سوريا... انتخابات برعاية روسية إيرانية

السبت 2014/04/26

في بلدٍ ملتهب حيث النيران تأكل الأخضر واليابس، وقد تحول نحو ثلث سكانه إلى لاجئين في دول عديدة، سيكون أمرا مذهلا بالفعل أن يجري الإعلان عن تنظيم انتخابات رئاسية. لكن في “سوريا الأسد” المدمرة والتي تشهد حربا ضروسا لا تني تزداد شراسة، لا شيء يدعو للذهول، فالانتخابات الرئاسية على الأبواب.

هكذا اختار النظام السوري الذي اعتاد أن يستمد شرعيته من تعنيف وترهيب المجتمع، أن يعزز تلك الشرعية بانتخابات “تعددية” يقابل فيها الأسد مرشحا مغمورا، جرى الدفع به، على الأرجح، من قبل أجهزة الاستخبارات ليخوض انتخابات شكلية، سوف تفضي بكل تأكيد إلى تجديد ولاية الأسد.

هكذا يرى الأسد الانتخابات المقبلة، بمثابة خاتمة سعيدة لطريق الحرب الطويلة التي نجح في اجتيازها في السنوات الثلاث الماضية. فهو يعتقد وفي تصريحاته الأخيرة، أن الصراع قد وصل بالفعل إلى مرحلة “انعطاف”، وليس ذلك إلا بسبب الانتصارات الكبيرة التي يحققها على “الإرهابيين”.

على مدار التاريخ كان استخدام النظم التسلطية للعنف أثناء قمع الاحتجاجات ضدها يتناسب عكسا مع قوة واتساع قاعدتها الاجتماعية. فمع انحسار القاعدة الاجتماعية لأي نظام يضطر إلى توسيعها بالترهيب، كما يحمله خوفه من حالة العزلة الجماهيرية التي يعيشها على استخدام كافة أنواع العنف التي يختزنها في مؤسساته القمعية. وهكذا، يمكننا أن نتساءل عن المستوى الذي وصل إليه النظام السوري بفقدان قاعدته الاجتماعية، وعن مدى اضمحلال شرعيته حتى يستخدم هذا المستوى المرعب من العنف، والذي يتصاعد بصورة يومية.

حقيقة الأمر، أن شرعية النظام قد تهشمت مع اندلاع الاحتجاجات، لتسقط الشرعية عنه مع توسع الثورة التي اكتسبت الشرعية الجديدة في بداية الأمر، لكنها فشلت في تكريسها داخل مؤسسات المعارضة.

فحتى الآن، مازالت المعارضة السورية تستمد شرعيتها من “لا شرعية” النظام من جهة، ومن الثورة الشعبية التي نزعت الشرعية عن السلطة من جهة أخرى. فما من آلية ديمقراطية أتاحت بروز ممثلين شرعيين عن الشعب، بل هنالك ثورة جامحة قدمت ولا تزال أعظم التضحيات في سبيل إسقاط السلطة القائمة، ووضع الآليات المناسبة التي تسمح بولادة شرعية جديدة عبر انتخابات حرة. هكذا تغيب الشرعية عن جميع الأطر، سواء عن النظام أو عن المعارضة، وتعزز وضعية الفوضى الكبيرة التي تغرق بها الثورة من ذلك الغياب المزمن.

أما نظام الأسد فلا يعنيه هذا النوع من الشرعية المستمدة من إرادة الشعب، فهو قام واستمر على جماجم ودماء الشعب وبالضد من إرادته. إن شرعية النظام تلخصت دوما في قدرته على الاستمرار بجميع الوسائل. هكذا، تنسجم الانتخابات الرئاسية مع منطق الأسد في إدارة أزمته والتصدي للثورة، ويتركز ذلك المنطق في الحفاظ على كل الدولة وعدم التفريط بأي جزء منها.

لقد خسر النظام مدينة واحدة فحسب هي مدينة الرقة، وكان ذلك بغفلة منه حيث باغتت قوى المعارضة تلك المدينة. ولم يبذل جهودا كبيرة في محاولة استعادتها، أولا بسبب عدم أهمية موقعها وتواضع مكانتها الاقتصادية والسياسية، وثانيا بسبب سيطرة داعش عليها، أي خروجها عن سيطرة الجيش الحر.

باستثناء الرقة، حافظ النظام على جميع المدن السورية، وانسحب من الريف الواسع. وسواء فعل ذلك بسبب كونه مرغما، أو كتكتيك عسكري قام من خلاله بتجميع قواه في المراكز الرئيسية، لكنه حافظ على وجوده في جميع المدن الرئيسية، وبالتالي على “شرعيته” باعتبارها مرادفا لقوة الأمر الواقع.

ولا يغيب أن تثبيت النظام لشرعيته بالقوة العسكرية قد حصل بمساعدة جوهرية ومؤثرة من قبل روسيا وإيران، وهما تبذلان اليوم جهودا كبيرة مشابهة لتأمين القبول الإقليمي والدولي للنظام بشكل عام، وللأسد بصورة خاصة.

ورغم التصريحات الخجولة التي تصدر أحيانا عن مسؤولين روس وتشير إلى عدم تمسكهم بالأسد، لكنهم يعلمون اليوم على أقل تقدير أن تكوين النظام السوري المتماسك، إنما ينهض على أرضية صلبة، يدخل الأسد في جميع تفاصيلها الداخلية بحيث لا يمكن نزعه منها من دون إحداث أضرار جسيمة في بنيتها.

ففي حال قررت روسيا وإيران التخلي عن الأسد، فإن ذلك ينطوي على مخاطر كبيرة ربما تصل إلى تفكك النظام، وتبديد أكثر من ثلاث سنوات من الاستثمار المكلف.

هكذا فإن “تهور” الأسد في إجراء انتخابات رئاسية في هذا الظرف الاستثنائي لم يأت من فراغ، بل ربما بتنسيق تام مع كل من روسيا وإيران، وذلك رغم اليقين التام بأن بقاء الأسد في واجهة السلطة أو في أي حيّزٍ منها، يمنع نجاح مؤتمر جنيف الذي ترعاه روسيا.


كاتب فلسطيني- سوري

8