سوء حظ أمير قطر بين موسكو وواشنطن

الأزمة الخليجية لم تعد أولوية والعالم منشغل بمواجهة محتدمة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
الخميس 2018/04/12
الوقت لم يكن مناسبا

واشنطن – وصل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، الجمعة الماضية، إلى الولايات المتحدة في زيارة التقى خلالها الرئيس دونالد ترامب (الأربعاء 10 أبريل)، ومسوؤلين أميركيين، وتم على إثرها توقيع عدد من مذكرات التفاهم لتعزيز التعاون في المجال الاقتصادي.

مع ذلك لم تُؤت الزيارة أكلها، في وقت كانت فيه واشنطن منهمكة في التحضير لما بعد انتهاء المهلة المحددة للأوروبيين بشأن تعديل الاتفاق النووي، كما كانت غارقة في تطورات الملف السوري الحارقة مع بروز معالم الصراع الأميركي الروسي في المدة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى.

لقاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن أفضل حالا من لقائه، الشهر الماضي، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث لم يحالف الحظ أمير قطر، في الزيارتين، بسبب التوقيت غير المناسب. تصادفت زيارة الشيخ تميم لواشنطن مع تصاعد الوضع في سوريا بسبب الهجوم الكيميائي في دوما. وقبل ذلك جاءت زيارته إلى موسكو في وقت كان فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ذروة أزمة جديدة مع الغرب بسبب قضية تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال في بريطانيا. وفي خضم هذه التطورات، وبينما ينشغل المعسكران الشرقي والغربي بمواجهة محتدمة، لم تعد الأزمة الخليجية على طاولة أولويات واشنطن، كما العواصم الأوروبية، وأيضا روسيا، خاصة وأن بقية أطراف الأزمة (رباعي المقاطعة: السعودية والإمارات والبحرين ومصر) قدمت مقترحاتها لحل الأزمة وذهبت للتركيز على قضايا أخرى أكثر أهمية لها وللمنطقة

الشهر الماضي كان الشيخ تميم سيء الحظ، إذ تزامنت زيارته إلى موسكو مع تصاعد حدة صراع دبلوماسي بين روسيا والغرب، تقوده بريطانيا التي تتهم روسيا بمحاولة تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته بغاز أعصاب على الأراضي البريطانية. اليوم، يتكرر نفس المشهد مرة أخرى في واشنطن، التي كان يأمل الشيخ تميم في أن يوظف لقاءه فيها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب كي يغير مسار التفكير في البيت الأبيض إزاء الأزمة الخليجية، التي صب فيها ترامب اتهاماته للدوحة بدعم تنظيمات إرهابية عدة.

أولويات ترامب

ألغى ترامب، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، زيارة كانت مقررة لحضور قمة دول أميركا اللاتينية للانشغال بإدارة أزمة تصاعدت بعد هجوم مفترض بالأسلحة الكيماوية على مدينة دوما السورية، وقالت واشنطن وعواصم غربية إنهما قد توجهان ضربة عسكرية للنظام السوري على إثر هذا الهجوم.

وأدرك الشيخ تميم أن الأزمة الخليجية، التي يبذل قصارى جهده لإعادتها مرة أخرى على قائمة أولويات القوى الكبرى، لا تحظى بأهمية تذكر على الساحة الدولية، في وقت تعصف بالمنطقة أزمات محورية، وينشغل فيه المعسكران الشرقي والغربي بمواجهة محتدمة.

وتقول مصادر إن القضايا المطروحة خلال لقاءات الشيخ تميم مع زعماء العالم، منذ المقاطعة الخليجية في يونيو 2017، تتمحور بالأساس حول محاولاته جذب الانتباه للأزمة، تليها صفقات تعاون اقتصادي وأمني.

وفي السابق كان بمقدور المسؤولين القطريين المشاركة في رسم ملامح صراعات مركزية في المنطقة مع نظرائهم الغربيين، كالأزمة السورية والصراع في ليبيا واليمن، بالإضافة إلى ملف المصالحة الفلسطينية، وملفات أخرى متصلة بأفغانستان ودارفور وغيرهما. لكن هذه الديناميكية والمرونة والقدرة على تحديد مستقبل أزمات الآخرين، تراجعت كثيرا وسط انشغال القطريين بأزمتهم الوحيدة اليوم، وهي ملف المقاطعة.

