سوريا: بعد فوضى الشمال الأمل معقود على الجنوب

السبت 2014/11/01

سيطر ثوار سوريا، مؤخرا، في درعا بجنوب سوريا على آخر المقرات العسكرية والحواجز التي تفصلهم عن المعبر الحدودي الرئيسي مع الأردن، وباتوا على بعد مئات الأمتار عن هذا المعبر، وإن سيطروا عليه، فإن البوابات البرية السورية الواصلة بالعالم الخارجي ستصبح بيد المعارضة، ما عدا البوابات مع لبنان.

يعتبر المراقبون أن السيطرة على المعبر الرئيسي مع الأردن لن يكون مجرد حدث عسكري عابر، بل هو هدف استراتيجي من شأنه قلب الموازيـن العسكرية، لكن وضعاً إقليميا معقـدا يدفـع الثوار لعدم إحكام السيطـرة على هـذا المعبـر في الـوقت الـراهن.

ما يلفت الانتباه أن غالبية الكتائب التي شاركت في السيطرة على المنطقة الجنوبية من سوريا هم من كتائب الجيش السوري الحر، وهي كتائب شبه منضبطة -نسبيا- ولا علاقة عضوية لها بالقاعدة أو بتنظيم الدولة الإسلامية، وإن كان بعضها له علاقات جيدة بجبهة النصرة، لكنها، بالمجمل، من الكتائب القليلة التي تقوم بعملياتها العسكرية ضد النظام باسم الجيش السوري الحر، وترفع علم الثورة، وتؤكد في بياناتها على المبادئ الأساسية للثورة التي انتفض السوريون من أجلها قبل ثلاث سنوات ونصف.

يضم آخر معبر حدودي سوري مع الأردن قوات عسكرية ضخمة للنظام، ولهذا ليس من السهل السيطرة عليه، لكن قـوات النظام هناك باتت محاصرة بعد أن قطع الثوار الطريق الدولي الذي يصل العاصمة بجنوب سوريا وبكل منطقة الخليج العربي، وهذا الطريق هو الطريق الوحيد للتصدير والحركة التجارية بين لبنان وتركيا وأوروبا من جهة، ودول الخليج العربي من جهة ثانية.

لطالما اعتبر أن السيطرة على المعبر الحدودي بين سوريا والأردن هدفا غير مرحب به من قبل جميع الأطراف، فالنظام لا يريد أن يخسره، فعبره يُدخل قطع الغيار والعديد من المستوردات الأساسية غير المسموح له باستيرادها نظاميا بسبب العقوبات الأوروبية والأميركية، كما يُدرّ عليه ملايين الدولارات من حركة الدخول والخروج، فضلا عن أنه موقع استراتيجي عسكرياً ومعنوياً.

كذلك للأردن مصلحة أن لا يقع هذا المعبر بيد المعارضة، لأنه يجني ملايين الدولارات من تجارة الترانزيت عبره، كما يخشى أن تؤدي سيطرة المعارضة السورية المسلحة عليه لتدفق المقاتلين المتشددين منه ذهابا وإيابا.

أما دول الخليج العربي -حليفة المعارضة السورية- فهي تخشى إغلاق طريق الشاحنات التي تنقل البضائع من البحر المتوسط إليها، وكذا الأمر لا تريد الولايات المتحدة تشتيت أنظار العالم في الوقت الراهن عما يحدث في شمال سوريا وحربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية هناك.

لكن بعض المراقبين يرون أن هنـاك تغييرا دراماتيكيا يحصل الآن في المنطقة الجنوبية من سوريا، ويعتقـدون بوجود قـرار دولي بأن تصبح المنطقة العازلة في جنوب سـوريا لا في شمـالهـا، وأن تنطلق أي قوات مدرّبـة للمعارضـة السـورية من جنوب سوريا لأنهـا أكثـر قـرباً مـن العـاصمة دمشـق، ولأن توريد الأسلحـة أسهـل عن طـريق الحـدود الجنوبية لسوريا، ولعدم وجود تنظيـم الدولـة الإسلاميـة هنـاك.

