سواتر الحماية تحرم الطفل من تكوين شخصية مستقلة في الكبر

الأربعاء 2015/01/07
الأطفال يحتاجون إلى سلطة اشراف الأهل المباشرة لدعمهم وتوجيهم

يبالغ عدد من الآباء والمربين في فرض حصارهم المادي والمعنوي على أبنائهم، ورصد حركاتهم وردود أفعالهم في جميع مراحل حياتهم بحجة حمايتهم من الأخطار المحيطة بهم، كالحوادث والأمراض والتعرض إلى مصادر الألم المختلفة وربما الوقوع في أخطاء مع اختلاف تأثيراتها السلبية.

ينظر علماء نفس بريبة إلى الآباء الذين يتعمـدون محـاصرة أبنائهم بسواتـر حيطـة وحذر، لإبعادهم عن أي طريق اتصال بالعالم الخارجي لضمان عدم تعرضهم للاحتكاك به لأنهم لا يجدونه آمنـا بصورة كافيـة لصغارهـم.

ويشدد متخصصون على أن هذه الأجيال من الصغار سيواجهون مشاكل جمة في حياتهم المستقبلية، فيما يتعلق ببناء شخصية قوية ومستقلة، فيعانون من صراعات متعددة وصعوبات جمة في محاولاتهم التعامل مع القضايا الشائكة والعقبات التي تطرحها مرحلة المراهقة والشباب، بسبب اعتمادهم الكلي على الأهل في الصغر.

وترى سارة جين بلاكمور؛ وهي خبيرة في علم الأعصاب المعرفي في جامعة كلية لندن، أن على الطفل أن يخوض بعض تجارب الحياة البسيطة لوحده –على أقل تقدير- وأن يتعلم من أخطائه، ومن المفيد أن يتم تشجيعه على دخول بعض المواقف التي تتحمل درجة خفيفة من المخاطرة، حتى إذا كان ذلك في اتخاذ قرار مستقل أو مواجهة مشكلة مع أقرانه في اللعب والتمرن على تقنية التجربة والخطأ، بعيدا عن تدخل الأهل.

وتؤكد الخبيرة على أهمية هذه المهارات والتجارب المبكرة في تطوير السلوك المعرفي للصغار، ما يعينهم في المستقبل على مواجهة تجارب الحياة الأكثر تعقيدا، خاصة في مرحلة المراهقة التي يحاول فيها الصغار الانسياب تدريجياً خارج سلطة المنزل والاندماج في مجتمع الأصحاب والتعرف إلى أنماط مختلف من المواقف والأشخاص واستكشاف البيئة الاجتماعية المحيطة بهم.

الطفل عندما يصل إلى عتبة المراهقة فإنه يسعى بشتى الوسائل للتخلص من مظاهر الطفولة والبحث عن الاستقلالية

وتخشى بلاكمور من أن يكون هذا النوع من التربية التي تنتج طفلا اتكاليا، هي النمط السائد في العقدين الماضيين؛ حيث ما زالت أغلب المجتمعات تشهد تزايدا في عدد الآباء الذين يتبنون هذا الاتجاه في التربية ولا يمنحون أطفالهم فرصة لتنمية الشعور بالاستقلالية خوفا عليهم من مواجهة الأمور بصورة مباشرة وحرصاُ على سلامتهم، متجاهلين التأثير السلبي لتنمية فرد لا يجيد فن الاعتماد على نفسه في الكبر ليواجه المخاطر الحقيقية راشدا، وحيدا ومجردا من أي أسلحة شخصية تعينه على تخطي مشاكله والتعامل مع إخفاقاته وعثراته في المستقبل.

إلى حد معقول، يمنح بعض المتخصصين الأهل سلطة الإشراف المباشر على حياة أطفالهم وضرورة تلقيهم بعض الدعم والتوجيه، على أن يتحول هذا الإشراف إلى صيغة أخرى أقل حدة ومباشرة حالما يتخطى الطفل مرحلة المراهقة المبكرة، هذه المرحلة تبدأ من وجهة نظر علماء النفس من سن 13-9 سنة.

