سوريا: بؤرة فوضى

الثلاثاء 2015/06/02

علينا الاعتراف أنه لا يمكن إعادة سوريا إلى ما كانت عليه قبل أربع سنوات، فالأمور تغيرت والدولة باتت بابا لكل الاحتمالات، ويبدو أمر إنقاذ ما تبقى الشغل الشاغل للمعنيين بالشأن السوري، وعلى عكس ما تروج له وسائل إعلامه وتصريحات مسؤوليه ومناصريه من محور الممانعة، فإن نظام دمشق، بمساعدة داعميه في طهران وموسكو، يبدو أكثر المرحبين بتقسيم سوريا إلى دويلات أو أقاليم دون أن يكون مهتما بالعدد النهائي لتلك الدويلات، فالمهم بالنسبة إليه البقاء حاكماً حتى ولو على مجموعة من القرى، وهو يقدم دلائل كافية على أنه يسعى لتحقيق ذلك بأسرع وقت لتخفيف الضغط وتقليل الخسائر عن حاضنته الشعبية ومواليه اللذين بدأت علامات التململ تظهر بشكل جلي عليهما، وباتا غير قادرين على رفد آلته العسكرية بالمزيد من المقاتلين، وقد سلم طائعاً مناطق واسعة في الآونة الأخيرة فتمكنت فصائل الثوار المنضوية تحت لواء جيش الفتح من تحرير منطقة أريحا في ريف إدلب دون مقاومة، وقبلها لم يجد داعش قوات النظام بانتظاره على أبواب تدمر، فأحكم سيطرته عليها.

وإن كانت الدول المعنية بالملف السوري الشائك قد أبدت قلقها من التطورات الميدانية الأخيرة، فإنها بالمقابل لم تبذل جهداً للحد من تدهور الأوضاع، ووقفت موقف المتفرج. الولايات المتحدة التي تترأس التحالف الدولي لمحاربة داعش، لم تتمكن من تحديد أهداف لطلعاتها الجوية وغاراتها، وظلت طائراتها تلقي حمولاتها دون أن تحدث فرقاً جوهرياً، لكنها بالمقابل كانت قادرة على تنفيذ عملية كوماندوس تمكنت من خلالها من قتل “أبو سياف” وهو أحد قادة داعش واعتقال زوجته، واحتفت بهذه العملية واعتبرتها نصراً.

واشنطن، في ظل الإدارة الحالية التي توصف بالرخوة، تبدو غير مستعدة لحسم أي شيء، بل إنها حريصة على ترك الملفات معلقة، والسماح لكرة النار بأن تتدحرج دون تدخل، وانتظار نتائجها الطبيعية، التي لن تقتصر بالضرورة على المنطقة التي يسيطر عليها التنظيم، بل ستصل إلى أبعد من ذلك.

تصريحات قادة المعارضة السورية تميل إلى الرومانسية والأحلام ببناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها، وهو الكلام الذي لا تنفك هذه المعارضة على اختلاف توجهاتها عن ترديده منذ الأيام الأولى للثورة، دون مراعاة التغيرات التي حصلت على الأرض، إذ لا تمتلك المعارضة أية قراءة واقعية للحدث، وهي على ما يبدو تنتظر معجزة ما، وإلى أن تتحقق تلك المعجزة تواصل عقد اجتماعاتها التي تنتهي دائماً بمزيد من الخلافات.

تبدي المملكة السعودية توجساً من حالة الفوضى المفزعة في سوريا، ومن أحلام إيران التوسعية في المنطقة وهي تسعى للحد من هذا التوسع، وقد تنبأ متابعون إلى أن الرياض قد تطبق ما فعلته في اليمن على الحالة السورية، إلا أنها تتريث لحسم الملف اليمني أولاً، وهو ليس بالملف السهل.

يبدو كل شيء مؤجلاً، ولا تحمل الأروقة الدبلوماسية أي أمل بحسم قريب، أو بحل سياسي يجنب سوريا مزيداً من التمزق، كما أن المعارك لم تصل إلى نقطة الحسم النهائي، وقد تأخذ زمناً قبل أن تصل إليها، فاللاعبون كثر وقد اختلطت الأوراق بطريقة لا توحي بأن ثمة من يقدر على فرزها وإعادة ترتيبها، أخيراً يبدو أن المعجزة التي تعول المعارضة على حدوثها هي خيار نهائي للجميع.

كاتب سوري

9