"سوبر ماركت" مسرحية تحكي الوجع السوري خلال ثلاثة عقود

أيمن زيدان يربط بين المهرج الملحمي لداريو فو وما تعانيه بلاد الشام من فوضى.
الجمعة 2021/09/10
نقد لاذع لانهيار القيم في المجتمع السوري المعاصر

في حدث نادر، وغير مسبوق في مسيرة المسرح السوري، تعرض مسرحية لنفس المؤلف والمخرج ثلاث مرات خلال ثلاثين عاما، إنها مسرحية “لا تدفع الحساب” للكاتب الإيطالي داريو فو الذي أعدّها للمسرح السوري أيمن زيدان، لتعرض تحت عنوان “سوبر ماركت” عام 1992، ثم عام 2008، وأخيرا في العام 2021، فماذا عن المسرحية، ولماذا العروض الثلاثة؟

دمشق - "مات المهرج، اضحكوا"، هكذا أوصى داريو فو الكاتب الإيطالي الشهير بأن يكتب على شاهدة قبره. وهو صاحب مسرحية “لا تدفع الحساب” التي صار اسمها “سوبر ماركت” وقدّمت خلال ما يقارب الثلاثين عاما ثلاث مرات على مسارح دمشق.

ففي عام 1992 قدّم المسرح القومي السوري المسرحية بترجمة نبيل الحفار وإعداد وإخراج أيمن زيدان وبطولته إلى جانب كل من فارس الحلو ومحمد خاوندي وأمانة والي وسلوى حنا. ثم قدّمت ثانية عام 2008 وكانت من بطولة زيدان أيضا وشكران مرتجى ومحمد حداقي وفادي صبيح وأسيمة محمد وحازم زيدان وطالب عزيزي.

أما التجربة الثالثة فكانت هذا العام، ولم يشارك زيدان بالتمثيل فيها، بل اكتفى بدور المخرج فقط، موزّعا الأدوار على كل من حازم زيدان وقصي قدسية وسالي أحمد ولمى بدور وحسام سلامة وخوشناف ظاظا.

فن يواكب التغيّر

أيمن زيدان: النص المسرحي يمكن أن يكون واحدا، لكن العروض متعدّدة

من أهم ما يميّز مسرح داريو فو قدرته على التغير والتأقلم مع مستجدات الأمور في الحياة. وهو ما هدف إليه المسرحي الإيطالي (1926/2016) في أعماله بحيث كان يسعى للحصول إلى أعلى طاقة من القدرة على التغيّر والتغيير.

فو كان يعرف أهمية وجود التغيير في العروض المسرحية وكان يصف مسرحياته بأنها ليست خالدة، بل هي مسرحيات للحرق، كونها مرتبطة بشخصيات محددة وأحداث معينة، وأنها ستكون خالدة إن هي استطاعت أن تتغيّر باستمرار، وبالتالي حقّقت تبديلا في شخوصها وأحداثها حسب مستجدات المجتمعات والظروف المحيطة بها.

وهذا ما دفعه إلى القبول بتنفيذ الكثير من التغيّرات على مسرحيته، حتى لو أعاد تقديمها بنفسه، وكان يصرّ على أن العرض يتغيّر في كل تفاصيله باستثناء الشكل الفني العام.

فو صاحب المسرحية الأشهر في تاريخ إيطاليا الحديث “موت فوضوي صدفة” والحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1997، يشكّل حالة أدبية وفنية إيطالية وعالمية متفرّدة. فهو كاتب ومخرج وممثل وفنان ديكور وموسيقي ومفكر وناقد. يساري الميول والفكر والهوى والطموح، حارب قوى الاستبداد السياسي والاجتماعي وحتى الديني، وهذا ما جعله في مواجهة الجميع ممّن يدّعون أنهم حماة الوطن والدين والمجتمع. قال ذات مرة “جئت لأزعج الجميع”.

