سوء معاملة الأهل والأصدقاء يعزز شعور الشباب بالوحدة

يظل الشعور بالوحدة من أقسى المشاعر التي يمر بها الإنسان في حياته، وقد ارتبط هذا الشعور في الأذهان بتقدم الإنسان في العمر، حيث يعتقد أن أكثر الناس تعرضا للشعور بالوحدة هم كبار السن، أو من يفتقدون أشخاصا أثروا كثيرا في حياتهم، لكن يبدو أن الأمر يطال الشباب صغار السن أيضا، رغم أنهم الفئة العمرية الأكثر اختلاطا بالآخرين، والأكثر انفتاحا على العالم بتغيّراته الاجتماعية والثقافية.
الخميس 2017/07/13
الوحدة والانعزال مصير الكثير من الشبان

القاهرة - كشفت دراسة علمية بريطانية أجراها عدد من المتخصصين في جامعة “وارويك”، أن الكثير من الشباب رغم اتصفاهم بأنهم اجتماعيون أكثر من كبار السن، إلا أنهم يخفون مشاعر سلبية داخلهم، تدفعهم إلى الانعزال بعيدا عن الآخرين، ووصفت الدراسة فئة ما فوق الثلاثين عاما بأنهم الأكثر انعزالا عن محيطهم البشري.

وعن الأسباب التي تجعل الشباب يعانون الوحدة والانعزال يرى أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، محمد كامل المهدي، أن أسبابا كثيرة قد تدفع الإنسان إلى الشعور بالوحدة من بينها فقدان شخص له تأثير كبير في حياته، أو بثقل المسؤوليات في ظل عدم وجود موجِّه يسير على خطاه ونصائحه.

وأضاف قائلا “هناك حالات لا يفترض فيها وجود أسباب واضحة، بل تعتمد اعتمادا كليا على تركيبة الإنسان النفسية، فقد يكون صاحب شخصية أكثر حساسية مقارنة بغيره، أو ممن يدمنون الحالة الدرامية ويرغب طيلة الوقت في أن يظل بعيدا عن الآخرين.

وأوضح “بالتأكيد هذا لا ينطبق على كبار السن بقدر ما ينطبق على الشباب، وهو ما أكدته بعض الأبحاث الحديثة، حيث إن الشباب هم الأكثر شعورا بالوحدة مع توضيح بعض الأسباب والتنويه بأن بعض الأسباب الأخرى تظل مجهولة، ويظهر هذا الشعور من خلال ممارساتهم وتعاملهم مع الآخرين، ورغم ذلك يحاولون المداراة على شعورهم بالوحدة، حيث يرغبون كثيرا في معايشة حالتهم بعيدا عن الآخرين ودون أن يشعر أحدهم بشيء.

الإحصائيات أكدت أن شخصا واحدا من بين عشرة شبان يعترف بشعوره بالوحدة، ورغبته في أن يعيش منعزلا عن الآخرين

وأضاف المهدي موضحا “ما يساعد الشباب على تحمل الشعور بالوحدة كونهم أصحاب شخصية قوية، بعكس كبار السن الذين لا يستطيعون تحمل هذا الشعور ويعبرون عنه بتذمر طيلة الوقت، ويخبرون المحيطين بهم باحتياجهم إلى دعمهم ورعاياتهم واهتمامهم، وهو ما أكدته الدراسة البريطانية بكون الشباب أكثر تحملا لهذا الشعور ولا يعترفون به عن قصد منهم”.

وأشار إلى أن الإحصائيات التي أدرجت في الدراسة قالت إن من بين عشرة من الشباب هناك شخص واحد يعترف بشعوره بالوحدة، ورغبته في أن يعيش منعزلا عن الآخرين، لأنه يعتبر أنهم لا جدوى من وجودهم في حياته، أما البقية ممن يعانون الشعور بالوحدة من الشباب فقد يعزز لديهم هذا الشعور سوء معاملة الأهل والأصدقاء لهم، حيث يرون أن السلوكيات والتعامل شيء هام لاستمرار علاقاتهم بالآخرين، وطالما أن هناك إشكاليات تعيق استمرارها بصورتها المفروضة ينبغي الابتعاد عنها.

