سوريا بين استبدادين.. استبداد النظام وحلفائه واستبداد "داعش"

الثلاثاء 2013/11/05
داعش ترفع رايتها على إحدى البنايات في مدينة الرقة

دمشق- مجموعة من الأطفال كتبت شعارات تنادي بالحرية على جدار مدرسة يوم 26 فبراير 2011.. استفزت النظام السوري، الذي كان يتابع باهتمام ما يجري آنذاك في تونس ومصر وليبيا واليمن. هذه الكلمات التي كتبت على جدار مدرسة في محافظة درعا هزّت لا فقط نظام الأسد بل سوريا بأكملها.

كان مصير حوالي عشرة من هؤلاء الأطفال الاعتقال، فيما كان مصير سوريا صراعا اندلعت شرارته الفعلية يوم 15 مارس-آذار 2011 لتتدحرج كرة اللهب من مدينة درعا إلى حمص ودمشق ومختلف المحافظات السورية وخرج السوريون في مظاهرات مطالبين بسقوط الاستبداد في تحد غير مسبوق لحكم بشار الأسد، متأثرين بموجة الاحتجاجات العارمة المعروفة باسم الربيع العربي، التي اندلعت في أواخر عام 2010 وبداية عام 2011.

في البداية تشكّل الجيش السوري الحر من قبل مجموعة من الضباط والأمنيين المنشقين عن الجيش النظامي وكانت الصورة تسير وفق خطّ «طبيعي» من المواجهات بين النظام والمعارضة، تمكّن خلالها الجيش الحر من السيطرة على بعض المناطق التي كانت خاضعة للنظام.

لكن فجأة دخلت على الخطّ جماعات جديدة وأطراف خارجية قلبت المعادلة وحوّلت الصراع من انتفاضة شعبية ضد النظام الحاكم إلى حرب دامية تداخلت فيها الأطراف والأهداف وتفاقمت فيها النتائج والخسائر؛ ومن أبرز هذه النتائج وأخطرها أن الاستبداد في سوريا انشطر وولّد الصراع أنواعا أخرى من «الاستبدادات» هجينة على المجتمع السوري.

لم يكن السوريون يتوقّعون أن يصل بهم الحال إلى حرب مفتوحة على كل الجبهات وأن تصبح بلاد الشام المعروفة بانفتاحها، على مدار تاريخ الإنسانية، في مواجهة مع أفكار ظلامية تضرب في عمق المجتمع السوري وتهدّد تركيبته وثقافته التعدّدية. من هذه الأخطار كتائب متطرّفة قادمة من الجارة العراق حاملة لواء «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام».

الهيئات الشرعية


خضعت معظم المناطق في الشمال السوري، التي خرجت من تحت سيطرة النظام، إلى سيطرة كتائب دولة الشام والعراق الإسلامية المعروفة باسم «داعش».

داعش.. وجه آخر للاستبداد
"داعش" الاسم المختصر لـ "دولة العراق والشام الإسلامية"، وهو التنظيم الذي يحمل لواء "القاعدة" إيدلوجيا وعملياتيا في سوريا والعراق. ومؤخرا وافقت الهيئات الشرعية في مدينة الرقة على بيان أصدرته «داعش» من بين بنوده:

* يمنع خروج المرأة متبرجة ومرتدية الألبسة الضيقة التي تظهر معالم البدن ويجب ارتداء العباية والبرقع

* يمنع التدخين والأركيلة

* تغلق محلات الحلاقة الرجالية ويمنع تقصير الشعر

* يمنع وضع الملابس النسائية على واجهات المحال ويجب أن تكون البائعة أنثى

* تغلق محلات الخياطة النسائية في حال تواجد ذكر في المحل

* تزال كل اللوحات الإعلانية التي تشهر محلات الكوافير النسائية

*يجلد 70 جلدة كل من يتداول كلمة «داعش»

*منع زيارات النساء لأطباء الأمراض النسائية الذكور بقصد المعالجة

* يمنع تمشيط الشعر وفق التسريحات الحديثة ووضع أي شيء عليه بالنسبة إلى الشباب

* تمنع على الرجال السباحة في نهر الفرات إلا ﺑـ «اللباس الشرعي»

و»الدولة الإسلامية في العراق والشام» أو «داعش»، هو تنظيم تابع للقاعدة ومدرج على ما يسمى بـ»لائحة الإرهاب الدولية»، وكثرت المخاوف خلال الفترة الماضية من تحول الصراع في سوريا إلى صراع داخلي بينه وبين الجيش الحر بالتوازي مع الصراع القائم مع النظام، وذلك مع كثرة الاتهامات من قبل الجيش الحر لـ»داعش» بكثرة الانتهاكات والسعي إلى توسيع نفوذه في مناطق البلاد.

