سوريا: الائتلاف الوطني وتحديات المرحلة المقبلة

الأربعاء 2015/01/07

كشفت الدورة الأخيرة لاجتماعات الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية والمعارضة، إمكانية الخروج من عنق الزجاجة، على الرغم من حالة الانقسامات الحادة التي نخرت جسد الائتلاف الوطني، المثقل بالمشكلات، والفاقد لقاعدته الشعبية، والمصداقية في العمل التي كانت مرجوّة منه.

حيث تم انتخاب قيادة جديدة من شأنها تحقيق انطلاقة مهمة يستعيد فيها الائتلاف مكانته كممثل للمعارضة، ويلعب دورا رئيسيا في التحركات الجارية في سياق البحث عن حل سياسي، لما يحدث في سوريا. غير أن التحديات الصعبة قد تعصف بالائتلاف إلى غير رجعة هذه المرة، إن لم تعمل مكوناته السياسية – مجتمعة – على تقديم مصلحة الثورة على أي اعتبار آخر.

الوضع الذي وصلت إليه مؤسسات المعارضة كان هو الدافع الرئيس، لجعل انعقاد الدورة الثامنة عشرة للائتلاف، انعطافة باتجاه تخفيف الاحتقان الذي يترافق مع كل دورة انتخابية لمكتب الرئاسة، حيث يلعب المال السياسي، وتزكية الدول الإقليمية لأشخاص معينين يدينون بالولاء لها، بشكل أو بآخر، دوراً كبيراً في تولي الرئاسة التي تعاقب عليها ثلاثة رؤساء هم معاذ الخطيب وأحمد الجربا وهادي البحرة، بدعم كل من قطر والسعودية، وأخيرا تركيا.

وصول خالد خوجة إلى رئاسة الائتلاف بعد انسحابه المرة الماضية من انتخابات موقع الأمين العام، فتح الطريق أمامه برعاية تركية، نحو “قيادة المعارضة والثورة السورية” كما قال خوجة في مؤتمره الصحفي، ولهذا دلالة هامة، تتصل برؤيته لإحياء الائتلاف من مواته، والثورة السورية من مخالب الخنّاق.

المسألة الأكثر أهمية تكمن في أن حركة الإخوان المسلمين، التي تعتبر أكثر قوى المعارضة تنظيماً وأشدها تأثيراً في مؤسسات المعارضة السورية، والأكثر تموّلاً، كانت طرفاً رئيسياً شريكاً في تعيين قادة المجلس الوطني والائتلاف، صانعة للقرار بشكل غير مباشر عبر واجهات تنفذ سياساتها، اختارت اليوم، أن تدفع بمرشحها إلى الواجهة، بعد أن استعادت تدريجياً قدرتها ومواقعها التي اضطرت للتخلي عنها، أمام موجة الانتقاد الحادة لأساليب سيطرتها على المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف الذي عمدت القوى الإقليمية لابتكار التوسعة بما يحقق إشراكا أوسع للقوى السورية، وإضعافا لدور الإخوان ومكانتهم.

راهنت حركة الإخوان على انقسامات تيارات اليسار والديمقراطية، وأطبقت على الهيئة السياسية والحكومة المؤقتة، وأخيراً صعّدت مرشحها خالد خوجة رئيسا للائتلاف، وبذلك أضحت الحركة قابضة على المفاصل الرئيسة لمؤسسات المعارضة السورية. وسوف ينعكس ذلك، مباشرة، على أداء الائتلاف خاصة في الملفات المتصلة بالتحالف الدولي ودعوات موسكو والقاهرة.

ما لاشك فيه أن خوجة يمتلك خبرة واسعة في التنظيم والإدارة إلى جانب اشتغاله السياسي، ما يساعده على العمل في حقول ألغام زرعتها كل الأطراف السورية، والإقليمية والدولية كلاً على حدة، في دروب الآخرين، وأشدّها تعقيداً تلك التي انساقت وراء تعميق خلافات مكونات الائتلاف والقوى المسلحة على الأرض، بدل أن تدعم الحوار وتدفع بالعمل المشترك فيما بينها.

