سوريا: آن للنهر أن ينتفض لمجراه

الجمعة 2015/03/20

اكتملت الأسبوع الماضي، أربع سنوات على انطلاقة الثورة السورية. أربع سنوات شهدت على مدى العداء الذي يكنّه نظام الأسد للشعب السوري والذي تجلّى حقدُه بهذا الكمّ المرعب من الجرائم الدموية، وهذا الكمّ المذهل من الدمار والتهجير الكثيف لهذا الشعب، وعلى مدى العداء الذي أظهره النظام العالمي لأي بادرة تغيير حقيقية تبادر إليها الشعوب بإرادتها الحرة، وعلى الكثير من الأحداث والتطورات، من تشكل قوى، وانهيار أخرى، وانكشاف قوى على حقيقتها. أربع سنوات حافلة بالأحداث الجسام والتشابك والتشويش والتضليل، عدا الأعداد الهائلة للضحايا الذين تساقطوا ولا يزالون يتساقطون تحت التعذيب في معتقلات أجهزة النظام.

أربع سنوات شهدت على مدى عدائية ما يسمى الإسلام الجهادي بكل تشكيلاته لأهداف الشعب من ثورته بل وغربته عنها، ومدى ارتهان هذه التشكيلات وخضوعها لمصالح وأجندات قوى الهيمنة الإمبريالية والإقليمية، كما لانعدام قدرتها على الصمود بمجرد انتهاء مهمتها التخريبية والتدميرية التي أرادها لها مجنِّدوها.

أربع سنوات كشفت حقيقة المعارضات السياسية المتسكعة على أبواب السلاطين وعتبات قوى الهيمنة الإمبريالية والإقليمية لاستجداء السلطة أو مكان لها فيها، فبرهنت على تشكيكها بمقدرة الشعب على التغيير وباستهانتها بالدوافع الحقيقية التي دفعت الآلاف لمواجهة الموت في سبيل الحياة التي لم تعد ممكنة دون التغيير الجذري للواقع.

أربع سنوات أكدت أن النظام العالمي بكل قواه، أنظمة ومؤسسات، شرقا وغربا، الداعمين الصادقين لنظام الاستبداد الدموي، والمدّعين كذبا صداقة الشعب السوري، كافة، يتملكهم العداء الصارم لأي محاولة يبادر إليها الشعبُ حرا لتحديد خياراته وتقرير مصيره وبناء مستقبله، ولو على بحر من الدم والدموع.

لن أتطرق في هذه العجالة إلى الأحداث والكوارث التي نالها الشعب السوري ولا لتفاصيل عذاباته من قتل واعتقال وتعذيب وتشرد وجوع وبرد، ولا لما زج به في خندق ثورته من قوى معادية لأهداف تلك الثورة ومتنكرة لأسبابها المادية، ولا لكل تلك القوى التي استجلبت لتحمي النظام من السقوط الأكيد فحوّلته إلى دمية دموية بيد النظام المافيوي في طهران وحرسه “الثوري” (ومن ورائه النظام العالمي كله). ولو أنه من باب الوفاء لمئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والناشطين والأطفال المشردين يفترض بنا أن ننحني لتضحياتهم العظمى التي لم نكن لنتوقع أن تبلغ هذا الشأو.

لم يكن الشعب السوري أبدا في وارد ما آلت إليه الأمور اليوم. كل ما طلبه بعض من الحرية والكرامة ليس غير. فكان له أن يتحول إلى أمثولة لسائر الشعوب في الطاعة والخضوع لطغيان المستبدين. ولكنه اليوم، وبعد كل هذه التضحيات أكثر إصرارا على نيل حريته كاملة، إذ لا يعقل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل آذار 2011 مهما كانت التوافقات والمشاريع التي ترمي إليها القوى العالمية، والتي لم تكن يوما لتصب إلا ضد مصالح الشعوب وطموحاتها المشروعة.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد أعلنت صراحة يوم الذكرى الرابعة لانطلاقة الثورة السورية، على لسان وزير خارجيتها أنها ستكون مضطرة للتفاوض مع نظام الأسد من أجل عملية سياسية تنهي الصراع في سوريا، فإن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إيه) سبق كيري إلى التأكيد على حرص الولايات المتحدة وحلفائها (ما سمي سابقا أصدقاء الشعب السوري) على استمرارية مؤسسات النظام السوري بذريعة عدم خلوّ الساحة أمام القوى المتطرفة.

وهكذا، وبعد أربع سنوات على انطلاقة الثورة تتساقط المشاريع والأجندات والحلفاء والقوى الجهادية والمعارضات، داخلية وخارجية، يتساقطون جميعا بعد أن تركوا الشعب السوري وحده في مواجهة الجلاد، بل بعد أن حاصروه ومنعوا عنه لا فقط الدعم الإنساني الفعلي، بل حتى دعم الشعوب والقوى الحية حول العالم من خلال حملات التضليل المتواصلة دون توقف.

كاتب لبناني

9