وقد استغلت كتائب «داعش» الفراغ الأمني الكبير وعملت على مواجهة باقي الكتائب المسلحة وعلى رأسها «الجيش الحر» وفرضت وجودها بالقوة، وعملت على أن تمارس الدور الأمني الذي كان مُنوطا بأجهزة الدولة، بحجة منع الفوضى والحفاظ على أمن المواطنين. كما شكّلت هيئات شرعية خاصّة موازية لتلك التي أُقيمت مسبقا في غالبية تلك المدن وأريافها – بتوافق أغلبية الألوية المقاتلة (لواء التوحيد، أحرار الشام، جبهة النصرة وصقور الشام، … إلخ) – لتكون سندا في تثبيت وجود «داعش» وتطبيق تعليماتها على المواطنين السوريين ولو قسرا. وهكذا، وفي ظل غياب سلطة مدنية منظمة في تلك المناطق، مارست «داعش» وتلك الهيئات دورها الأمني-الاستبدادي، كسلطة مطلقة، ومنحت لنفسها الحق بالتدخل في الأمور الشخصية والعقائدية للناس.

وقد تعدت المهام المنوطة بعهدة معظم الهيئات الشرعية من الاهتمام بشؤون المساجد وتسيير أمور الحياة اليومية للمواطنين، إلى لعب دور أساسيّ في القضاء. وأسست محاكم عسكرية ومدنية للبت في القضايا الخلافية أو القانونية بين الناس، فمثلا، في حلب، تأسست ست محاكم عسكرية، وثلاث محاكم مدنية، لإصدار الأحكام القضائية في أمور الزواج والطلاق والميراث. وقد فتح ذلك الباب واسعا أمام تدخل الهيئة في الأمور الشخصية للناس، ومحاولات فرضها الشريعة الإسلامية بالقوة، عن طريق إصدار الفتاوى، وتجاهلها لقوانين العقوبات المدنية والجزائية السورية. وزاد الأمر سوءا تواطؤ بعض الكتائب الإسلامية المسلّحة وهيئاتها الشرعية مع داعش وهيئاتها الشرعية لفرض أجندة إسلاموية إقصائية على غالبية المناطق المحررة في الشمال بقوة السلاح، ولاسيما في مدينة الرقة.

فقد وافقت الهيئات الشرعية في مدينة الرقة على بيان تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية إلى أهالي الرقة، والذي يعيد سوريا التعددية والمتنوعة بإرثها الديني والمذهبي والعرقي إلى لون إقصائيّ واحد لا يمت بصلة إلى إسلامها السمح والعريق والذي أسس أول امبراطورية إسلامية حكمت الشرق والغرب.

قائمة الممنوعات


دعا البيان إلى تحريم التدخين والأركيلة، ابتداء من منتصف نوفمبر-تشرين الثاني الحالي، وتحريم خروج المرأة المسلمة متبرجة ومرتدية الألبسة الضيقة التي تظهر معالم البدن، وفرض ارتداء العباءة الإسلامية (التي قاموا بتوزيعها في الشوارع وفي المدارس أيضا، على النساء مجانا) بالقوة. كما منع البيان وضع الملابس النسائية على واجهات المحال، ويفرض أن تكون البائعة أنثى، ويهدّد محلات الخياطة النسائية في حال تواجد أي ذكر في المحل. وأمر البيان بإزالة كل الإعلانات التي تشهر محلات الكوافير النسائية، وبمنع زيارات النساء لأطباء الأمراض النسائية الذكور بقصد المعالجة. ونال الرجل السوري نصيبه من الفتاوى الظلامية أيضا، فقد أمرت «داعش» بإغلاق محلات الحلاقة الرجالية ومنع تقصير الشعر، وعدم السماح للشباب بالسباحة في نهر الفرات إلا ﺑـ «اللباس الشرعي». أما الفتوى الأكثر جدلا، فتمثلت بالحكم ﺑـ 70 جلدة على كل من يتداول كلمة «داعش». فهيئة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» التي استحدثت في مدينة «الباب» في حلب، تفرض الصلاة على الناس، وتعاقب المخالفين أو الممتنعين.

