سوبر جاويد الإسلام دين عائلتي ولكني لا أمارسه

الأحد 2014/04/20
وزيرا لأربع حقائب في حكومة كاميرون

بريطانيا العظمى، التي لم تغب الشمس عن أراضيها، في مستعمرات غطت الكوكب في الماضي، واصلت انحسارها التدريجي، حتى بات أبناء تلك المستعمرات البعيدة، يتولون مناصب كبرى فيها، ويقتربون من أعلى درجات السلطة في تركيبتها السياسية، ولم يكن مفاجئا تعيين كاميرون للباكستاني الأصل ساجد جاويد وزيرا يحمل أربع حقائب في آن معا، الثقافة والإعلام والرياضة والمساواة، بعد أن كان في الصفوف الخلفية من الحكومة كوزير دولة في وزارة الخزانة.

وقبل خمسين عاما من هذا الوقت، كان قد وصل إلى بريطانيا، رجل لا يتقن شغل أية وظيفة سوى قيادة الحافلات، ليستقر فيها، ويؤسس أسرته التي منها سيولد ساجد شقيقا لأربعة إخوة في العام 1969 في لانكشير، وينخرط في حزب المحافظين، بعد أن يدرس الاقتصاد السياسي في جامعة إكستر، ليبدأ في بداية عشرينات عمره نشاطا سياسيا ملحوظا، ولكن عمله القادم في نيويورك في الولايات المتحدة سيأخذه من عالم السياسة البريطانية حينا من الدهر، ليكتسب الخبرات في بنك “تشيز مانهاتن”، أربع سنوات فقط كانت كفيلة بنقل ساجد جاويد من موظف مبتدئ إلى نائب لرئيس المصرف، مثبتا تفوقه في الإدارة والابتكار، وليصبح الآن جاهزا للانتقال إلى عالم أوسع حيث أدار مصرف “دويتشه بنك” في العام 2004 وترأس مجلس إدارته، حتى غادر العمل المصرفي ليتفرغ للسياسة مع العام 2009.

بوصول فالس الإسباني المهاجر إلى رئاسة وزراء فرنسا، واقتراب ساجد جاويد من منصب رئاسة الحكومة البريطانية، تبدو المواطنة في أوروبا في أوج تحركها نحو مفاهيم جديدة، تواجه اليمين في بلدانها، بالمزيد من المهاجرين


النيابة بوابة المستقبل السياسي


ليس بعيدا عن تاريخ تعيينه وزيرا، كان ساجد قد قرّر دخول الحياة السياسية من بوابة الانتخابات، ليصبح أول نائب مسلم عن حزب المحافظين عن دائرة “برومسغروف” في العام 2010، ويلج من خلال تخصصه المالي إلى جهاز الحكومة البريطانية كسكرتير خاص لوزير الخزانة في العام 2011، ثم كسكرتير عام للشؤون الاقتصادية في الخزانة البريطانية بعد سنة واحدة، ثم وزير دولة في وزارة الخزانة والأمين المالي للخزانة في العام الماضي 2013.

ويأتي تعيين الوزير الجديد خلفا لماريا ميلر التي أعلنت استقالتها نتيجة لإساءتها لمزايا التعويضات المالية الخاصة بالنواب، وكذلك ما تردد من استغلالها لمنصبها في تخديم بيت تملكه في الريف، وقد سبق وأن قفز ساجد جاويد لمنصبه السابق بحادثة مشابهة بعد أن تركت جولي كيركبي الساحة السياسية قبل 4 سنوات، بسبب تورطها وزوجها في استخدام أموال دافعي الضرائب لدفع الرهن العقاري لبيت يملكانه.

وبتغريدة على تويتر أعلن كاميرون تعيين ساجد جاويد وزيرا في حكومته لحقائب عدة منها الثقافة والإعلام، ليصبح ثاني الوزراء المسلمين في مجلس الوزراء البريطاني، مع البارونة المسلمة سعيدة وارسي، وزيرة شؤون الأديان والجاليات.

أراد جاويد القول صراحة أن الإسلام في بيته هو التراث العائلي، لكنه لا يمارس أية طقوس، ولا يتبع أي دين، ولكنه أضاف "علينا أن نعترف بأن المسيحية هي دين بلدنا".


