سودانيات يرسمن البهجة بالحناء على أيادي المصريات للتغلب على الفقر

على أرصفة الشوارع الضيقة التي تميز منطقة الأزهر والحسين بقلب القاهرة الفاطمية، تجلس سيدات سودانيات في صمت يتابعن حركة المارة، لا تسمع أصواتهن إلا عندما يهتفن بكلمة “حناء” كلما رأين سيدة أو فتاة، خاصة إذا كانت سائحة.
الاثنين 2016/07/18

القاهرة - سيدات من السودان جئن إلى مصر قبل سنوات، واستقر بهن الحال في منطقة الأزهر والحسين بوسط القاهرة بحثا عن مهنة نادرة في محيط المسجد العريق، أحد أهم المعالم السياحية في القاهرة.

تميزهن قلة الحديث مع الآخرين، والهدوء الذي يبدو للوهلة الأولى مبالغا فيه وغير متناسب مع أجواء الصخب المحيطة بالمكان، حتى أنهن لا يظهرن الغضب من المصريات اللاتي تعلمن رسم الحناء منهن ثم زاحمنهن في الرزق.

على رصيف مسجد الحسين تجلس “أم بشير” وإلى جوارها أخواتها الثلاث، كل منهن تمسك بيدها “قرطاسا مدببا” من الورق بداخله كمية من الحناء، يمثل سلاح المهنة ووسيلة كل منهن للبحث عن الرزق الحلال.

يستغرق الرسم على يد الفتاة وقتا لا يتجاوز 5 دقائق، على أن يكون شكل الرسومات وفقًا لهوى الفتاة نفسها، وحسب ما تختار، وذلك مقابل 10 جنيهات للرسم الواحد أو ما يوازي دولارا واحدا.

لا تحتفظ “أم بشير” وأخواتها، وغيرهن من السودانيات، سوى بقرطاس ممتلئ بالحناء، وبضع أوراق مطبوعة عليها رسومات تختار من بينها الفتاة نوع الرسم الذي تريده، كما يمكن أن تقترح رسما مختلفا، إذا لم تجد بين الرسومات ما يعجبها.

السيدة التي تبلغ من العمر 55 عامًا قالت إنها جاءت إلى منطقة الحسين قبل 15 عامًا، بعدما ساءت الأوضاع الاقتصادية وانتشر الفقر في بلادها بين الكثير من العائلات، وعملت في نفس مهنتها التي زاولتها منذ كان عمرها 7 سنوات. وقالت إن مهنة “الحنانة” في السودان تعتبر الأشهر بالنسبة للسيدات في مختلف المدن، لأن الحناء جزء لا يتجزّأ من أدوات تجميل المرأة في جميع مراحل حياتها، وتعتبرها الفتاة السودانية أحد دلائل أنوثتها لذلك لا تتخلى عنها.

انتشار "الحنانات" المصريات لم يؤثر على سوق السودانيات اللاتي يمتلكن سمعة أفضل في المهنة

وأضافت لـ “العرب” أن الحناء في السودان تميز بين الفتاة المتزوجة وتلك التي لم يسبق لها الزواج، فالأولى يمكن أن تضع حناء على أغلبية أجزاء جسدها، أما البكر فيسمح لها بـ “تحنية” أظافرها فقط، لذلك هناك الكثير من السيدات السودانيات اللاتي وجدن في هذه المهنة مصدرا حيويّا للرزق والإنفاق على الأسرة.

انتشار “الحنانات” المصريات في منطقة الأزهر والحسين لم يؤثر على سوق السودانيات اللاتي يمتلكن سمعة أفضل في المهنة، لهذا تختار الفتيات والسيدات “الحنانة” السودانية التي تمثل أهل الخبرة في هذه المهنة.

هناك سبب آخر يتعلق بالمنتوج هذه المرة وهو أن الحناء التي تستخدمها المصريات محلية الصنع وتزول من الجسد بسهولة، بعكس حناء الرسامة السودانية التي لا تمحى بسهولة، وقد تستمر على اليد لأكثر من أسبوعين لأنها سودانية وأصلية.

لكن ما يزعج “الحنانات” السودانيات في المنطقة أن المصريات يدّعين أن الحنة السودانية تصيب بالعديد من الأمراض الجلدية، في محاولة لإرهاب الفتيات من التعامل معهن، وهو ما اعتبرنه نوعا من المنافسة غير الشريفة.