فو لم يهادن أحدا في تاريخه المهني الذي استمر لمدة تزيد عن السبعين عاما، بل تمرّد على جناح سياسي ينتمي إليه فكريا عندما وجد أن نبرة المصلحة الحزبية والشخصية تعلو على مصلحة الوطن. فخرج عن طاعة الحزب الشيوعي في إيطاليا مبكرا ورفض بعد ذلك أن يكون تحت عباءة أي جهة إنتاجية.

وهذا ما وفّر له استقلالية فكرية أنتجت مسرحا وفكرا لا يهادن أحدا وينتقد الجميع، وهو ما دفعه إلى تأسيس مسرح مستقل سماه قصر الحرية الذي لا يتبع أي جهة حكومية أو أهلية.

في مسرحيته “لن تدفع الحساب” يقدّم فو نسيجا اجتماعيا يبدو متماسكا وقويا، لكنه في الحقيقة يعوم على بحر من التناقضات الأمر الذي يعني عدم وجود استقرار اجتماعي وفكري، وهذا ما سيوّلد نزاعات وصراعات لا حدّ لها.

وهو ما يحدث في تلك المدينة التي تتمرّد على سلطاتها، وترفض مجموعة من النساء فيها دفع المزيد من المال بسبب زيادة الأسعار. بل وتتمرّد بعضهنّ على السلطات وينهبن محل سوبر ماركت كبير في الحي ويتقاسمن مواده الغذائية. وتعيش امرأتان من تلك النسوة مغامرة إخفاء الأمر عن زوجيهما، وعلى التوازي يكتشف الزوجان المناضلان سياسيا حجم الزيف الذي يعيشانه عندما يعرفان بالصدفة أن قادتهم النقابيين ما هم إلاّ لصوص مواد غذائية يسرقون قوت الشعب ويتاجرون به.

مقاربة الواقع السوري

نساء يتحدين الظلم
نساء يتحدين الظلم

عندما عرض أيمن زيدان مسرحية “سوبر ماركت” للمرة الأولى في العام 1992 كان يعي أنها تقدّم إسقاطا على المجتمع السوري حينذاك. وتشرّح واقعا معيشا بشكل يومي، الأمر الذي لم يتبدل مع مرور الأيام بل زاد عبئا، فوصل حال الفوضى المجتمعية وحجم التناقض في بدايات القرن الحادي والعشرين لما يفوق ما كان عليه الحال أولا.

وهذا ما دفع زيدان لتقديم العرض مجدّدا في العام 2008 بفريق ممثلين جدد كان هو نفسه أحد عناصره، آخذا دور الممثل والمخرج معا. وبعد ما يقارب الثلاثة عشر عاما وفي مسار التغيّر الذي تفرضه الحياة على المجتمع، كان حجم التغيّر في المجتمع السوري كبيرا، ولكنه في الاتجاه السلبي، خاصة بعد عام 2011.

ووجود حرب استعرت فيها قلبت موازين الأمور وجعلت ما فيها من الثوابت في مهب الريح، فازدادت حدة التناقضات والاضطرابات التي أرهقت المجتمع بكل أطيافه، وظهرت بشكل فجّ حدة التناقضات التي ما كانت يوما خافية على أحد.

وازدادت حدة مقاومة الناس لها بين أداء حكومي متعال وفوضوي وظروف معيشية قاهرة تصل إلى حدّ غير إنساني. ولعل هذا ما جعل زيدان معنيا بتقديم العرض ذاته مرة ثالثة بلبوس فكري فيه تعديلات تناسب حساسية المرحلة وحجم التغيّرات التي طرأت عليها.

وهذا ما كان فعلا، فبعد عرضين سابقين قدّما متباعدين في عامي 1992 و2008، قدّم أخيرا المسرح القومي في سوريا مسرحية “سوبر ماركت” في عرض ثالث، وهي حالة غير مسبوقة في تاريخ المسرح السوري أن يقدّم عرضا مسرحيا ثلاث مرات خلال ثلاثين عاما من قبل ذات الجهة المنتجة وذات المخرج مع تغيير في فريق ممثلي العمل.