وتبقى مشكلة الدوحة منحصرة في أن هذه الأزمة لم يعد لها ذكر على قائمة اهتمامات الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا، وهو ما يجعل من قطر طرفا يبحث عن الخروج من مأزقه في المكان الخطأ. ويقول خبراء في واشنطن “يبدو أنه لم يعد يوجد في العالم مكان صحيح من الممكن أن يبحث فيه القطريون عن مخرج. العالم كله يبدو كخرم إبرة صغير في أعينهم”.

ورغم أن الدوحة تدرك ذلك إلا أنها تأبى الاعتراف بأن لا مجال لحل الأزمة الإقليمية خارج الحدود الخليجية، خصوصا في الظرف الدولي الراهن. وقالت لوري بلوتكين بوغارت -وهي زميلة أبحاث في برنامج سياسة الخليج في معهد واشنطن- إن زيارة الشيخ تميم جاءت خلال فترة من التحوّلات الواضحة في سياسة الولايات المتحدة، من ذلك اهتمامها الواضح بتشديد علاقات العمل مع الرياض وأبوظبي حول أهداف إقليمية مشتركة مثل مواجهة النشاط المؤذي الذي تقوم به طهران.

لكن سياسات الدوحة تسير في الاتجاه المعاكس تماما؛ ففي الوقت الذي كان فيه الشيخ تميم يتحدث مع ترامب حول قاضيا مختلفة منها الدفاع عن قاعدة العديد ويجس نبض الأميركيين حول ما يتردد من أخبار عن نقلها من الدوحة، بالإضافة إلى الخبر المستجد بشأن مشروع قناة سلوى التي أعلنت السعودية عن إنشائها، كان مسؤولون في النظام القطري يزورون إيران تحسبا لأي موقف أميركي بعد أن بدا واضحا تراجع شهية واضح في واشنطن تجاه الاتساق مع مواقف قطر المتناقضة.

تتعامل قطر بجدية مع التقارير التي تشير إلى استعداد السعودية لإنشاء قناة سلوى في المسافة الواقعة بين منطقة سلوى وخور العديد على طول حدودها مع الأولى، بشكل دفعها إلى البحث عن خيارات للتعامل مع التداعيات التي ستفرضها تلك القناة.

وتمثل إيران الخيار الأول، وربما يكون الوحيد المتاح أمام قطر، على نحو بدا واضحا في مسارعة الأخيرة، في 9 أبريل الجاري، إلى إيفاد وفد يضم الرئيس التنفيذي لموانئ قطر عبدالله الخنجي وكبير مستشاري وزير النقل والاتصالات حسن الهيل ومدير ميناء حمد عبدالعزيز اليافعي ومدير ميناء الرويس خالد النعيمي ومدير الشؤون الدولية في وزارة النقل حمد الأنصاري إلى طهران، وتحديدا إلى محافظة بوشهر، التي تمثل نقطة التواصل الرئيسية بين الطرفين منذ اتجاه قطر إلى رفع مستوى التبادل التجاري مع إيران بعد قرارات المقاطعة.

وفي اليوم التالي أبدى الخنجي استعداد الدوحة لزيادة استثماراتها في الميناء، الذي تم تفضيله على موانئ هرمزكان وخوزستان، نظرا للإمكانيات الكبيرة التي يحظى بها، بشكل يمكنه من دعم جهود الطرفين في توسيع نطاق التعاون التجاري.

استباق الأزمة

سياسات الدوحة تسير في الاتجاه المعاكس
سياسات الدوحة تسير في الاتجاه المعاكس

تتابع قطر في الفترة الحالية مسارات التصعيد بين إيران والدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة. وقد تفضي هذه المسارات إلى توقف العمل بالاتفاق النووي، أو على الأقل وضع المزيد من العقبات أمام حصول إيران على المزيد من عوائده الاقتصادية.

