سوريا الجديدة بلا شعارات رنانة

الثلاثاء 2013/10/29

إن كانت الثورة تحمل صورة المستقبل، وهي فعلاً تبشر به، على الأقل من خلال شعاراتها التي ترسم صورة لسوريا مختلفة، فإن النظام يمثّل صورة غبية للماضي، ولا يمكن في الحاضر وصف حالته إلا على أنها حالة مغلقة، وثمة استحالة لوضع قراءة سليمة عنه في ظل استمراره في مفاجأة العالم بأسره بمزيد من القبح، ولا يمكن هنا الحديث عن حادثة بعينها، ولا عن موقف سياسي واحد، بل إن النظام الذي تاجر طيلة أربعين سنة بقضايا كبرى، وأحلام طوباوية بدا أكثر قابلية على التخلص منها، حتى أسرع من أولئك الذين لم تكن تلك القضايا تعنيهم، فأسلم أسلحته «الاستراتيجية» معتبراً ذلك نصراً سياسياً حاسماً، وتخلى تباعاً وتدريجياً عن «معركته» مع «العدو الصهيوني»، وأرسل سراً وعلانية رسائل غزل وطمأنة لعدو الأمس، وقصف وبلا هوادة مخيمات الفلسطينيين أولئك الذين كانوا حتى وقت قريب يمثلون ورقة رابحة في يده، يتاجر بها في المواقف الحرجة، لكن الأمر اختلف الآن، فلم تعد تربطه بأي من فصائل العمل الثوري الفلسطيني روابط، ولم يعد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يسمى بطلا بل صار يصنف، وبسهولة، ضمن معسكر المتآمرين، واحتفظ النظام ببعض الفصائل التي تسير أصلاً وفق توجيهاته بحكم ولائها له وعلاقاتها التجارية معه، وقد عمل بعضها، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، جنباً إلى جنب مع قواته المسلحة في قمع الثورة.

وبالمقابل لم يحمل أي من المنشقين عن النظام في رحلة انشقاقه أيا من تلك الأولويات الكبرى، اللهم إلا قضية الجولان، وهذه أيضا لم يكن الأمر حاسما في شأنها، ربما لخشية أن يكون موضوعها مثار استعداء من قبل الداعمين، فبدت الردود «الصحفية» لكبار مغادري عربة النظام غير مرتبة في هذا الشأن، ويعتريها الإرباك، ما بين تأكيد هوية الجولان وسوريتها، وهذا أمر مفروغ منه، وما بين الطريقة التي يمكن من خلالها استعادة تلك الأرض المحتلة.

لكن ثمة إجماعا لدى الطرفين على أن «الحرب» باتت احتمالاً غير وارد على الإطلاق، أقله تصريحاً، وإن كان النظام وفي حالات صخبه الحماسي التي تعتري محلليه السياسيين يرغي ويزبد، ويتلو تلك الشعارات نفسها دون كلل أو ملل، ربما ليعلن لمواليه أنه هو نفسه ذلك النظام المقاوم الممانع الذي وما إن ينهي حربه الكونية الكبرى حتى يلتفت إلى حروبه الصغرى، وستكون حرب استعادة الجولان واحدة منها.

إذن، تضيع الأرض المحتلة في الزحام، إعلامياً ما زالت اللغة نفسها حاضرة، لدى النظام، لكنه واقعياً مستعد للتوقيع على أي اتفاقية مقترحة تلزمه عدم المطالبة بالجولان أو بسواه بضمان رفع الضغط الدولي عنه، ولعل حادثة حافظ الأسد عام 1998 ما زالت ماثلة في الأذهان، فقد أذعن الأسد الأب لتهديدات الجارة الشمالية تركيا وسارع لتوقيع اتفاقية أضنة، وقد لاحظ السوريون بعد ذلك في كتبهم المدرسية خريطة مختلفة لسوريا، تستثني لواء أسكندرون «السليب» بعد ذلك تحولت تركيا إلى جار وصديق، وسينفتح عليها الأسد الابن معتبراً إياها بوابته الواسعة للانتشار عالمياً، والنموذج الذي يحتذى في التطوير الاقتصادي والسياسي، وقد تطاير كل هذا طبعاً بمجرد إعلان الأتراك انحيازهم للانتفاضة الشعبية ضد نظام الأسد، فعادت اسكندرون وسواها إلى الواجهة، ولوح بعض عناصر النظام بالقبضة مهدداً، وما على تركيا سوى الانتظار كي ترى «جيوش بشار» على أبوابها.

ولعل ارتباك بعض الوجوه البارزة في المعارضة أثناء الحديث عن تلك «الشعارات الكبرى» التي كبر نصف السوريين معها، له ما يبرره تماماً، فالحقيقة أن نبض الشارع نفسه قد تغير كثيراً فلم تعد «شعارات» البعث القومية تعنيهم، وباتوا أقرب إلى تصديق فكرة الدولة الوطنية التي تكتفي بحدودها وبساكنيها، دون أن تكون «قلب العروبة النابض» ولا «قلعة المقاومة والممانعة» وهذه الصفة على الأخص باتت تثير الاستهجان، إذ تبين أن حلف المقاومة والممانعة الخشبي هو عبارة عن حلف «طائفي» لا عمل له سوى طاعة الولي الفقيه، وتنفيذ أجندة «قذرة» ترسم حدوداً لذلك التحالف على المنطقة الممتدة من الخليج العربي، الذي يسمى خليجاً فارسياً، مروراً بلبنان الذي يقبع نصفه تحت احتلال حزب الله، وصولاً إلى سوريا التي تمثل رأس الحربة حالياً في ذلك المشروع، ويبدو أن إيران بدأت تجني ثمار دعمها الأسد وقتلها السوريين، غمزات ورسائل إعجاب بينها وبين واشنطن، وهو ما ينفي جملة وتفصيلاً أي أكذوبة عن مقاومة أو تصدٍّ وصمود.

ولعل السوريين، الثائرين ضد حكم الأسد، اكتشفوا باكراً زيف هذه الشعارات البالية «السخيفة» وقرروا الثورة عليها، فأسقطوها واحداً تلو الآخر وتحولت إلى مثار للسخرية، ويمكن لمتابع نبض الشارع السوري خلال فترة سنتين على الأقل من عمر الانتفاضة الشعبية أن يلمس ذلك التخلي عن شعارات ومفاهيم كانت حتى وقت قريب تعتبر تابوهات ويمثل المساس بها كفراً وخيانة سياسية.

والحقيقة أن نموذج الدولة الوطنية بلا شعارات، وهو الذي لم يكن مطروحاً على الإطلاق في أدبيات السوريين على اختلاف مشاربهم، بدأ بالصعود إلى السطح، ويبدو واضحاً أن سوريا المقبلة على تغيير جذري «مرتقب» ستأخذ طابعاً مختلفاً كلياً عن كل ما كان سائداً طيلة عقود، وما على السوريين سوى البحث عن مفردات ذلك المستقبل.


كاتب سوري

8