سوتلوف لم يكن يساوي شيئا

السبت 2014/09/06

ذبح الصحفي الأميركي ستيفين سوتلوف لم يكن مفاجأة. المتشددون لم يكونوا في وضع يسمح لهم بالمزاح إزاء التهديد بقتله عندما ذبحوا جيمس فولي قبله، أو هكذا أدرك الغرب أخيرا.

لكن على ما يبدو أن أرواح الأميركيين والبريطانيين ليست وحدها التي باتت مهددة جرّاء توسع المتشددين في العراق وفي كردستان. منذ نجاح داعش في استغلال غضب القبائل السنية من إقصاء المالكي وممارساته الطائفية تجاههم في السيطرة على الموصل والمناطق المحيطة، لم تجد أميركا مصلحة في مساندة “الثورة” السنية، كما أن العشائر الثائرة لم تقدم الشيء الكافي لإسالة لعاب ذلك القابع في البيت الأبيض، والنتيجة أن ظلت واشنطن متمسكة بالدائرة الأوسع من مصالحها التي يضمنها النظام في بغداد، مع التشبث بالاكتفاء بمراقبة الصراع من بعيد والتدخل بقدر يحافظ على تلك المصالح.

التغيير المفاجئ في استراتيجية داعش، في التحول لمهاجمة أربيل بدل بغداد، أربك الأميركيين، وأجبرهم على إعادة النظر في استراتيجيتهم، فاتخذ القرار على عجل بالتخلي عن الاكتفاء بالمشاهدة، والقفز في قلب المعركة فيما بدا أنه تحكم واضح للتنظيم المتشدد بسيناريوهات الحرب وهرولة أميركية للحاق به. لكن لماذا يهرول الغرب (بعد انضمام بريطانيا) لنصرة الأكراد؟

إقليم كردستان يحتضن عددا من الشركات النفطية العالمية في مقدمتها شركات “غلف كيستون بتروليوم” و”غينيل إنيرجي” و”أفرين” البريطانية، كما أن شركة “شيفرون” الأميركية أيضا من ضمن أهم الشركات العاملة في الإقليم. و”شيفرون” شركة منبثقة عن شركة “ستاندارد” النفطية، التي تمتلك عائلة روكفيلر المالية الشهيرة في امبراطورية الشرق الأميركي عددا كبيرا من أسهمها.

وقد شاركت شركة “ستاندارد”، كما يقول محمد حسنين هيكل في كتابه “زيارة جديدة للتاريخ”، مع شركة “غولف” الأميركية في تنفيذ الانقلاب المضاد على محمد مصدق لإعادة الشاه إلى العرش عام 1952، فيما عرف بالعملية “أجاكس″، التي أعقبت إصدار مصدق لقانون تأميم النفط الإيراني.

أما من قام بالتخطيط للعملية، فكان كيرميت روزفلت، سليل عائلة روزفلت الثرية وأحد أقارب الرئيسين الأميركيين ثيودور وفرانكلين روزفلت، والذي تولى تنفيذ الانقلاب بتكليف من رئيس الاستخبارات الأميركية ألان دالاس، محامي الشركات السابق من نيويورك، والأخ الشقيق لجون فوستر دالاس وزير خارجية أيزنهاور. عقب نجاح الانقلاب في إيران أصبح مالك شركة ستاندارد، ديفيد روكفيلر، المستشار السياسي والاقتصادي للشاه، وحظي مصرف تشيز مانهاتن الذي يمتلكه في نيويورك بحقوق حصرية لاحتضان عائدات النفط الإيرانية. لكن المستشار كان هنري كيسنجر.

لم يكن كيسنجر، عندما يدلي بآرائه في التحركات الخارجية لأميركا، يعبر عن وجهة نظر شخصية بل أن هناك معتقدا في الأوساط الأميركية يقول أن كيسنجر وصديقه ديفيد روكفيلر ومصالحه، وجهان لعملة واحدة. فقد دعم كيسنجر انضمام أميركا إلى حلف الناتو في قصف صربيا عام 1999، كما كان من الأصوات المطالبة بتوسيع دائرة “الحرب على الإرهاب” بعد أحداث 9/11 لكي لا تتوقف على أفغانستان بل تشمل العراق أيضا، وعندما سئل عن ذلك قال “أفغانستان لم تكن كافية.. كان علينا أن نستبدل مشهد الأبراج الأميركية المحترقة بمشهد تمرح فيه الدبابات الأميركية بفخر بين طرقات عاصمة عربية مهزومة».

السياسة الأميركية، لا تقوم على نظرية المؤامرة في المطلق كما يعتقد الكثيرون، فهناك مصالح توجه تلك السياسة في الاتجاهات التي تمكنها من جني أكبر قدر من الأرباح.

تلك المصالح التي نسميها بـ”المؤامرة”، تحظى عادة بالإجماع بين القوى الأميركية المؤثرة، وسواء كانت هذه القوى تنتمي إلى امبراطورية المصارف في الشرق، أو تحتضن مراكز أبحاث الأسلحة والطيران في الغرب، فإن خيوط الانسجام بين المعسكرين تجد طريقها للالتقاء بما يحقق العقيدة التي تقوم عليها أكبر قوة رأسمالية في العالم، بغض النظر عمن يجلس في المكتب البيضاوي.


كاتب صحفي مصري

9