وتكمن إحدى المشكلات التي تواجهها إيران في أنه حتى في حالة استمرار الاتفاق، فإن تراكمات هذا التصعيد تفرض ضغوطا مضاعفة على الشركات الغربية الساعية للاستثمار في إيران، بشكل سوف يدفعها إما إلى العزوف عن إبرام صفقات مع جهات داخل إيران، وإما إلى التفكير في الخروج من السوق الإيرانية على نحو ما حدث قبل الوصول إلى الصفقة النووية.

وترى الدوحة أن هذه الضغوط قد تصب في صالحها، باعتبار أنها ستدفع طهران إلى الاستجابة لرغباتها في رفع مستوى التعاون دون أن تكون لها شروط معينة ترتبط بملفات سياسية تحظى باهتمام خاص من جانب الطرفين، لأن تسييس العلاقات الاقتصادية يمثل استراتيجية مستقرة تتبناها إيران باستمرار تجاه دول الجوار.

لكن، لا يتوافق تعويل الدوحة على إمكانية الانخراط في علاقات غير مشروطة مع طهران مع المعطيات الموجودة على الأرض، حيث لا تتوانى طهران باستمرار عن استغلال أية مشكلات تتعرض لها دول أو أطراف أخرى لها علاقات معها من أجل ممارسة ضغوط عليها لدفعها إلى اتخاذ خطوات محددة في ملفات إقليمية تتوافق مع مصالحها، عن طريق الربط بين مستوى التعاون الاقتصادي الثنائي ودرجة التوافق السياسي حول تلك الملفات.

هذا علاوة على أن إيران نفسها تتعرض في الوقت الحالي لأزمة اقتصادية حادة بفعل الأجواء القاتمة للاتفاق النووي، وهو ما انعكس في انخفاض العملة الوطنية بشكل كبير خلال الفترة الماضية، حيث وصل سعر الدولار إلى أكثر من 6 آلاف تومان، وهو ما سيقلص من أهمية تعويل الدوحة عليها كمصدر رئيسي في تلبية احتياجاتها الاقتصادية. ووصل الأمر إلى حد استدعاء مجلس الشورى الإسلامي رئيس البنك المركزي ولي الله سيف، في 9 أبريل الجاري، لمساءلته بشأن أسباب انهيار العملة الوطنية، ومطالبة بعض النواب بإقالته من منصبه بعد فشله في التعامل مع تلك الأزمة.

تعويل الدوحة على إمكانية الانخراط في علاقات غير مشروطة مع طهران لا يتوافق مع المعطيات الموجودة على الأرض والموقف الدولي المتصاعد تجاه معاقبة إيران ووضع حد لتجاوزاتها

وربما يصل فرض عقوبات دولية جديدة على إيران إلى مستوى غير مسبوق، فضلا عن أن تزايد التلويح بالخيار العسكري سينعكس على العلاقات الثنائية بين طهران والدوحة، وستتعرض الأخيرة بدورها لضغوط قوية، لأنه سيتم اعتبارها طرفا يساعد طهران على مواجهة تلك العقوبات والعزلة المفروضة عليها، وهو ما تسعى بالتأكيد إلى تجنبه في ظل تطلعها إلى توثيق علاقاتها مع واشنطن، على نحو انعكس في الزيارة الحالية لأمير قطر تميم بن حمد إلى العاصمة الأميركية واشنطن.

كما أن إيران في هذه الحالة ستحتاج إلى من يساعدها، وسوف تتراجع قدرتها على دعم الدوحة في التعامل مع المعطيات التي أنتجتها قرارات المقاطعة. ولذا، فإن تعويل الدوحة على ظهيرها الإقليمي المعزول بدوره قد يكون مؤقتا بانتظار استحقاقات استراتيجية محتملة في الفترة المقبلة ستكشف أن الرهان على إيران لن يجدي نفعا في مواجهة القرارات الداعية لمكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار، وأن مواجهة إيران جزء من استراتيجية الأمن القومي الأميركية وأحد أسباب تعيين جون بولتون مكان وزير الخارجية ركس تيلرسون، وبالتالي فإن واشنطن، التي تستعد لتصعيد ضد روسيا، لن تقبل بحليف تابع لإيران.

7