سوريا.. انسحاب أميركا التي نعرفها

الانسحاب الأميركي المحتمل من سوريا درس في الاستراتيجية يجب أن نتعلم منه أن الولايات المتحدة لم تعد تريد تحمل المسؤولية التي تصنع منها قوة عظمى، وتبقي عليها كذلك.
الخميس 2018/04/05
معادلة أميركية جديدة

وأنت جالس تشاهد الفيلم الوثائقي “السنة الأخيرة”، الذي يتحدث عن عام الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الأخير في الحكم، لا يمكنك أن تتفادى موجات الأفكار المتلاحقة التي ستضرب وجدانك من اتجاهات مختلفة، لكنها ستصب في النهاية في ملخّص واحد، وهي أننا أمام اختفاء الولايات المتحدة كما عرفناها.

هذه لا تشبه “أميركا”. ربما نحن جيل محظوظ لأننا نجد أنفسنا اليوم في لحظة تحول تاريخية تمر بها القوة العظمى الوحيدة في العالم بأزمة هوية، تماما مثل دولنا الصغيرة.

جذور إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرب سحب القوات الأميركية من سوريا، تأتي من حقبة أوباما. نعم، الجميع يعرف أن الرئيسين يقفان على طرفي نقيض، ولا توجد أي نقطة التقاء من الممكن أن تجمعهما على مستوى شخصي. ليس غريبا أنهما يكرهان بعضهما البعض أصلا.

رغم كل ذلك “أميركا” لا تشبه أيا مما شاهدنا من قبل. أيام إدارة أوباما كان العالم قلقا من انسحاب أميركي من الشرق الأوسط باتجاه جنوب شرق آسيا. عدم الاستقرار المحتمل، الذي كانت خطوة كهذه ستخلفه وراءها، مدمر أكثر مما يحدث اليوم.

اعتقد الجميع آنذاك أن الولايات المتحدة تعيد تموضعها الاستراتيجي في العالم، وربما فكر كثيرون، بسذاجة، أن المنطقة لم تعد تحظى بالأهمية ذاتها لدى الولايات المتحدة.

اليوم نكتشف أن كل ذلك كان خطأ.

الانسحاب الأميركي المحتمل من سوريا درس في الاستراتيجية يجب أن نتعلم منه أن الولايات المتحدة لم تعد تريد تحمل المسؤولية التي تصنع منها قوة عظمى، وتبقي عليها كذلك. ربما يبدو هذا الطرح مبالغا فيه قليلا، بالضبط كما كان التفكير بأن واشنطن تفضل منطقة أخرى عن الشرق الأوسط تبسيطا مخلا.

المشكلة في التحولات التي تعصف بقيم الولايات المتحدة وما تمثله، وليست في ظواهر حدوث ذلك.

الفرق بين أوباما وترامب هو أن الأول كان يدرك هذه التحولات ويتصرف على هذا الأساس، لكن بالتدريج ودون إظهار أي مقاومة. أما الثاني فلا يفهم ماذا يحصل بالضبط، ويسرع، دون أن يدري، بعزل الولايات المتحدة وخنقها.

ترامب نفسه تجسيد لأبعاد المعادلة الأميركية الجديدة. هذه المعادلة تقوم على تناقضات توضح أن واشنطن لم تعد تعرف ماذا تريد بالضبط من هذا العالم!

مشكلة ترامب أنه لم ينتقل بعد من عقلية المرشح إلى مرحلة الرئيس المسؤول عن دولة بحجم الولايات المتحدة. ثمة صراع يعيشه كل يوم بين ما يعتقد أنه وعود انتخابية يجب تحقيقها، وبين ما لا يعرف أنه خطوات ضرورية يجب أن يتركها للمؤسسات، إن كان يريد حقا الحفاظ على مصالح بلاده.

في النهاية المؤسسة هي الحاكم الفعلي، وليس ترامب، خصوصا في القرارات المصيرية المتصلة بقواعد النظام العالمي. هذا يجعل بقاء القوات الأميركية في سوريا حتميا، كما كان متوقعا.

