سوريا: الحرب داخل الحرب

الأربعاء 2013/09/04

استبشار بعض الشخصيات العامة المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين من دعاة التدخل في سوريا وتخصيص خطابها لما يسمى بالمجاهدين، وتجهيزهم لمرحلة ما بعد الضربة العسكرية لم يستمر طويلاً.

فما إن تسربت بعض الشائعات عن احتمال ضرب مواقع القاعدة حتى رأينا هجوماً كاسحاً وتشكيكاً في أهداف التدخل العسكري الذي طالما طالبوا به.

ولا يصح استبعاد حسن نية الكثيرين منهم وغيرتهم على الأمة، كما لا يصح وصف التدخل في سوريا بأنه لأجل الإنسان السوري فضحايا النظام طيلة عامين ينفي إنسانية التدخل.

نحن هنا نقرر حقائق نحاول من خلالها كشف الأسباب الحقيقية خلف هذه التحولات التي لا مبرر لها إلا الانتهازية السياسية للقيادات العليا التي تتبع خطاباً سياسياً معيناً، وهو ما يعني التعامل مع الحالة بتجرد كامل.

فمع تباين أهداف اللاعبين في الحلبة السورية ظاهرياً فإنها تتجه في النهاية نحو مخزون الغاز الطبيعي المكتشف في السواحل السورية والتي تجعل من سوريا القوة الاقتصادية القادمة، إضافة إلى سعيهم للفوز بالسوق الأوروبية من خلال خمسة مشاريع استراتيجية روسية- أميركية- إيرانية- قطرية تجعل من سوريا نقطة ترانزيت عالمية بدلاً من تركيا مما سيؤدي إلى تغيير جذري في المعادلة الجيوسياسية في المنطقة.

إذا كانت أسباب الموقف التركي واضحة وجلية بوصفها دولة حدودية تشعر بالقلق المتزايد على أمنها، إضافة إلى الرعب الذي تعيشه نتيجة احتمال فقدانها لمركزها الاقتصادي الحيوي.

فماذا عن قطر والسعودية؟ وما علاقة ذلك بتغيير مواقف تلك الشخصيات المؤثرة على الجماهير العربية سواء كان عن حسن نية أو استجابة لتوجه سياسي معين.

المثير للدهشة أن قطر لا يهمها أكثر من ضمان تدفق الغاز عبر مضيق هرمز وعدم تعرض حقولها التي تصل حتى الحدود الإيرانية إلى ما يعيق تدفقها، إلا أن القلق من حدوث ما تخشاه أدى إلى أن تلعب دوراً أكبر من حجمها مع تأمينها خارجياً من خلال معاهدات الدفاع التي وقعتها مع الولايات المتحدة في العام 1991 وتموقع أضخم القواعد الأميركية التي تشغل ثلث مساحة قطر، وتأمينها داخلياً من خلال حلف استراتيجي مع جماعة الإخوان المسلمين يتم فيه دعم انتشارهم العالمي مقابل عدم التعرض للشأن الداخلي بما يؤثر على استمرارية النظام.

فوجود أنظمة حاكمة للإخوان في دول كمصر والأردن وسوريا، مع وجود حزب قائم يحكم في تركيا سيغير كثيراً من موازين القوى لصالح قطر.

وهو ما يؤكد أن المخطط القطري يهدف إلى صناعة اقتصاد مهيمن على العالم وتشكيل جيوسياسي جديد في العالم العربي.

وبالانتقال للداخل السوري في شقه العسكري وتتبع مسار خطوط القتال مع مسار خطوط الغاز يوضح الارتباط بين النشاط المسلح ومحاولة الفريقين السيطرة على الأراضي التي تمر بها حتى نقطة التقاء الخطين الإيراني والقطري في القصير؛ مفتاح حمص ونقطة التقاطع المركزية.

وهذا هو السبب الحقيقي والفعلي للدخول العلني لحزب الله الحرب لدعم إيران في سوريا، ولم تكن مليشيات تنظيم القاعدة إلا الحجة التي قدمتها قطر للحزب للتدخل كما كانت الحجة التي بواسطتها امتنع الغرب عن تسليح الثوار.

(هنا مفارقة مؤسفة تجدر الإشارة إليها، ففي الوقت الذي يتدفق فيه الآلاف من مقاتلي حزب الله من لبنان لدعم إيران يقوم تنظيم القاعدة بتهديد السعودية وتوعدها من داخل الأرض السورية)

كانت الرؤى السياسية الحكيمة تقتضي عدم إشراك مقاتلين من الخارج السوري والاكتفاء بتسليح الجيش الحر الذي يضم كافة طوائف وشرائح المجتمع السوري، والذي أعلن مراراً وتكراراً عدم حاجته للرجال بل أساسا للسلاح، إلا أن زارع الفوضى كان لابد له من الوفاء بتعهداته لجماعة الإخوان والتزاماته للتنظيمات الحركية المولودة من رحم الإخوان.

