سوريا المستقبلية في عيون الأسد دويلات مقسمة للعلويين والأكراد والسنة

الاثنين 2014/02/17
النظام السوري حاول إظهار نفسه حاميا للأقليات بعد ترويجه للطائفية

دمشق- ترى المعارضة السورية أن الأسد يخطط لإعلان دويلته على طول الساحل السوري، كمحاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من هيكلة نظامه، فيما لو أوشك على الانهيار، خاصة مع تزايد عزلته الدولية، وتحميله مسؤولية فشل مفاوضات جنيف 2.

يتردد عن العديد من المصادر السياسية حديث عن احتمال تقسيم سوريا فيما لو وجد النظام السوري نفسه على حافة الانهيار والسقوط، وتستند هذه الفرضيات إلى الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية التي تعيشها سوريا منذ عقود، حيث ساهم انسداد أفق الحل السياسي، مع فشل الجولة الثانية من مفاوضات جنيف 2، واتساع المواجهات المسلحة وارتفاع مستوى دمويتها وازدياد التحشيد القومي والديني والطائفي في ترجيح قيام النظام بتقسيم سوريا إلى دويلات، واحدة بطابع قومي للأكراد في شمال سوريا، وأخرى بطابع طائفي غرب سوريا للعلويين، وثالثة للغالبية السنية.

ومع أن المراقبين يعتقدون أن النظام أضعف من أن يستطيع تنفيذ مخطط خطير كهذا، فإن المعارضة تقول إن النظام السوري أصبح يخشى الهزيمة والانتقام الطائفي، ولذلك بدأ التمهيد لدويلة خاصة به في معقله التقليدي على طول الجبال الساحلية السورية، تضم حمص وغرب حماة وغرب إدلب وحتى شمال غرب سوريا، وهو شريط يقتطع الجزء الغربي من سوريا، وتذهب بعض قوى المعارضة السورية الأكثر تشددا إلى اتهام النظام بأنه يمارس تطهيرا عرقيا منذ نحو عامين للقرى (السنّية) التي تدخل ضمن المخطط التقسيمي لإفراغها من سكانها.


تجييش ومجازر

بثينة شعبان: ما يحصل في سوريا هو محاولة لإثارة الفتنة الطائفية


حاول النظام السوري منذ انطلاق الثورة تجييش العلويين طائفيا، ووجدت دعوته أرضا خصبة، خاصة وأن المجتمع الدولي أعرب عن نيّته عدم التدخل عسكريا في سوريا كما أنه لن يُسلّح الثوار، وبدأ النظام في تدمير مناطق متاخمة للحدود (النظرية المفترضة) لدويلته وفق سياسة الأرض المحروقة، وبدأ العلويون يرحلون إلى مناطقهم ومدنهم الآمنة غرب سوريا.

وقد بحث النظام وأنصاره وحلفاؤه عن سيناريو احتياطي بديل وهو الدويلة العلوية في إطار شكل جديد للدولة في سوريا يقسم البلاد إلى كانتونات طائفية وعرقية، ويفصل ويضعف المركز السنّي ومناطقه اقتصاديا وسياسيا تحت مسميات عديدة (فيدرالية، كونفدرالية، حكم ذاتي، لامركزية سياسية إدارية… إلخ)، وبدأت المجازر تزداد وبدأ النظام يرسم حدود هذه الدويلة وواصل توريط العلويين في الدم لقطع الطريق أمام أي ممانع لفكرة الدويلة المستقلة.

كثيرا ما وثّقت المعارضة السورية والمراصد الحقوقية والناشطون السوريون خلال السنتين الأخيرتين ارتكاب قوات النظام وميليشياته مجازر عديدة راح ضحيتها آلاف القتلى، وأغلب هذه الانتهاكات تقع ضمن أو على تخوم الحدود المفترضة للدويلة العلوية، منها مجازر (التريمسة) و(الحفّة) و(القبير) و(الحولة) و(اللطامنة)، وكلها مدن وبلدات (سنّية) تقع بين قرى (علوية)، وتقع على خط شريط طول واحد يفصل غرب سوريا عن وسطها وشرقها.

