سوء الدفاع عن القضايا العربية

رغم أنهم يدعون أنهم ورثة ثقافة عريقة كان لها تأثير عالمي، فإن العرب لا يحسنون التعامل مع المثقفين والمفكرين في الغرب، وفي مجمل أنحاء العالم.
الثلاثاء 2018/07/17
خورخي لويس بورخيس من أشدّ المعجبين بالتراث العربي-الإسلامي

 في نصّ له حمل عنوان “سارتر والقضايا العربية”، يروي المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد أنه تلقّى دعوة في أواخر السبعينات من القرن الماضي من مجلة “الأزمنة الحديثة” التي أسسها جان بول سارتر لحضور مؤتمر حول السلام في الشرق الأوسط. وهو يعترف بأن الدعوة المذكورة أسعدته كثيرا لأنها ستتيح له فرصة التعرف على واحد من عمالقة الفكر في القرن العشرين، أعني بذلك جان بول سارتر. كما أنها ستمكنه، هو الذي كان قد أصبح آنذاك عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، من الدفاع عن قضيّة شعبه. ثم إن الدعوة تشكّل في حدّ ذاتها اعترافا به كمفكر مرموق خصوصا بعد أن أصدر كتابه الشهير حول الاستشراق.

وخلال المؤتمر الذي انتظم بالعاصمة الفرنسية باريس، والذي حضره عدد هام من المثقفين الغربيين واليهود والعرب، أصيب إدوارد سعيد بخيبة أمل كبيرة. فقد كان العملاق سارتر قد أصبح عجوزا بالكاد يرى وبالكاد يسمع، وبالكاد يقدر على التركيز. والأسوأ من ذلك كلّه أنه كان واقعا تحت تأثير أحد مريديه المخلصين، أعني بذلك اليهودي فيكتور ليفي الذي كان قد بدأ حياته ماركسيّا متطرفا، ثم تروتسكيا خلال انتفاضة مايو – أيار 1968، ليصبح في النهاية قبلانيا، نصيرا للصهيونية الشوفينيّة.

وهكذا عاد إدوارد سعيد إلى نيويورك من دون أن يتمكن من الدفاع عن قضية وطنه أمام ذلك الجمع الغفير من المثقفين والمفكرين. وفي نصه المذكور نحن نستشف نبرة غضب تجاه سارتر الذي أمضى الشطر الأكبر من حياته مدافعا عن قضايا الحرية والعدالة، لكنه تخلى عن ذلك بالنسبة للقضية الفلسطينية، مستسلما لمثقف صهيوني متطرف يملي عليه ما يشاء وما يريد. لكن هل الدعاية الصهيونيّة هي وحدها المتسبّبة في مثل هذه المواقف؟

نعلم أن عددا كبيرا من المثقفين العرب يجيبون بنعم على هذا السؤال. وهم يعتمدون في ذلك على جملة من الحقائق منها أن إسرائيل تمتلك وسائل دعائيّة هائلة للتأثر على الرأي العالمي، وعلى وسائل الإعلام في جلّ الدول الغربية. كما أنها، أي إسرائيل، تمكنت من أن تفتن العديد من المفكرين والشعراء، والكتاب في أوروبا، وفي أميركا، بكيبوتزاتها، وبقدراتها على تطوير التقنيات الحديثة. إلاّ أني أعتقد أن هناك حقائق أخرى لا بدّ من الإشارة إليها. وأولى هذه الحقائق أن العرب لا يحسنون الدفاع عن قضاياهم، وهم عادة ما يستعملون طرقا ووسائل تزيد في عزلتهم، وفي حرمانهم من أن يكونوا فاعلين في المشهد السياسي العالمي رغم ما يمتلكونه من ثروات وقدرات أخرى مادية وبشرية. لذا كان من الطبيعي أن تستغل إسرائيل كل هذا لصالحها، وأن تفلح في تقديم صورة سيئة عن العرب، معتبرة إياهم “أمة من الوحوش ومن الإرهابيين “المتعطشين للجريمة والدم”.

العرب لا يحسنون التعامل مع الآخر كما لا يحسنون التعريف بأنفسهم وبثقافتهم والدفاع عن قضاياهم

ورغم أنهم يدعون أنهم ورثة ثقافة عريقة كان لها تأثير عالمي، فإن العرب لا يحسنون التعامل مع المثقفين والمفكرين في الغرب، وفي مجمل أنحاء العالم. ومراكزهم الثقافية في مجمل العواصم العالمية تكاد تكون منعدمة. فإن وجدت، فإنها عادة ما تكون فاقدة لأيّ جدوى ولأي مصداقيّة. وقد يكتفي المشرفون عليها بكتابة تقارير سطحية تعكس جهلهم بثقافة الآخر، وعدم اهتمامهم بها، وبمبدعيها ومفكريها وفنانيها. وأذكر أني قرأت حوارا مع الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز عبّر فيه بمرارة عن عدم استضافته من أي دولة عربية رغم أنه يعلم جيدا أن أغلب رواياته وقصصه مترجمة إلى لغة الضاد.

وكان الكاتب والشاعر الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورخيس من أشدّ المعجبين بالتراث العربي-الإسلامي. وعن “ألف ليلة وليلة” كتب أجمل النصوص. وعندما كان شابا أقام في قرطبة، وفي مكتباتها اطلع على كنوز الأدب العربي القديم، وقرأ مؤلفات ابن رشد وابن خلدون وابن حزم، وغيرها من المؤلفات التي استوحى منها قصصه وأشعاره. مع ذلك لا يعرف العرب من آثار بورخيس إلا القليل القليل. أما إسرائيل فقد تعاملت مع هذا المبدع العظيم العاشق للثقافات واللغات بشكل إيجابي للغاية ناقلة إلى اللغة العبرية مجمل أعماله.

وفي الثمانينات من القرن الماضي، منحته جائزة “القدس”. وفي حفل تسلمه هذه الجائزة، قال صاحب “كتاب الرمل”، “إنّ حصولي على هذه الجائزة هو من أهم الأحداث الثقافية التي شهدتها في حياتي”. وقد أثارت هذه الجملة غضب وسائل الإعلام العربية فشنت هجوما عنيفا على خورخي لويس بورخيس متهمة إياه بـ”الانحياز للصهيونية” وبـ”العمالة لإسرائيل”. وقد غفلت وسائل الإعلام هذه عن الإشارة إلى أن العرب لم يقوموا بأي عمل للتعريف ببورخيس وبأعماله، أو لتكريمه مثلما فعلت عدوّتهم إسرائيل. وفي ما عدا الدعوة التي تلقاها من المغرب في عهد المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، لم تبادر أي دولة عربية أخرى إلى استضافته. ومثل هذه المعاملة تنطبق على العديد من مشاهير الكتاب والمفكرين والمثقفين في الغرب، وفي آسيا، وفي أميركا اللاتينية.

وفي حوار أجريته معه في مدينة هامبورغ الألمانية في صيف عام 1986، قال لي الكاتب الإيطالي الكبير ألبرتو مورافيا، إنه يحب العرب، وهو معجب بثقافتهم، غير أنه يعتقد أنهم لا يحسنون التعريف بأنفسهم وبثقافتهم. كما لا يحسنون الدفاع عن قضاياهم.

14