غير أن هذه الحيلة لم تجد نفعا في إبعاد الزبائن المصريات عن “الحنانات” السودانيات، رغم غلاء أسعارهن مقارنة بالأسعار التي تتقاضاها المصريات، حيث تتقاضى السودانية عشرة جنيهات (دولار واحد) فيما ترسم المصرية بنصف هذا المبلغ.

عن إيراداتها اليومية قالت “أم بشير” إنها يمكن أن تجمع نحو 300 جنيه (30 دولارا) في اليوم، وقد يتضاعف المبلغ في أيام الإجازات الرسمية، بينما تمثل الأعياد والمواسم أفضل أيام العام بالنسبة إليهن.

أما عن نوعية الزبائن فقالت “أغلبهن من الفتيات القاطنات في مناطق شعبية وهناك البعض من الفتيات اللاتي ينتمين إلى الطبقات المتوسطة، وهؤلاء أكثر من يقمن برسم الحناء على أيديهن، ويعتبرنها أحد مظاهر الزينة والجمال”.

الأجانب حاولوا تقليد الحناء ولكنهم فشلوا فصنعوا الوشم الذي لا يمكن إزالته إلا بعملية جراحية

صابرة حنانة سودانية أخرى تعمل أيضا في منطقة الحسين، قالت لـ “العرب” “مهنة الرسم بالحناء مقصورة على السودانيات من كبار السن اللاتي يملكن الخبرة الكافية، أما الصغيرات فيعملن في مهنة بيع مستلزمات الجمال سودانية الصنع بمنطقة الحسين”.

وأضافت أنها تشعر بالبهجة كلما رسمت لفتاة ولمست السعادة في وجهها، وفي أحيان كثيرة تمتهن مهنة رسم الحناء خلال مناسبات الزواج لتجميل العرائس وصديقاتهن بأسعار أخرى، تتراوح بين 100 و250 جنيهًا (نحو 10 إلى 25 دولارا) حسب عدد الرسومات وأنواعها.

وتصر السيدات على أن رسم الحناء لدى السودانيات لثقتهن بجودة الحناء السودانية وثبات ألوانها، ويؤكدن أنه كما تشتهر بمصر “الحنة الأسواني” لارتباطها بالنوبة تشتهر أيضا الحناء السودانية بكونها أفضل إذا كانت بأياد نوبية سودانية. وأصبحت الحناء موضة مفضلة للعديد من الفتيات للتزين والتجمل بها وإضفاء جاذبية على مظهرهن، كما تحرص العرائس على إقامة “ليلة حناء” للاحتفال بهذه المناسبة قبل ليلة الزفاف، وللحناء أسرار وطقوس ولطرق رسمها شروط لعل أبرزها الدقة والاختلاف، وتبدع السودانيات أشكالا مختلفة ترضي الأذواق.

وتوجد الحناء في البلدان العربية فقط، وحاول الأجانب تقليدها، ولكنهم فشلوا فصنعوا الوشم الذي لا يمكن إزالته إلا بعملية جراحية، كما اخترعوا “تاتو” من الورق يتم لصقه على الجسم وعمره قصير جدا، وتمكن إزالته بالماء بسهولة. ورغم أن الحناء من التراث القديم فإنها تشهد ابتكارا وتطويرا، ولم يكن المصريون يعرفون الحناء كرسم، بل كانوا يعتقدون أنها مجرد “طباعة” على الجلد.

وتحرص السودانيات دائما على جلب كميات كبيرة من الحناء السمراء التي تزرع في منطقة الدافر الخصبة في السودان، والتي تعد أجود أنواع الحناء في العالم، ثم تضاف إليها بعض المواد الكيميائية لتثبيت الحناء لفترة طويلة وجعل لونها أسود أو بنيّا، بالإضافة إلى بعض الخامات الأخرى التي ترفض السودانيات الكشف عنها لأنها سر المهنة.

ولا يقتصر رسم الحناء على الجنس اللطيف فقط، بل يفضله بعض الرجال أيضا. ويطلب بعض الرجال رسم الحناء على أذرعهم ويعتبر ذلك شيئا غريبا في مصر، أما في السودان فذلك الأمر اعتيادي جدا والعريس يجب أن يضع حنة في باطن يديه وباطن قدميه ليلة عرسه، كما يقوم أصدقاؤه أيضا بوضع الحناء في أياديهم.

21