كما وزع المجلس المدني الثوري للمدينة، الذي تنتخب الهيئة الإسلامية أعضاءه، تعميما على مدارس المدينة بوجوب ترديد الهتاف الصباحي والذي حلت فيه عبارة «سيدنا محمد» بدلا من «حافظ الأسد» جوابا للهتاف «قائدنا للأبد» الذي كان يردده السوريون على مدى العقود الأربعة الماضية. وقد أدّى هذا كلّه إلى تململ الكثير من السوريين وخروجهم في مظاهرات ضد داعش، وأشباهها من التنظيمات المتطرّفة، في معظم المناطق الخاضعة لحكمها. وعبّرت تلك المظاهرات عن رفض السوريين لتدخل «داعش»، وجهاز الشرطة الخاص بالهيئة، في الحياة الخاصة للناس. وقد تفشت ظاهرة الملثمين الذين يقتحمون البيوت ويعتقلون الناشطين ويغلقون المنتديات الاجتماعية ويخطفون رجال الدين المسيحين، ويكفّرون حتى الأطفال ويعاقبونهم بالإعدام؛ في تكرار مقيت لقمع أجهزة أمن النظام الأسدي.

ويتعرض الناشطون المناهضون لاستبداد داعش وغيرها للتنكيل والاعتقال وحتى التصفية الجسدية. ويتم لصق تهم مختلفة بهم، من تهمة التطاول على علم الهيئة ورفض رفع الأعلام السوداء في التظاهرات بدلا من علم الثورة، إلى التدخل في إصدار الجرائد والصحف التي يصدرها ناشطون مدنيون باسم الثورة، وملاحقة المصورين وكسر الكاميرات، بحجة التواصل مع الأجانب. فمنذ خمسة أشهر، خطف ملثمو داعش الناشط المدني عبود حداد، وهو مصور أسهم في نقل ما يحدث من وقائع في مدينة «سراقب»؛ ولم يخرج هذا الناشط من المعتقل، حتى الآن. والأمر نفسه حصل مع رامي الزروك، الناشط الإعلامي ومسؤول راديو «أنا» في الرقة، فقد اقتحم ملثمو داعش مكتب المؤسسة في الرقة وصادروا أجهزة البث والمعدات الخاصة بالمكتب. وداعش هي المسؤولة أيضا عن خطف وقتل الطبيب محمد أبيض في إعزاز.

استبداد داعش


وتجسّد «سراقب» نموذجا للرفض الشعبي لتحكم الكتائب الإسلامية فيها، عبر تشكيل مجلس محليّ يدير أمور المدينة ويشرف على مؤسساتها. ومن الشعارات التي رفعها أهل المدينة في المظاهرات: «يا حرية وينك وينك، والإرهاب بيني وبينك» و»سوريا حرة حرة والغريب يطلع برا». كما كانت هناك تحركات للفعاليات المدنية وللطلاب وأهاليهم في مدينة «منبج» ضد الكتائب الإسلامية مع بداية العام الدراسي الحالي؛ لرفض بعض الكتائب تسليم المدارس التي حولتها إلى مقرات إقامة لها خلال العامين المنصرمين. إلا أن العنف الذي تواجه به «داعش» المظاهرات والناشطين أدى إلى خروج وهروب قسم كبير منهم إلى تركيا خوفا على حياتهم، وإلى سكوت أو خضوع الكثير من الناس، نتيجة للخوف وقلة الحيلة، وفي ظل العوز الاقتصادي والفلتان الأمني، والعجز عن تكوين فضاء مدنيّ مستقلّ.

الصعوبات التي تواجه المعتدلين والقوى ذات التوجه المدني بين الثوار كبيرة، وتتراوح بين الملاحقة والاعتقال والتعرّض للتعذيب إلى التهديد بالقتل والتصفية الجسدية. وفي انتظار ما سيُسفر عنه هذا الحراك الشعبي الطويل المدى والتوصل إلى حلّ سياسيّ يوقف الدم النازف يوميا، تقبع سوريا تحت رحمة طرفين لا يرحمان. إما صواريخ وقذائف النظام وحلفائه، أو سلطة الجماعات الإسلامية المتشددة. وبين هذين الاستبدادين، ما زال صوت السوريين صادحا، هنا وهناك، رافضا الخنوع لأيّ منهما. فرغبة السوريين في التحرر والتخلص من الظلم والاستبداد والقهر السياسي، لا يمكن أن تنتج بديلا سياسيا لا يعترف بحقوق الإنسان بغض النظر عن دينه وعرقه وجنسه. فلا حياة في سوريا في ظل الفكر السلفي التكفيري، ولا حياة لهذا الفكر في سوريا الثورة.

6