وقبل هذه المجازر كانت هناك مجازر (كرم الزيتون) و(بابا عمرو) و(الخالدية)، في حمص التي يقطنها (السنّة) وتجاور أحياء (علوية) موالية للنظام تقول المعارضة إنها (الخزّان) الذي يزوّد النظام السوري بالميليشيات غير النظامية المسلحة (الشبيحة).

في كل هذه المجازر، وُجهت أصابع الاتهام إلى النظام وقواته الأمنية وميليشياته (الشبيحة)، حيث أكّدت التقارير على وجود حقد في تنفيذها لأن عددا غير قليل من الضحايا قُتل ذبحا بالسكاكين، والنظام بدوره اتهم “العصابات الإرهابية المسلحة” بارتكاب هذه المجازر لاتهام النظام.

وأدّت المجازر التي ارتُكبت خلال الأشهر الأخيرة إلى احتقان طائفي ومذهبي غير مسبوق في سوريا، مازال مستمرا حتى اليوم، على الرغم من مضي نحو سنتين على أول مذبحة.

وأشارت المواقع الجغرافية لهذه المجازر وطبيعة تنفيذها إلى احتمال أن تكون هناك دوافع أخرى غير “ملاحقة المسلحين المتمردين”، فمعظم البلدات والأحياء التي حدثت فيها مجازر هي مناطق (سنّية) مجاورة لمناطق (علوية) مؤيدة للنظام، وفي كل الحالات تم القتل قصفا بالمدفعية والدبابات ثم تتقدم ميليشيات غير نظامية لتقضي بالسلاح الأبيض على من تبقّى من السكان.


إجراءات مريبة


مع استمرار الحل الحربي الذي ينتهجه النظام السوري، وتكبّده خسائر بشرية كبيرة في صفوف مؤيديه وميليشياته، وفقدانه السيطرة على أجزاء غير قليلة من سوريا، عاد الحديث عن نية النظام الذي يقوده رئيس وضباط ومسؤولون غالبيتهم من نفس الطائفة، تأسيس دولة طائفية فيما لو أوشك على الانهيار، وذكّرت المعارضة بقول الرئيس بشار الأسد في وقت مبكر من الثورة إن “سوريا تتعرض لمخطط لتقسيمها”، وأكّدت المعارضة السياسية والعسكرية السورية أن النظام قام بنقل كميات هائلة من الأسلحة إلى الساحل السوري تحسبا لإعلان دويلته.

بالإضافة إلى تفريغ المناطق السنّية من سكانها ونقل مخازن أسلحة، فإن المعارضة السورية تؤكد على أن النظام قام بإجراءات تمهيدية أخرى تشير إلى نيّته الإعلان عن دويلة علوية من أهمها: تهجير قسري لأصحاب البيوت وعلونة مدينة حمص وإعطاء البيوت لأشخاص من قرى علوية وتوزيع هويات شخصية عليهم تشير إلى أنهم من سكان المدينة في محاولة لإحداث تغيير ديمغرافي قسري، وكذلك توقيع اتفاقات نفطية مع روسيا في مياه المتوسط في محاولة لإغراء الروس وكسب موافقتهم وضمان موارد لتمويل الدويلة المفترضة، ونقل وتخبئة جزء من الأسلحة الكيميائية في منطقة الساحل، والتخطيط لنقل المناطق الصناعية السورية بدلا من المناطق المدمرة في دمشق وحلب وريفهما إلى اللاذقية، وتركيز مشاريع البناء والإعمار في طرطوس على الرغم من أنها من المحافظات التي لم يتم تدمير أي منزل فيها، وكذلك التخلص من الكثير من المعارضين العلويين الرافضين لمثل هذه المشاريع التقسيمية.


جزيرة في بحر

فايز سارة: داخل سوريا وخارجها فئات واسعة تمانع التقسيم


يؤكد العديد من المراقبين على استحالة قيام مثل هذه الدويلة المفترضة، لأن الواقع السكاني والديموغرافي الطائفي في هذه المناطق معقّد ومتداخل إلى درجة يصعب فصلها، فهناك أكثرية سنّية من الصعب تهجيرها، مع رفض غالبية المسيحيين وبعض العلويين لمبدأ التقسيم.

