصة الخطوط الجزائرية كان قد أشار إليها الرئيس عبدالمجيد تبون في وقت سابق، وفسح المجال أمام شركاء آخرين للنهوض بالقطاع المحتكر من طرف الشركة.

11