يُنظر إلى خالد خوجة، على أنه أحد صانعي السياسة التركية حيال الوضع في سوريا، ليس فقط من حيث كونه ممثلا للائتلاف في تركيا، ولكنه أيضا بوصفه مواطنا تركيا، ومن الطبيعي أن يحظى بدعم الدولة المضيفة، كما أنه منتم لحركة الإخوان المسلمين، ويعمل بهدوء وصمت، ولم يعرف عنه الانخراط في خلافات مباشرة داخل الائتلاف والمجلس الوطني، محافظاً على صورته وحركته كشخصية وطنية مستقلة، على خلاف كثيرين ممن انضموا للائتلاف كشخصيات وطنية، ما لبث أن خلعوا أقنعتهم في المعارك العديدة التي خاضتها مكونات الائتلاف ضد بعضها البعض.

التوافق عبر التصويت على خوجة سيفتح الطريق – وإن كان شكلياً – حول المسائل الأهم كالحوار الوطني، والتسوية السياسية، وغير ذلك من أطروحات ميخائيل بوغدانوف وستيفان دي ميستورا.

يضاف إلى ذلك أن تعديل مدة الرئاسة سوف يمنح خوجة فرصة مريحة للعمل على إعادة بناء الائتلاف، التي تستوجب إنجاز تسويات المصالحة – إذا جاز التعبير- بين أعضاء الائتلاف وتكتلاته. وهي المهمة العاجلة اليوم، التي يتوجب مواصلة العمل فيها على قاعدة إصلاح المنظومة السياسية والقانونية والإدارية، بما يدعم تقوية عمل الائتلاف ومؤسساته، ويمكنّها من القيام بواجباتها على الوجه الأكمل. لكن وقتاً طويلاً وإشكاليات كثيرة ستمر بها عملية الانتقال تلك، ولن تكون بمنأى عن تداول الامتيازات والتراضي الانتهازية التي طبعت المرحلة الماضية. وهذا هو التحدي الأول الذي يجب أن تواجهه قيادة خوجة.

وفي الواقع، هناك مسؤولياتان أخريان وضعهما خالد خوجة في سلم الأولويات هما إعادة الاعتبار للائتلاف على الصعيد الوطني – الثوري، وجعل زمام المبادرة بيد الائتلاف الوطني، وهاتان عقبتان وتحديان كبيران جداً. فما وصل إليه الائتلاف في عيون الثورة السورية، بعد عامين من التناحر والفشل والفساد والفوضى، لا يُمَكّن خوجة وفريقه من استعادة ثقة الجمهور دون طيّ هذه الملفات عبر المعالجة الجادة لانعكاساتها وتأثيراتها. وفيما يتصل بزمام المبادرة فإن القرار الوطني لم يعد سورياً منذ سنوات، وقد تمادت مؤسسات المعارضة في ولاءاتها للقوى الداعمة إلى درجة أضرت بالعمل الوطني، ولم يعد ثمة قرار أو سياسات نابعة من مصلحة الثورة السورية، وهاتان المسألتان في الواقع أديتا كل منهما إلى تراجع مكانة الثورة وحراكها، وتراجع المساندة الدولية لها.

إن “قصور” الدول الداعمة للثورة، ناجم عن عاملين رئيسين؛ أولهما يتعلق بمصداقية مواقفها من الثورة السورية، ومن نظام بشار الأسد ومصالحها مع القوى الداعمة له. أما العامل الثاني فإنه يتصل بقصور الائتلاف الوطني عن أداء مهامه، بل عجزه عن حشد الدعم الحقيقي للثورة في المجتمع الدولي. ودون أن تكون قضايا السوريين انشغاله الحقيقي، وتمتين صلاته بالداخل، فلن يثق به أحد، ومن دون مشاركة واسعة وفعّالة لجميع القوى، لن يحقق أية انطلاقة جديدة.


كاتب سوري

8