بالإضافة إلى هذه التأكيدات، هناك من يقول إنه من الصعب جدا الحصول على تأييد دولي لمثل هذه الخطوة، فضلاً عن رفض عموم السوريين لفكرة تقسيم بلدهم، دون إهمال أن هذه الدويلة ستفتقر إلى مقومات الحياة كأية دولة تقوم على أساس مذهبي وديني، ولن تحصل على اعتراف بها.

هذا ما أكده المعارض السوري فايز سارة قائلا “في الداخل السوري ثمة فئات واسعة تمانع التقسيم، ليس بفعل ثقافتها وإرثها السياسي، إنما أيضا بفعل وعيها بالمصالح المشتركة للسوريين، إضافة إلى أن ثورة السوريين في انطلاقتها سعت من خلال شعاراتها إلى إعادة تأكيد وحدة وتضامن السوريين، والتي جرى التحريض ضدها من جانب النظام وقوى وقفت إلى جانبه أو بالقرب منه، وبالتالي يمكن القول إن الميزان الداخلي يميل إلى مقاومة فكرة التقسيم، وهو الأقرب إلى الحفاظ على كيان سوري موحد، ويوفر لسكانه الحرية والكرامة، وتتعايش في إطاره كل المكونات السورية دون تمييز".

وتابع سارة “أما في الخارج الإقليمي والدولي، فثمة قوى وأطراف تمانع بصورة جدية عملية تقسيم سوريا، والأمر هذا يتصل بدول الجوار التي تضم بين سكانها جماعات هي امتداد لما هو قائم في سوريا، حيث يوجد أكراد وسنة وعلويون في تركيا، وأكراد وسنة وشيعة في العراق، وسنة في الأردن، ثم سنة وعلويون ومسيحيون في لبنان، الأمر الذي يعني، أن أحدا لا يستطيع منع تلك الامتدادات من التفاعل مع فكرة التقسيم، خاصة إذا جاء التقسيم بسبب العنف أو نتيجة له، أما ما يتصل بالدول الكبرى فأغلبها يمانع تقسيم سوريا من زاوية الحفاظ على مصالحه المتمثلة في سهولة التعامل مع نظام واحد، فتقسيم سوريا سيؤدي إلى اهتزازات في الدول المحيطة، وغالبا سيؤدي إلى تقسيم بعضها، وهذا سيؤثر على استقرار إنتاج وتسويق النفط والغاز وإمداداته عبر العالم”.


أقلية مهيمنة


الحديث عن نسبة الطائفة العلوية في سوريا أمر يخضع للأخذ والرد نظرا لعدم وجود إحصاءات رسمية، وكحال كل طائفة يسعى العلويون لإبراز أنفسهم بحجم أكبر من الواقع، لكن جميع التقديرات والإحصائيات تقدّر نسبتهم بين 10 و11 بالمئة من سكان سوريا، أي نحو 2.5 مليون، وهم مقسمون إلى طائفتين، ويتركز وجودهم في جبال الساحل السوري، في محافظتي (اللاذقية وطرطوس ويشكلون 50 إلى 70 في المئة من سكانهما، ويتمركزون في الجبال والأرياف بينما المسيحيون والسنّة في المدن.

وبعد استلام حافظ الأسد السلطة بانقلاب عسكري عام 1971، طرأت متغيرات على صعيد الحكم وأجهزة الأمن والجيش، وهيمن العلويون الذين ينحدر منهم الرئيس على أجهزة الأمن والاستخبارات وقيادات الجيش، وتم تهميش كل المناصب الحكومية الكبرى عن موقع اتخاذ القرار، ولم يعد لرئاسة الوزراء أو رئاسة البرلمان أهمية تُذكر، وانتقل النفوذ الفعلي إلى الأجهزة الأمنية، وتم تكريس التنافس الطائفي بالمؤسسة العسكرية والأمنية وتم إبعاد الضباط السنّة من المواقع الحساسة في الجيش والأمن وتم استبدالهم بضباط علويين، وبسطت المؤسسة الأمنية والعسكرية نفوذها على كل أجهزة الدولة مستندة إلى أقلية علوية.