لكن انصياع ترامب للمؤسسات لا ينفي أن التناقضات التي باتت تحكم علاقة واشنطن بدورها في العالم لا تزال تتعاظم.

هجوم ترامب “المرشح” على حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي، ترجم بطريقة معكوسة لاحقا في زيارات وتصريحات متكررة عن دعم واشنطن للحلفاء في الكيانين. شعر المسؤولون الأميركيون بغضب الأوروبيين، فسارعوا إلى التردد على أوروبا لطمأنتها. في الحقيقة هذه الزيارات كانت لشرح عقلية ترامب، ولتأكيد أنه ليس من الحكمة أن يؤخذ على محمل الجد.

خلال خطاباته التي أوصلته إلى البيت الأبيض، أعلن ترامب مرارا عن وضع استراتيجية لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة. هذا ما حدث بالفعل بعدما صار رئيسا. المشكلة أن بنود هذه الاستراتيجية لا تتضمن انسحاب القوات الأميركية من سوريا. كيف تنسحب هذه القوات، وفي نفس الوقت تجبر إيران على عدم البقاء في سوريا بعد الحل النهائي؟ كيف يمكن أن تدخل الولايات المتحدة في عزلة أكبر في الملف السوري، ثم تطالب بعد ذلك بمواجهة النفوذ الروسي المتنامي في الشرق الأوسط؟ كيف يمكن الحديث عن ربط الوجود الأميركي بـ“من يدفع”، دون أي اهتمام بالعراق، وتأثير أي انسحاب من سوريا على مستقبله؟

سلوك ترامب ليس تصرفا فرديا، كما لمح وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، عندما قال إن “الرئيس ترامب يمثل نفسه”، أو أنه “أحمق”.

أبعاد حماقة المسؤولين الكبار في الديمقراطيات العريقة تكون أكثر شفافية، بحيث يمكن بسهولة تتبع مصدرها. في حالة ترامب، الحماقة تنبع أصلا من الجموع التي اجتهدت في دعمه، وتلك التي تكبدت جهد الانتظار في الصفوف من أجل انتخابه.

الأمر يشبه رؤية دار أدال، رئيس الاستخبارات المركزية “سي آي أي”، لإليزابيث كين، الرئيسة الأميركية المنتخبة حديثا، عندما وصفها، في الحلقة الأخيرة من الموسم السادس لمسلسل “هوم لاند” الشهير، بأنه “ثمة شيء غير أميركي حيالها”. المؤسسات لم تهضم كين في المسلسل، تماما كما لم تهضم ترامب في الواقع.

سلوك ترامب جعل كل ما يفعله ماتيس وجون كيلي، و”العقلاء” الآخرون في الإدارة من مجهود ليلا نهارا، يبدو فقط محاولة لتأجيل ذوبان القيم والمسؤولية الأميركية التي صنعت أسطورة بلادهم في عيون الآخرين.

المؤسسة التقليدية، التي يمثلها ماتيس وكيلي، تمتد إلى الخارج. ثمة ارتباط وثيق بين قواعد العمل المنظمة للطبقة السياسية في واشنطن، والقواعد التي تسيّر النظام العالمي في ما بعد الحرب الباردة. السبب في ذلك ببساطة هو أن هذه الطبقة هي من قادت وضع القواعد العالمية، مع الأوروبيين خصوصا، والعمل بها. الانسحاب من سوريا، ليس كالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ أو اتفاق التجارة الحرة عبر المحيط الأطلسي.

تخيّل مثلا أن ترامب قرر سحب قواته، التي تواجه روسيا من شرق أوروبا، وتفكيك القواعد الأميركية التي تحافظ على استقرار الخليج من المغامرات الإيرانية. لست في حاجة إلى الاستغراق طويلا في تخيّل الموقف، لأن روسيا وإيران جاءتا معا إلى سوريا. تأثير الانسحاب من هناك مضاعف.

“السنة الأخيرة” لأوباما كانت أيضا السنة الأخيرة لأميركا التي نعرفها. على العرب أن يتعاملوا مع هذا الواقع الجديد.

9