ومن جانبه، يلفت استشاري الطب النفسي، سيد سلامة الحجار، إلى أسباب أخرى تؤثر على الحالة النفسية للشباب رغم أنهم أصحاب إرادة حديدية ويُعرفون بقوتهم في مواجهة الصعاب، ولكن تدفعهم تلك الأسباب إلى الشعور بالوحدة وعلى رأسها خلافاتهم مع الشريك، التي تترك أثرا سلبيا لدى غالبية الشباب تجعل منهم أناسا غير راغبين في الاختلاط بمن حولهم خوفا من تكرار التجربة.

وبالتالي يلجأ البعض منهم إلى الانعزال باعتباره الحل الأمثل لتفادي الصدمات، ولكن هؤلاء يمثلون شريحة قليلة ممن يعانون الشعور بالوحدة، لهذا السبب قد يبدو الأمر غامضا بالنسبة إلى الشباب بوجه عام، فمن غير المتوقع أن هذه الفئة العمرية تُعاني حالة نفسية مثل هذه، لتوافر كل المقومات الاجتماعية الإيجابية لديهم.

كما لعبت البطالة دورا هاما في شعور الشباب بالوحدة بحسب الدراسة البريطانية، إذ كثيرا ما يفكر الشاب في الكيفية الصحيحة لإدارة حياته مستقبلا، وعندما يعجز عن الوصول إلى حل لا يرى مخرجا سوى الانعزال بعض الشيء عن المحيطين، حيث يشعر الشاب حينها أنه يؤهل نفسه لحالة من الصفاء الذهني، تمنحه قدرة على تعديل حياته التي يحتمل أن تُعاني اضطرابا بسبب عدم وجود عمل مناسب.

كما بين الحجار قائلا “قد لا يظهر الشعور بالوحدة لدى الشباب في بداية العقد الثالث، تبعا لانشغالهم في أمور تتعلق بالدراسة والبحث عن عمل، ولكن بمجرد الانتهاء منها يدخل الشاب في حالة من الانعزالية والكآبة، وقد لا يستطيع تفسيرها أو الوصول إلى مسبباتها الحقيقية، فكل ما يشعر به هو الرغبة في الابتعاد عن محيطه الاجتماعي، وهو ما أكدته الدراسات النفسية الحديثة، حيث يشعر الشباب بالوحدة بداية من بلوغ الثلاثين عاما.

كثيرا ما يفكر الشاب في الكيفية الصحيحة لإدارة حياته مستقبلا، وعندما يعجز عن الوصول إلى حل لا يرى مخرجا سوى الانعزال بعض الشيء عن المحيطين

واعتمدت الدراسات في ذلك على قياس عدد الأصدقاء في بداية العقد الثالث مقارنة بعددهم في بداية العقد الرابع من عمرهم، ووجدت أن عدد الأصدقاء يقل كثيرا كلما زاد عمر الشاب، حيث يصل الشعور إلى ذروته في العام الخامس والثلاثين من العمر، عندما يكون عدد الأصدقاء محدودا جدا، ويقابل غالبية الشباب هذا بالصمت، الذي يعتبر من أكثر المؤشرات الدالة على إصابتهم بالوحدة.

كما أن ممارساتهم العنيفة تقود أيضا إلى وحدتهم التي يحتجزون داخلها، حيث يُقابل الشباب الذين يُعانون من الوحدة غالبية الأمور بعنف شديد، ويرفضون النقاش ويعتمدون على القرارات الحاسمة وإن كانت خاطئة، فهم لا ينظرون إلى مسببات حالتهم بقدر ما يفكرون في كيفية التأقلم معها بالطريقة التي يرونها صحيحة.

وحول آثار الوحدة السلبية قال باحثون من جامعة شيكاغو الأميركية إن “دراساتهم الأخيرة أظهرت أن الشعور بالوحدة ينمي حس الأنانية عند الأشخاص، ويجعلهم يركزون على الأمور التي تتعلق بهم وحدهم دون الانتباه إلى مشاكل وهموم الآخرين”.

وبينوا أنهم توصلوا إلى هذه النتائج بعد دراسات نفسية أجروها على مدى 11 عاما، شملت أكثر من 200 شخص تراوحت أعمارهم بين 50 إلى 68 سنة، حيث تبين أن الذين يعانون من الشعور بالوحدة أصبحوا أنانيين أكثر من غيرهم، حتى أن شعورهم بالوحدة بدأ يؤثر على ردود أفعالهم وتصرفاتهم.

21