المسرحية تقدّم نسيجا اجتماعيا يبدو متماسكا، لكنه في الحقيقة يعوم على بحر من التناقضات التي تولّد الصراعات

وينظر بعض النقاد الذين تناولوا مسرح داريو فو أنه ركّز على تقديم ما يمكن تسميته بالمهرج الملحمي. وهي الصيغة التي تعني أن الممثل هو العنصر الأهم في نقل أفكار وأحداث العرض للجمهور، والممثل هنا صاحب طاقة خاصة تمكنه من تقديم دوره بمساحة حرة في مخاطبة الجمهور تاركة له حيزا من الارتجال الذي يتركه مرهونا بحالة تجاوب الجمهور معه، وهو الأمر الذي يختلف بين جمهور وآخر حتى في العرض ذاته.

وتبدو العلاقة هنا تفاعلية بين الجمهور والممثل، تشتدّ حرارتها كلما كان الجمهور متفاعلا مع نبض الحدث وطريقة أدائه والعكس صحيح. وهذا ما قدّمه العرض السوري من حيث قدرات الممثلين المبني على واقعية الأحداث التي يستعرضها وقربها الشديد من الجمهور الذي شعر بحرارة المواقف التي يتلمّسها على الخشبة مع ما يعيشه من حدث يومي في معيشه الحياتي. فغدا مصطلح المهرج الملحمي الذي اجترحه أهل النقد في مسرح فو قريبا من التحقّق في “سوبر ماركت” زيدان.

كثيرا ما تحتفي أدبيات المسرح بالعديد من المقالات والدراسات عن طبيعة النص المسرحي ومدى مرونته ليقدّم في مجتمع محدّد، الأمر الذي يبدو إشكاليا أكثر عندما يكون النص مترجما. وهذا ما يفرضه نص “لا تدفع الحساب” الذي كتبه فو بلغة أجنبية ترجمه نبيل الحفار وأعدّه للغة العربية بصياغة محلية أيمن زيدان في العرض الأول، ومن ثم أيمن زيدان ومحمود الجعفوري معا في بقية العروض. 

وتبدو مسألة تقديم مسرحية تشرّح الواقع السوري في أدق يومياته بناء على نص مترجم غاية في الصعوبة، حيث إن المجتمع والناس مختلفون. من هنا يبيّن زيدان أن النص المسرحي يمكن أن يكون واحدا، لكن العروض متعدّدة. بمعنى أن توليفة العرض هي التي تحكم العلاقة ما بين العرض وقربه من الناس وتفاعله معهم. فالعرض يكون ناجحا بمقدار ما يقدّم تشريحا لما يهمّ الناس، فيشاهدون ذواتهم من خلاله.

ويضيف “هذا ما كان في العرض الثالث لمسرحية ‘سوبر ماركت’، حيث وجدت أن الوجع زاد في المجتمع وأن الأفكار التي يحملها النص الأصلي جديرة أن تقدّم مجدّدا وبحلول فكرية وبصرية مختلفة، وكذلك بفريق جديد من الممثلين الشباب الذين يمتلكون طاقات وحيوية كبيرة تمكّنهم من تقديم أفكار العرض بنجاح وموضوعية أكبر، لذلك أقدمت على تنفيذ الفكرة”.

ثلاثون عاما مرّت على تقديم عرض مسرحية “سوبر ماركت” للمرة الأولى بدمشق، وفي المرة الأولى لعب دور جيوفاني الرجل المناضل السياسي والنزيه الذي لا ينفك عن تقديم المواعظ السياسية، الفنان أيمن زيدان، وفي العرض الأحدث يقدّم ذات الدور ابنه حازم زيدان الذي قال إنه “سعيد بهذه الحالة كونه قد وعى العرض منذ تقديمه منذ ثلاثين عاما، وأنه ما زال قادرا على تشريح الحالة السورية التي قدّمها في حينه، وهي التي ما زالت قائمة بصورة أوضح الآن.. أنا أتعلم من أيمن زيدان كفنان وليس كوالد فحسب، وسعيد أنني قدّمت دورا شهيرا سبق له تقديمه على مسارح سوريا منذ ثلاثة عقود“.

17