سوريا.. الانفتاح الأميركي على الكتائب الإسلامية

السبت 2013/12/07

تبدو دبلوماسية «جنيف2» أمام معضلة اتساع نفوذ الكتائب الإسلامية المقاتلة في سوريا والرافضة للحل السياسي. ومع تقاسم الأدوار بين روسيا وأميركا، والذي تعنى بموجبه الأولى بدفع النظام نحو الحل السياسي، فيما تعمل الثانية مع المعارضة، يبدو الضغط منصبا على أميركا من أجل بلورة معارضة سياسية- عسكرية تستحق الجلوس في «جنيف2».

المهمة الشائكة كانت مطروحة على أميركا منذ اتفاق «جنيف1» قبل عام ونصف العام، عندما كان المشهد السوري أقل تعقيدا وتشظيا. وعندما كانت الكتائب «المعتدلة»، كما تكنّى غربيا، ذات سلطة واسعة وثقل حقيقي في المكون العسكري للجيش الحر. وقضت الخطة الأميركية بإعادة تأهيل المعارضة السورية، ومن ثم توحيد الكتائب المقاتلة في جيش واحد تحت قيادة هيئة الأركان كجناح عسكري للمعارضة السورية يقوده اللواء سليم إدريس.

ونزولاً عند هذه الخطة، أنجزت المعارضة السورية ما أسمته بـ«توسعة» الائتلاف الوطني بدخول كتلة «الديمقراطيين» برئاسة ميشيل كيلو. ولا يفسر اتفاق المعارضة، بعد أسبوع من الاجتماعات الماراثونية، بارتفاع روح المسؤولية على نحو مفاجئ، وإنما بالسعي المحموم لعقد مؤتمر «جنيف2».

فالمؤتمر المدعوم بقوة الاتفاق الروسي الأميركي، رتّب على الائتلاف الوطني لقوى المعارضة مسألة إعادة الهيكلة، كإجراء مطلوب دولياً وبصورة عاجلة للاستجابة لمجريات العملية السياسية المرتقبة. هكذا حدثت «توسعة» الائتلاف في مشهد بائس، يوضح أكثر من أي وقت مضى، أن المعارضة السورية بكل أطيافها باتت انعكاساً لمصالح دولية وإقليمية مختلفة، أكثر منها انعكاسا للصراع الدائر في سوريا.

وفور «ترميم» الشق السياسي من المعارضة، بدأ العمل على الشق العسكري ممثلا بالجيش الحر. وسرّبت عدة صحف دولية حينها أن الولايات المتحدة تقوم بتدريب مقاتلين سوريين «معتدلين» في الأردن، من أجل تعزيز قوات الجيش الحر التي تقاتل النظام السوري، وتقويض نفوذ الإسلاميين في صفوف المعارضة المسلحة. كما رفعت أميركا وأوروبا من المساعدات «غير القاتلة» المقدمة للمعارضة وإلى الكتائب المسلحة، لكنها بقيت محدودة وغير فاعلة في تعزيز مصداقية هيئة الأركان، بما يغير من موازين القوى على الأرض لصالحها.

مرّ نحو عام على محاولة أميركا بلورة قوة عسكرية «مرنة» مستعدة لدخول العملية السياسية الحتمية القادمة، وقادرة على وضع نتائجها موضع التنفيذ في ظل غابة من البنادق. لكن النتائج أقل من أن تذكر، وربما لا تتعدى زيادة الظهور الإعلامي للواء سليم إدريس، وانضواء عدد قليل من الكتائب العسكرية المؤثرة في هيئة الأركان، من دون انتماء حقيقي، ومع استعداد دائم لمغادرتها، والعودة إلى أحضان الفوضى العسكرية والدعم المالي المتعدد الجهات.

لقد كان المشهد السوري يتغير بسرعة مذهلة، في مقابل حذر أميركي مفرط. وعجزت الإنجازات المتواضعة لهيئة الأركان عن مواجهة رياح التغيير العاتية التي عصفت بالمكون العسكري للثورة. ففي العام الأخير كان المكوّن الإسلامي المتطرف ينمو ويوسع من مناطق نفوذه. ولا يقتصر الأمر على جبهة النصرة وداعش، بل على كتائب إسلامية أخرى مثل أحرار الشام ولواء الإسلام ولواء التوحيد، وأخذت تتجه نحو استقلالية عسكرية وسياسية عن الائتلاف وعن هيئة أركان الجيش الحر. استقلالية وصلت إلى حدود إنشاء «الجبهة الإسلامية» التي تضم أكبر سبع فصائل إسلامية مقاتلة، إذ باتت الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه. وفي تعبير واضح عن نهجها المستقل، انسحبت الجبهة الخميس الماضي من هيئة أركان «الجيش الحر»، ويبدو أنها بصدد تشكيل قيادة سياسية خاصة بها.

وإذ تعلم الولايات المتحدة أن الجبهة الإسلامية باتت اللاعب الجديد وربما الأقوى في صفوف المعارضة المسلحة، تعلم أيضا أن نجاح «مؤتمر جنيف» سيبقى متعذراً دون مشاركة الجبهة في المؤتمر، أو موافقتها الضمنية عليه وإن كانت غير معلنة. هكذا، يمكن فهم تصريحات مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان الأميركية، عن سعي حثيث من قبل الولايات المتحدة لفهم «أعمق» للجماعات الإسلامية المعارضة لمعرفة نياتها في الحرب الدائرة والوقوف على التباينات فيما بينها.

ديمبسي لم يعلن عن وجود لقاءات مباشرة مع تلك الجماعات، لكن من المرجح أن تكون تلك اللقاءات حتمية للإجابة على التساؤل المضمر في تصريحات ديمبسي: «أعتقد أن الأمر يستحق معرفة إن كانت هذه الجماعات لديها أي نية على الإطلاق للاعتدال وقبول المشاركة مع الآخرين، أم أنها من البداية تعتزم أن تكون راديكالية».

ويبدو الهدف الأول بالنسبة لأميركا من حوار مباشر مع «الجبهة الإسلامية»، هو جذبها نحو العملية السياسية، بما يكسب تلك العملية مصداقية أكبر، ويرفّع من احتمالات تنفيذ بنودها على الأرض. أما الهدف الثاني المكمل والمشترك لجميع الأطراف الدولية والإقليمية، فيتمثل في عزل تنظيم القاعدة في سوريا، استعداداً لحرب محتملة مع التنظيم المعادي للنظام وللمعارضة على حد سواء. حرب ربما تعقب التوصل لاتفاق في «جنيف2».


كاتب فلسطيني

9