وتقول مصادر سورية معارضة إن أكثر من 70 بالمئة من كبار المسؤولين ومن المدراء العامين هم من الطائفة العلوية، وحتى 90 بالمئة من المنح الدراسية الجامعية من نصيب طلاب هذه الطائفة، ولهم الأولوية في التوظيف، فضلا عن منحهم امتيازات اقتصادية وتسهيلات مالية هائلة لا يحصل عليها الآخرون، واستحوذوا على مناقصات الدولة وعلى المشاريع السياحية الكبرى بالتراضي وبمقابل رمزي، وحاول النظام توريط الطائفة بفساده المالي، ووزع على جزء كبير منهم البيوت والسيارات والمزارع، وأوحى لهم أن مصيرهم مرتبط بمصيره.


تحريض لتكريس التقسيم

فواز تللو: العدالة هي الضمان الوحيد لدخول العلويين في النسيج السوري


منذ الأسابيع الأولى لانطلاق الثورة السورية أوحى النظام السوري أن ما يحصل هو محاولة لإثارة الفتنة الطائفية، كما صرحت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان، على الرغم من أن التظاهرات لم تكن تطالب سوى بالإصلاح ومكافحة الفساد وإجراء إصلاحات سياسية محلية بسيطة، ولم تناد حتى بإسقاط النظام إلا بعد لجوء هذا النظام إلى الحل العسكري والعنف ضد المتظاهرين والناشطين السلميين، وكان قذف الاتهامات بالأبعاد الطائفية للتحركات الثورية من أهم بنود الخطاب الرسمي السوري منذ بداية الثورة، وحاول النظام أن يُظهر نفسه حاميا للأقليات.

فالمعارضة العلوية أقلية لا تكاد تُلاحظ، وتتعرض للاضطهاد من قبل مجتمعها، فمع بداية الثورة ادعت الغالبية الساحقة من العلويين الخوف من التغيير وطالبوا بضمانات، وكانوا يعنون ضمناً أن تستمر سيطرتهم على الدولة وأجهزتها ولكن مع إصلاحات شكلية لا قيمة لها.

في المقابل فإن بعض البيئات المعارضة السنّية المتشددة تقيم حالة من التماهي بين النظام والطائفة العلوية في سوريا، وكلما طال أمد الصراع متعدد المستويات على الساحة السورية، ازدادت مخاطر طرح التقسيم أو المحاصصة الطائفية في تحديد مصائر الكيان السوري، فمن لبنان تطل المخاوف المسيحية إضافة إلى تورّط حزب الله عسكريا في الصراع السوري، ومن الشمال ترتفع المطالبات الكردية بالنظام الفيدرالي، في حين أن الروس والإيرانيين لا يخفون أن أحد خياراتهم الأخيرة قد يكون تقسيم سوريا وإقامة دولة للعلويين في قسمها الغربي مع احتمال إقامة دولة للدروز في جنوب سوريا.

وفي خصوص الخيارات التي يمكن أن تجنب سوريا خطر التقسيم، يقول المعارض السوري المستقل فواز تللو “ليس أمام الشعب السوري والثوار لتحقيق كل ذلك إلا خيار إسقاط واستئصال النظام عسكريا مرة واحدة وإلى الأبد، فالنظام وأنصاره لم يتركوا أمامهم إلا هذا الخيار، وهو أمر يتحقق فقط بدخول كل المناطق العلوية ونزع السلاح الذي دجج النظام به هذه المناطق تمهيدا للعدالة التي ستطال كل من ارتكب جرائم في حق الشعب السوري بغض النظر عن طائفته، فالعدالة وفق القانون وعن طريق المحاكم هي الضمانات والتطمينات الوحيدة والممر الإلزامي الوحيد لدخول العلويين من جديد في النسيج السوري الذي دمرته أغلبيتهم الساحقة بعد أن جرته حفنة من اللصوص القتلة خلفها في مغامرتها الطائفية”.

ترى غالبية قوى المعارضة السورية أن أفضل ضمان للطائفة العلوية وللأقليات بشكل عام لمنع تقسيم سوريا هو تأييد هذه الأقليات لإسقاط النظام بشكل كامل وواضح مع تأييد قيام دولة مدنية حقيقية خالية تماما من الاستبداد وسيطرة الأجهزة الأمنية ولا تعتمد على التركيبة الطائفية، دولة يحكمها دستور مدني يحفظ حقوق الجميع، وما لم يتم ذلك فإن التقسيم أو الحرب الطائفية هما ما ينتظر سوريا.

6