سوء تقدير الذات.. مسافة أمان كافية لتجاهل فكرة الموت

لعل من أكبر المفارقات التي تتعلق بالوجود البشري، أن حياة بني آدم هي أرقى أشكال الوجود على سطح الأرض وعلى الرغم من ذلك، فهو أمر يبعث على الحزن بشكل لا يصدّق، إذ أننا نعرف بأننا ذاهبون إلى الموت في نهاية المطاف. وهذه هي وجهة نظر الكاتب الأميركي دان دليلو، وربما كان موفّقا في اختياره التعبير الأكثر صدقا الذي يعكس المعنى الكامن لمفهوم الأفكار السوداء أو القاتمة عن الحياة والوجود.
الأربعاء 2015/09/30
التمتع بصحة نفسية لا يعني ضرورة الشعور الدائم بالسعادة

أكدت الدراسات الحديثة على أن الأشخاص الذين يعانون من تدني احترام الذات أو من مشاكل تتعلق بعدم الثقة بالنفس، هم الأكثر انشغالا عن فكرة الموت وما يتعلق بها من أفكار سوداوية.

ومن وجهة نظر علماء النفس، فإن هؤلاء يتبنون “فرضية الهروب الوجودية” التي تنادي بتشتيت انتباه الناس وتجاهلهم لفكرة الموت، وذلك لانشغالهم بأمور أخرى ومعاناة نفسية تغلب على تفكيرهم واهتمامهم.

وترى الدكتورة جيسيكا كروكان، باحثة وعالمة نفس في جامعة تكساس الأميركية، وصاحبة مجموعة من المؤلفات في مجال علم النفس أهمها “علم النفس الإنساني” و”تشكيل الذات المتطورة”، أن التمتع بالصحة النفسية لا يرتبط بالضرورة بشعور دائم بالسعادة، كذلك الحال مع المعاناة النفسية.

ولعل تفسير هذه الفكرة الغريبة يرتبط بمدى المشاعر التي يحملها الأصحاء عن أنفسهم ومدى ارتباطهم بالآخرين، وبالتالي تمثل فكرة الموت لديهم أمرا لا يمكن تخيلّه أو تحمّله إذا أن خسارتهم ستكون كبيرة، على العكس من الأشخاص الذين يعانون من عوارض نفسية متعددة مثل سوء تقدير الذات وغياب الثقة بالنفس وما يتبعه من علاقات متوترة مع الآخرين، إضافة إلى ما يتراكم من مشاعر نقمة على الذات.
أبرز صفات المحقق لذاته هي السلبية وربما الانطواء واعتزال الناس في حين يقتصر في علاقاته الاجتماعية على الأقارب والمقربين

وكان عالم النفس الأميركي الراحل إبراهام ماسلو، الذي أسس نظرية “هرم الحاجات” المتفردة والمميزة والتي عنت بصياغة نسق مترابط يفسر من خلاله طبيعة الدوافع أو الحاجات التي تحرك السلوك الإنساني وتشكّله، افترض أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم بتدرج أو في شكل نظام متصاعد من حيث الأولوية أو شدة التأثير، فعندما تشبع الحاجات الأكثر أولوية أو الأعظم حاجة وإلحاحا، فإن الحاجات التالية في التدرج الهرمي تبرز وتطلب الإشباع هي الأخرى، وعندما تشبع نكون قد صعدنا درجة أعلى على سلم الدوافع، وهكذا حتى نصل إلى قمته.

وفي هذا السياق، وضمن طبقات “هرم” الحاجات هذه تبرز الحاجة إلى تحقيق الذات، حيث يصف ماسلو تحقيق الذات بأنها احتياج الفرد لأن يكون قادرا على القيام بالعمل الذي يرغب في مزاولته بدوافع ذاتية، أي أنه يمتلك المهارة والمقدرة والرغبة في هذا العمل الذي يليق بقدراته الكامنة في أعماقه والشخص المحقق لذاته يتمركز تفكيره عادة حول الحقائق، ولذلك يستطيع بسهولة التمييز بين ماهو حقيقي وزائف، كما يتضاعف اهتمامه أيضا بكل ما يتعلق بـ”المشكلات والحلول”، فالصعوبات الحياتية التي نواجهها بشكل يومي بحاجة إلى تشخيص ثم علاج، وهو يعتبرها شغله الشاغل وليست مجرد مشاكل شخصية يمكن تجاهلها.

ومن وجهة نظر ماسلو فإن أبرز صفات المحقق لذاته هي السلبية وربما الانطواء واعتزال الناس في حين يقتصر في علاقاته الاجتماعية على الأقارب والمقربين جدا من الأصدقاء.

الشخص الذي يعاني من تدني احترام الذات، لديه قدرة أقل للوصول إلى التفاصيل والحقائق المتعلقة بالحياة والموت

هذه الأسباب جميعها تجعل من أشخاص بذاتهم أكثر حساسية تجاه مواضيع معينة مثل الموت وكلما توصلوا إلى حقائق أو بديهيات ازدادت شكوكهم، وازداد إحباطهم في مواجهة الواقع .

ويرى ماسلو أن واحدة من أكثر الجوانب حساسية في وعي الإنسان بنهايته وبالموت الذي ينتظره، هي أن كل الأشياء التي حوله تأخذ أبعادا مضاعفة من الأهمية، فتصبح الأشياء فجأة ثمينة والخسارات فادحة، فالزهور والأشجار والأصدقاء والأطفال والطعام والشراب وحتى الهواء النقي الذي نستنشقه بالمجان، تمثل مكتسبات مهمة في مواجهة الموت والخسارة المؤجلة.

ولهذا، تعتقد جيسيكا كروكان أن الشخص الذي يعاني من تدني احترام الذات، لديه قدرة أقل للوصول إلى هذه التفاصيل والحقائق المتعلقة بالحياة والموت، كما أن ارتباطه بالأشياء والأشخاص ضعيف إلى حد ما.

ويبدو أن الوعي الذي يعمل بكامل طاقته مع بعض الأشخاص الذين يحققون ويثقون بذواتهم، هو العمل الشاق والمتواصل لملاحقة الحقائق ونهايات الأشياء، لذلك تبدو لهم السعادة أحيانا وهما وغاية صعبة المنال.

“أليس الموت هو الحد الفاصل الذي نحتاجه لوضع نهاية لكل شيء، أليس هو من يمنح الأشياء ثقلها وأهميتها والإحساس بها؟ عليك أن تسأل نفسك دائما، فيما إذا كان أي شيء تفعله في هذه الحياة سيحمل كل معاني الأهمية والجمال من دون الوعي بالنهاية المحتومة للحياة؟”، هذه هي قراءة دان دليلو لمعنى الوجود.

21