آراء الوزير والضجيج الإعلامي

في المناخ العالمي المشحون بالحساسية من الإسلام، وما يسمى بالإسلاموفوبيا، يعدّ صعود شخصية سياسية غربية مسلمة، أمرا يشبه المغامرة، فالرأي المسبق لدى الرأي العام قائم أصلا على سلبية التعاطي مع التصريحات والأداء، وإن أضيف إلى هذا كلّه غلطات هنا أو هناك يمكن أن يقع فيها المسؤول فسيكون طريقه صعبا للغاية، وسبق لجاويد أن أثار غضبا واسعا إثر تصريحات أشار فيها إلى أن النساء لا يستحققن العمل في لجنة السياسة النقدية لبنك إنكلترا، فتم اعتباره يصدر عن صوت في الأعماق يعود إلى أصوله الإسلامية.

ولكن كل الضجيج، لم يمنع مقدم البرامج الإذاعية إيان دايل يتوقع لساجد جاويد في برنامجه أن يصبح في يوم من الأيام زعيما لحزب المحافظين في بريطانيا، سيما وأن جاويد كان قد بدأ حياته بمواقف صاخبة ضد المرأة الحديدية مارغريت ثاتشر في مسألة الانضمام إلى اتفاقية اليورو، واصفا موقفها بأنه ” خطأ فادح”.

رأس مال الوزير

بعد سنواته السريعة في العمل المصرفي، عاد جاويد من سنغافورة، ومعه الثروة التي جمعها بمجهوده، والتي اقتربت من ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، ليشق طريقه السياسية بانيا ليس فقط على خبراته الاقتصادية واكتفائه من العمل كما يقول، بل أيضا على رصيد تمكن من تحصيله من خلال حضوره في الساحة السياسية سريعا، وقال عنه وزير الخارجية السابق جاك سترو، حين تم انتخابه أول مرة في العام 2010 كنائب ” هو أفضل النواب الجدد خلال أكثر من ثلاثين عاما “، كما صنفته شركة وستمنستر الاستشارية في المرتبة الثالثة في استطلاع للرأي نشر في أغسطس من العام 2011، حول من هو رئيس الوزراء البريطاني التالي، ووضعته صحيفة ديلي تلغراف في قائمة “أفضل 100 شخصية الأكثر تأثيرا”.

لم يرحم جاويد الوزيرة التي خلفها على المنصب، فدافع عن حرية الإعلام وحق الصحافة في التحقيق في مخالفات السياسيين والمسؤولين، وكان هذا في أول ظهور له كوزير للثقافة على بي بي سي

ساجد جاويد ودور بريطانيا في العالم

عاد جاويد ليثير الضجيج من جديد في ربيع هذا العام 2014، حين وجه اتهاما مباشرا لزعيم حزب العمال إد ميليباند، باعتباره مسؤولا عن تفاقم الأزمة في شبه جزيرة القرم، مبررا أن هناك ” صلة مباشرة ” بين رفض ميليباند لدعم التدخل العسكري في سوريا، والنشاط الروسي في أوكرانيا لاحقا، فقد كان جاويد يريد لبريطانيا أن تلعب دورا أكبر في العالم، وأن تواصل تدخلها في مواقع النفوذ.

لم يرحم جاويد الوزيرة التي خلفها على المنصب، فدافع عن حرية الإعلام وحق الصحافة في التحقيق في مخالفات السياسيين والمسؤولين، وكان هذا في أول ظهور له كوزير للثقافة على بي بي سي، أما عن دينه الأصلي (الإسلام) فقد أراد جاويد القول صراحة إن الإسلام في بيته هو التراث العائلي، لكنه لا يمارس أية طقوس، ولا يتبع أي دين، ولكنه أضاف ” علينا أن نعترف بأن المسيحية هي دين بلدنا “، وفي الغداء المشترك لمجوعة أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين في العام 2012، قال جاويد ” بعد المملكة المتحدة، سأختار إسرائيل لأنها عرضت عليّ حضنا دافئا مليئا بالحرية”.

زعماء مهاجرون

بوصول فالس الأسباني المهاجر إلى رئاسة وزراء فرنسا، واقتراب ساجد جاويد من منصب رئاسة الحكومة البريطانية، تبدو المواطنة في أوروبا في أوج تحرّكها نحو مفاهيم جديدة، تواجه اليمين في بلدانها، بالمزيد من المهاجرين، ليصبح الصراع القادم صراعا بين مستوطنين وسكان أصليين، وسط قبول شعبي ديمقراطي ترسّخ له فلسفة الآلة الانتخابية التي ترى في الدولة كلّها جهاز خدمات وليس تعبيرا عن الهوية.

8