في واقع الحال، إذا أردنـا معرفة تطـورات الأوضاع العسكرية في سوريا علينا أن ننظر لجنوب سوريا لا لشمالها، والكثير من المسؤولين عن الملـف السـوري في دول غربية يشيرون إلى أهمية استثنائية مستقبلية لجنوب سوريا في وضع حد للأزمة رغم عدم وضوح أي مخطـط عسكري لهذا الجنوب، لكن قراءة أولية تشير إلى أن المعارضة المسلح تتقدم بهدوء وثقة في جنوب سوريا، وسيطرت على كامل الحدود مع إسرائيل، وعلى 90 بالمئة من الحدود مع الأردن، وأصبحت على بعد 40 كم عن أطراف دمشق، ولها حاضنة شعبية مؤيدة بالمطلـق، كمـا أن ممتلكاتها من الأسلحة تتطـور باستمـرار، وتُشـرف على الإدارة المحلية والإغاثة والأمن والصيـانة في البلدات والقرى التي تسيطر عليها.

سلاح الطيران السوري هو العـامل الوحيد الذي يمنع الثوار في جنـوب سـوريا من التقدّم والسيطرة على المزيـد مـن المناطـق والاقتراب أكثر فأكثر من دمشق، وهم بحاجة، فقط، لحظر جوي ليقلبوا المعادلة، ويطالبون بحظر جوي مشابه للحظر الجـوي غير المعلن المفروض على طول الحدود السورية-الإسرائيلية، التي لم تعد تشهد هجمات جوية للنظام، بعد أن أسقط الطيران الإسرائيلي الشهر الماضي طائرة حربية اقتربت من تلك المنطقة الحدودية.

نادرا ما تقوم الكتائب الثورية بجنوب سوريا بتصريحات استعراضية، أو بمبالغات فوضوية، ويقدّر تعداد مقاتليها بنحو ثلاثين ألفا، وعندما لا تستطيع السيطرة على منطقة تعترف بذلك، وعندما تُسيطر على أخرى تُعلن ذلك ببيان مختصر يحمل توقيع الجيش السوري الحر وحده، ونادراً ما يتم ذكر أسماء الكتائب المشاركة في المعارك.

يتواجد على الطريق الفاصل بين الثوار في درعا ودمشق أربع فرق عسكرية للنظام، مدججة بأسلحة ثقيلة ومدفعية وصواريخ، وتراهن المعارضة على أن النسبة الكبرى من عناصر الجيش ستنشق إن تم فرض حظر طيران وبدأت الكتائب الثورية بالزحف نحوها.

درجة سخونة الجبهة الجنوبية السورية تتصاعد بشكل متسارع، ويتقدم الثوار ببطء لكن دون تراجع، ويسيطرون على مراكز عسكرية صغيرة ومتوسطة، وعلى منصات رادار ودبابات وناقلات جنود ومدافع أحياناً، ويبدو أن النظام عاجز عن استعادة ما يخسره هناك، بل وربما غير قادر تماماً على أن يحتفظ بما بين يديه، ويخشى تحريك الفرق العسكرية خوفا من انشقاق جنودها الذين بغالبيتهم غير معنيين ببقاء النظام، وينتمون لمدن دمّرها ولطوائف آذاها.

إن تم السماح للمعارضة السـورية المسلحة بالسيطـرة على المعبر الأخير بين سوريا والأردن، فإن هـذا يعني أن الخطة الأميركية لتلك المنطقة قد بدأت، وستبدأ مرحلة إدخال مقاتلين مهرة مدربين، وغالبا مرحلة حظر طيـران غير معلـن من قبل الثوار أنفسهم بأسلحة نوعية تصلهم بين ليلة وضحاها، وإن بقي المعبر بيد النظام، فهذا يعني أن الخطة الأميركية مؤجّلة، أو غير مكتملة، وأن هناك فترة أخرى مـن الدمار لجنوب سوريا، ولا شك أن النظام سيستمر بتدميرها ما لم يُضرب هناك بيد من حديد.


إعلامي سوري

8