سوريا: بدء انهيار ومكابرة

السبت 2015/06/13

يشير الواقع الميداني، والمعلومات التي يتناقلها دبلوماسيون غربيون، وكذلك الأنباء التي تُسربها دوائر قريبة من النظام السوري وغير راضية عن نهجه، إلى أن النظام السوري بدأ مرحلة الانهيار، وأن الأسد ورجاله دخلوا مرحلة الاحتضار، وأن الدائرة الصغرى والكبرى المحيطة به تُكابر، تخسر وترى نهايتها بعينها وتُكابر.

دخلت قوات النظام، مرحلة الفوضى منذ ما يقارب الشهر، بعد أربع سنوات مرت على السوريين ذاقوا فيها ما لم يذُقه شعب، من قتل وتدمير وتعذيب، وبدأت قوات النظام بالهروب فور تقدّم قوات المعارضة باتجاهها، وأحيانا قبل بدء الاشتباك، ومن الواضح أن النظام لم يعد يمتلك قوة مركزية ولا سلطة واحدة، بل تعدد أصحاب القرار وكثر المشاركون فيه، وما يجمعهم ويمنع انفراط عقدهم الآن ليس الأسد (قائدهم) أو البوط العسكري (رمزهم) بل إيران وحدها، التي تقول لهم كابروا أفضل من أن تستسلموا.

وفق المعلومات المتقاطعة تمرّد شبيحة النظام عليه، وبات كل يعمل حسب مصالحه الذاتية، وانكفأ قسم كبير من مقاتلي ميليشيات النظام إلى مناطقهم الحصينة، في حمص وجبال الساحل تحديدا، ولم يعودوا يريدون القتال ليس صحوة منهم، بل لأنهم أدركوا أن رهانهم على النظام بات خاسرا.

إيران نفسها باتت مستاءة من الحالة التي وصل إليها النظام وقواته، لكنها تُكابر، وتُسرّب أنباء بأنها ستُفعّل اتفاقية الدفاع المشترك، والجميع على يقين من أنها لن تُرسل مقاتلين إلى سوريا لأنها ستسترجعهم أشلاء.

روسيا أيضا باتت قاب قوسين أو أدنى من الإحباط، فجهودها السياسية وغير السياسية لدعم النظام وشخوصه باءت بالفشل، ورهان بوتين على الأسد ليعود قيصرا وضح أنه رهان فاشل، لكن روسيا تُكابر، فعمليا لم يعد أمامها سوى إبقاء النظام بغرفة الإنعاش، ريثما تصل لأفضل الشروط التفاوضية مع الولايات المتحدة.

حزب الله الذي تورّط حتى أذنيه في الدم السوري، بحجة أخذ ثارات الحسين ودعم نظام سلّم قراره لإيران، أرسل أبناءه للقتال في سوريا ليعودوا لضاحيته قتلى وجرحى ومعوقين، وستستمر الأفواج بالتدفق بالاتجاه المعاكس حتى يُغيّب الموت آخر (حزب إلهي) دخل سوريا، ولاشك أن الحزب الإلهي أيقن أنه دخل المعركة الخطأ، لكنه يُكابر بالمكابرة، طالما أنه لا يملك سواها بل لا يملك قراره.

هذه الصورة المأخوذة بعجالة هي واقع ما يجري في سوريا، والفوضى التي أصابت المعارضة السورية منذ سنوات وحتى اليوم، هي جزء بسيط من الفوضى التي أصابت النظام الآن، والنظام وحلفاؤه، المحليون والخارجيون يعرفون ذلك لكنهم يُكابرون.

لكن.. وفي الحال السوري دائما هناك لكن.. كل ذلك لا يدفع للاطمئنان، ولا يعني انتهاء الأزمة التي يعيشها السوريون، فهناك أربع قضايا تُشوّش المشهد الذي ترسمه هذه الصورة، وتُعقّد الأمور كثيرا.

القضية الأولى هي دمشق، فالنظام بتفرعاته مازال يعتبرها حصنه الذي يجب ألا يتخلى عنه، وإيران تضع فيها الآلاف من مقاتلي الحرس الثوري الذين أرسلتهم عبر ثلاث سنوات، وهناك حالة من الهدنة المُدبّرة بين النظام والقوات المحيطة بدمشق، فهذه لم تتقدم شبرا وتلك لم تتراجع شبرا منذ سنين، ولا شك أن معركة دمشق إن حان أوانها سيريدها النظام وإيران مدمّرة، لعوامل عسكرية ودينية وجغرافية، وبالتالي تبقى (الشام) عقدة غير مُطمئنة تُشوّش الصورة.

القضية الثانية تتعلق بمجاميع الميليشيات التي عادت إلى حصونها التقليدية، ورفضها القتال مع النظام في مناطق سوريا المختلفة لا يعني أنها لن تُقاتل حتى الموت في تلك الحصون، حيث سيكون الأمر موت أم حياة، خاصة وأنها استحكمت بمنطقة نقل لها النظام في مراحل مبكّرة الذخيرة والسلاح بكميات هائلة، ولأن التقسيم (الدولة الموعودة) لم يعد أمرا ممكنا لا جغرافيا ولا سكانيا، إلا أن هذه المجاميع الشرسة ستكون قضية تشوّش الصورة.

القضية الثالثة تتعلق بإيران، التي تدير سيمفونية النظام، فهي لن تسمح للنظام بالسقوط الآن قبل أن تحقق ما أرادت منه، وقبل أن تستنزفه إلى آخر قطرة، صحيح أن إيران لن تستطيع حماية النظام وصد هجمات المعارضة، إلا أنها لا يعنيها دمار سوريا بقدر ما يعنيها ما ستجني منها، ويسرّها دخولها مرحلة الفوضى والصوملة.

القضية الرابعة هي تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تتقاطع مصالحه مع مصالح النظام، ذلك التنظيم الذي يسعى للقضاء على قوى المعارضة المسلحة التي يرى فيها شريكا مستقبليا غير مرغوب فيه، وهذا ربما سبب تقاطع مصالحها مع مصالح النظام، فهي غير عابئة بالقضاء على النظام الآن.

ما سبق هو واقع يجب التعاطي معه، واقع سيؤدي لإطالة أمد الصراع والمد بعمر النظام، خاصة وأن السوريين لا يعنيهم فقط التخلص من الأسد بقدر ما يعنيهم التخلص من النظام كله، فثورتهم قامت لإسقاط النظام وليس فقط لإسقاط شخص واحد منه.

الكرة بملعب المعارضة السورية، التي لم تستطع أن تستثمر انتصارات القوى الثورية، ولم تفكر أو تجد حلولا لهذه العقد الأربع، التي تحتاج للحزم هنا وللسياسة هناك، ولم تستطع تحويل النصر المتراكم للثوار والانهيار التدريجي للنظام، لمشاريع وطنية لخلاص السوريين وبناء مستقبل سوريا.

إعلامي سوري

9