ويرى كارل بيكهاردت؛ مؤلف وعالم نفس أميركي متخصص في الكتابة عن العلاقات الأسرية ودور التربية في سنوات الحياة المبكرة، أن الطفل عندما يصل إلى عتبة المراهقة فإنه يسعى بشتى الوسائل للانفلات من مظاهر الطفولة والبحث عن الاستقلالية، في أدق تفاصيل الحياة ومحاولة الاستقلال تدريجيا عن سلطة الأبوين.

ويوصي بيكهاردت الأهل والمربين بتوخي الحذر في هذه المرحلة الدقيقة من حياة الأبناء، وعدم الانسياق وراء مخاوفهم وكوابيسهم التي تصور لهم بأنهم فقدوا السيطرة تماما عليهم وأن لا جدوى من محاولاتهم لمواجهة ملامح التمرد في سلوك صغارهم.

وأكد أن المراهق الذي يبحث عن استقلاله لا يعلن بالضرورة الحرب على السلطة الأبوية أو التمرد على قوانين المنزل، فهو ببساطة يطالب ببعض الحقوق المادية والمعنوية والقرارات المستقلة، سواء أكان هذا في اختيار التخصص الدراسي الذي يرغب فيه أو طبق الطعام المفضل في وجبة العشاء، ليدخل بعد ذلك في تجربة تحمل نتائج اختياراته وهذا الأمر بحد ذاته قد يمنحه تجربة غنية في التعلم، وتوفر أرضية خصبة للتمرن على مواجهة خيارات أكثر تعقيدا وحساسية في مستقبل حياته.

الوصلة الانتقالية بين الطفولة والمراهقة يمكنها أن تبقي على الروابط الأسرية إذا استخدم الآباء التواصل بصورة صحيحة

ويتعثر بعض الآباء في هذه المرحلة تحديدا، عندما يستمرون في تقديم الدعم التقليدي للأبناء؛ كالرعاية والحماية والخدمة المباشرة والرقابة، الأمر الذي يضيّق الخناق على الطفل المقبل على مرحلة المراهقة المبكرة أو المتأخرة ربما، ويجعله في صراع مزدوج بين محاولته الخروج من شرنقة سلطة الأهل وسعيه المتواصل للاعتماد على نفسه والاستقلال بذاته ومحاولة تسنم بعض المسؤوليات.

وفي نطاق آخر، يرفض بعض المراهقين الابتعاد عن ظلال خيمة الحماية الأبوية ويبدون أكثر التصاقا بمرحلة الطفولة وأقل رغبة في استكشاف مراحل عمرية متقدمة، لذلك تصبح تجربة المراهقة أشد وطأة عليهم بما تحمله من مظاهر الاعتماد على النفس والاستغناء تدريجيا عن تلقي العون من الأم والأب.

وفي كلا الحالتين، يرى بيكهاردت، أن الوصلة الانتقالية بين الطفولة والمراهقة يمكنها أن تبقي على الروابط الأسرية أذا ما استخدم الآباء مهارات التواصل بصورة صحيحة وتخلو عن سلبيتهم وأنانيتهم ومن بين هذه المهارات، منح الثقة للطفل-المراهق ودعمه معنوياً واحترام خياراته، شرط أن لا تتعارض مع مصلحته وسلامته الذاتية، إضافة إلى إظهار التعاطف مع خطواته وخططه المستقبلية ومحاولة تقديم النصح دون محاولة التدخل المباشر في دقائق هذه الخيارات، كما قد يوفق بعض الآباء في طرح موضوع الشراكة في العمل، فيقدمون يد العون مباشرة لكن من وجهة نظر الأنداد الشركاء، وهكذا يحتفظ الأهل بولاء الطفل-المراهق وحبه وطاعته أيضا.

21