لذلك كانت الأسلحة القطرية تذهب لتلك التنظيمات الخارجية في سوريا وتستخدمها لفرض سيطرتها على المناطق التي تتمكن منها، أو التي يحررها الجيش الحر وتكوين إمارات صغيرة، حيث نجحت في ترسيخ النفوذ القطري والقاعدي في الشمال السوري حيث تواجدها الكثيف الذي يوفر بعض الاطمئنان للجارة الشمالية. ورغم استبعادنا لأي بعد ديني أو طائفي في الأحداث السورية، إلا أن تدخل حزب الله لصالح إيران منذ بداية الأحداث حتى وصل ذروته في القصير، وزجه بالآلاف من مقاتليه فيها، منح الحرب الأهلية الصبغة الدينية والطائفية وسمح للأبواق التي تنفخ فيها بالتغرير بالشباب المتحمس لدينه ولأمته والدفع به إلى سوريا، كما سمح لها أن تؤكد صحة مزاعمها عن طبيعة الحرب.

وفي الشق السياسي لعبت قطر دوراً كبيراً في دعم وتأييد حليفها الاستراتيجي للسيطرة على الائتلاف الوطني، وأصبح حلفها وسيلة لعرقلة أي تسوية لمنح الميليشيات الجهادية فرصة بسط نفوذها لمرحلة ما بعد بشار الأسد، لتكون أداة في يد الخارج السوري، بعكس الجيش الحر الذي لن يكون إلا أداة في يد الشعب السوري لا غير.

السعودية من ناحيتها لا مصلحة مباشرة لها فيما يجري على الأرض السورية إلا أنها ولأسباب جيو- استراتيجية لا تريد سيطرة إيرانية على سوريا، وهذا لا يهم قطر بقدر ما يهمها وجود مخالب تحمي خط الغاز القطري خصوصاً مع عدم وجود خطة مستقبلية لضمان الاستقرار في مرحلة ما بعد بشار الأسد.

عدم تسليح الجيش الحر بواسطة قطر، ومنع تسليحه من قبل الغرب، أدى إلى إضعاف الجيش الحر كثيراً، حتى وصل الأمر إلى إعلان المخلب القطري جبهة النصرة ولاءها للقاعدة وبدأت حربها ضد كل شيء وأي شيء، إلا أن تكون في الجبهة الأمامية للمعركة ضد النظام.

لكن خسارة الجيش الحر لمعركة وادي ضيف ومقتل 68 شخصا، ورفض بعض تنظيمات ما يسمى بالمجاهدين دعم الجيش الحر وتركه يخوض المعركة منفرداً طيلة شهور عديدة، سمحت لقوات النظام بفك الحصار عن معسكر وادي ضيف وإعادة السيطرة على خزانات الوقود الضخمة التي تعتبر واحدة من أهم شرايين قوات النظام. هذه الخسارة الثقيلة كانت السبب الرئيس لتتولى المملكة العربية السعودية الملف السوري من قطر، وهو ما أدى إلى تخفيف قلق الغرب من دعم الثوار وأصبح أكثر قبولاً لتسليحهم بعد أن أصبح وصول الأسلحة إليها تحت سيطرة السعودية. هذا بدوره أدى إلى تفوق ملحوظ للجيش الحر وعمليات نوعية حققت له الكثير من المكاسب على الأرض قبل تعرض الغوطة التي تعتبر المدخل للعاصمة للهجوم الكيماوي.

في الجانب السياسي تدعم السعودية تمثيل الشعب السوري في التحالف الوطني، وهو ما سيساهم في قبول العالم له ليمثل الحكومة الانتقالية لذلك كان لابد من توسيع قاعدة التمثيل بأكبر عدد ممكن من ممثلي المجتمع السوري، وكان لانتخاب أحمد الجربا أهمية كبيرة في العمل على تحقيق نصر ديبلوماسي في الداخل والخارج السوري يوازي انتصارات الجيش الحر على الأرض.

نحن الآن في مفترق طرق؛ فالتدخل الغربي بشكل عام غير مقبول من أي جهة رغم فقدان النظام السوري لشرعيته تماماً.

ولكن حينما تكون مساحة الخيارات المتاحة تتراوح بين إبادة الشعب السوري بالكيمياوي، أو التدخل العسكري المحدود، فليس لأحد الحق بالمطالبة بعدم التدخل دون توفير البديل المناسب لمجرد خشيته من ضرب تنظيم القاعدة الذي يشكل تهديداً حقيقياً للجيش السوري الحر وللشعب السوري ولمرحلة ما بعد بشار الأسد.

فقط لأن ذلك لا يرضي المحرك الرئيس لهذه التنظيمات القابع بين المكتب الإسرائيلي ومكتب الطالبان والذي يشكل خطابه في الداخل والخارج السوري حرباً داخل الحرب، ويمثل جريمة في حق الأجيال القادمة التي ستتعامل مع الأزمات الخطيرة التي يتركها هذا الخطاب للعالم العربي.

كاتب سعودي

9