سوء معاملة

الخروقات قد تحدث في كل زمان ومكان... في بعض مناطق العالم التي تقع على مشارف خط الاستواء ويقبع أغلب سكانها تحت مستوى خط الفقر.. أما الإخلال بالاتفاقات والمعاهدات فهو يتكرر كل يوم.
السبت 2019/07/06
لا مجال لتخفيف الملابس

كنت سعيدة قبل أسبوعين، حين ظننت أنني نجوت من صيف مزعج أقابله كل عام عند أول شهر يونيو.. هذا بعد أن تجاوزت الأمطار في لندن حدودها لأسابيع، وبدا الطقس ناعما ودودا.

في المساء، انشغلت بمطالعة مقال مشوق عن إهانات تعرضت لها دجاجات مسكينة في إحدى المزارع المحلية في بريطانيا، كانت وثقتها كاميرا ونقلتها حرفيا إلى ألسنة أعضاء مركز رعاية الحيوان السليطة، والذين عبّروا عن صدمتهم واشمئزازهم من هذه “الخروقات”.. على إثر ذلك، علق مركز تسوق كبير للمواد الغذائية مبيعاته مع هذه المزرعة بعد اكتشاف “سوء المعاملة” الذي تعرضت له الطيور الوديعة.

أصحاب المزرعة أخلّوا بالاتفاق مع المجهزين وكان يشترط تربية الدواجن في مستوى عال من الرعاية، بعد أن كشفت الكاميرا عن وجود أكثر من دجاجة أهملت في ظروف صحية سيئة لساعات طويلة حتى الموت، كما أظهر الفيديو أحد العمال وهو يركل فراخ الدجاج الصغيرة بقدميه وكأنه يركل أوراق شجر يابس في غابة، بينما عمد آخر إلى كسر أعناق الطيور التي كانت تظهر علامات النفوق ورميها جانبا من دون أن يتأكد إن كانت قد فارقت الحياة أم لا.

حزنت قليلا ثم تملكني الغضب وصرت أشتم في سري العامل الذي كان يركل قطيع الكتاكيت ويكسر أعناق أمهاتها، لكن الفيديو تشوش قليلا وتنبهت إلى أن قطرات من العرق سقطت من جبيني تباعا وحجبت المشهد، بعد أن استقرت على السطح الداخلي لنظاراتي!

حادثة فريدة من نوعها لم تحصل لي منذ سنوات طويلة. كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء والشمس على وشك الركون إلى سريرها الليلي، وأنا ما زلت أتصبب عرقا بعد أن تركت خبر الدجاج معلقا على قدمي الرجل البغيض رافس الدجاجات.

لا تسمح التقاليد العريقة للناس وخاصة السيدات بالتخفف من ملابسهم، لكنها تسمح لهم بالالتفاف على الطقس الخانق باستخدام أجهزة التبريد في المنازل وأماكن العمل

فتحت النافذة لأسرق نسمات قليلة من دون جدوى، فقد توقفت حركة الهواء مثلما تتوقف قطرة مطر في لحظة جليدية مباغتة بعد أن تصفعها موجة برد. تأكد لي أن لا جدوى من ذلك، ثم أقفلت النافذة لأمنع دخول أسراب من بعوض قارص غريب الأطوار لا يرى بالعين المجردة، البعوض الذي يضع أمامنا دائما خيارين لا ثالث لهما؛ العض أو الأرق.

لم يسمح مزاجي بمتابعة أصداء الخبر الذي كان يتحدث عن معاملة غير أخلاقية تتعرض لها الطيور في مزرعة محلية، ربما أسهم ارتفاع درجة الحرارة غير المسبوق في إضافة بعض التوابل للموضوع. لكن هذا لا يمنع أنه حقيقي وأن “الخروقات” التي حدثت حقيقية.

الخروقات قد تحدث في كل زمان ومكان؛ في مزارع الدواجن، في بعض مناطق العالم التي تقع على مشارف خط الاستواء ويقبع أغلب سكانها تحت مستوى خط الفقر.. أما الإخلال بالاتفاقات والمعاهدات فهو يتكرر كل يوم، لا جديد في ذلك.

لا أعرف ما إذا كانت الدجاجات تعاني مثلنا من ارتفاع درجات الحرارة أو أن معاطفها الريشية تزيد الأمر سوءا، لكنني أعرف أن الإنسان بإمكانه أن يتحكم في كمية الملابس التي يرتديها لأنها لا تلتصق بجلده مثل ريش الطيور أو صوف الخراف.. هذا ليس كل شيء، لأن بعض مناطق العالم تتمتع بمعاطف طبيعية من الفرو الذي يغلفها بغطاء جوي تتأرجح فيه درجات الحرارة بين 50 و56 درجة مئوية وأكثر ولا سبيل لتخفيف الملابس حتى وإن تخلى الإنسان فيها عن جلده.

تحدث مثل هذه الخروقات أيضا في أغلب مدن العراق، حيث يتحمل الطقس البعض من المسؤولية ويتكفل أولو الأمر ببقيتها.. يركل الطقس السيء الناس كل يوم حتى التلاميذ في قاعات الامتحان. لا تسمح التقاليد العريقة للناس وخاصة السيدات بالتخفف من ملابسهم، لكنها تسمح لهم بالالتفاف على الطقس الخانق باستخدام أجهزة التبريد في المنازل وأماكن العمل.. بيد أن أجهزة التبريد لا تستلم حصتها من التيار الكهربائي لتعمل بشكل لائق، أما تجهيز الكهرباء فهو الأسوأ منذ عقود بسبب حروب سابقة وحصار اقتصادي وحروب سياسية لاحقة وحرب أخيرة على “الكعكة” التي تم تقسيمها إلى أجزاء صغيرة جدا، لم تعد تكفي حتى حد السكين التي قطعتها.

الجميع أخلّ بالاتفاق، لكن العقاب معلّق ولن يقطع المجهز المسؤول علاقته بصاحب الأمر.. ومن أمن العقاب أساء الأدب!

21
مقالات ذات صلة