سوريا.. بين عقدة الأقليات وكبح تطرف "الأغلبية"

الخميس 2013/09/19

مع اتساع دائرة العنف في سوريا إلى مستويات مرعبة، تكثر الأسئلة حول مصير الأقليات ومستقبلها، أسئلة تستمد زخمها من تعدد أوجه الصراع، وارتفاع مستويات العنف الحكومي والثوري والأهلي، وتأثير كل ذلك على علاقة الانتماءات والهويات السورية المتنوعة مع بعضها، والتي تتراوح بين أقليات مذهبية؛ كالعلوية والدرزية والإسماعلية والشيعة، وأقليات قومية وعرقية ؛ كالكرد والأرمن والأشوريين، إضافة إلى أقليات دينية، تشمل مختلف الطوائف المسيحية الشرقية والغربية، والديانة اليزيدية. رغم هذا التباين، وتمايز المناطق السورية عن بعضها، بصبغة إثنية أو مذهبية معينة، وامتداد الجغرافيا الطائفية وتقسيماتها الواضحة على جسد المدن، إلا أن المجتمع السوري عُرف بسلميته، وبتداخل حالته الحياتية والأهلية بين مكوناته. بحيث شكل هذا التداخل، مع وعي الشريحة الغالبة «السنية»، غير المحدد بأي إطار طائفي، في خلق مجتمع ذو طبيعة منفتحة على العموم.

كانت ثقافة الأقليات وما زالت، جزءا من الثقافة السورية العامة رغم استثمار سلطات البعث في الوعي الطائفي سياسيا، كأحد مسوّغات الحكم، إضعافا للمجتمع ومنعه من التحول إلى كيان سياسي حقيقي يهدد وجود الزمرة الحاكمة؛ التي لم تستطع التخلص من ذهنيتها الطائفية ولم تنس يوما انتماءها إلى أقلية مذهبية، ما أسس لوجود دولة باطنية «عميقة»، ذات تشويش و»تشبيح» عام. فطوال فترة حكم البعث، وإلى الآن، لا يُعرف على وجه الدقة، كيف وأين، تصنع القرارات السياسية الكبرى للدولة.

وحقيقة الأمر أن الاستبداد البعثي والأمني، خلف تناقضات واضحة على مستوى البنى الاجتماعية، شبيهة بتلك التناقضات التي خلّفها دور «الأقليات» في التاريخ الحديث لسوريا، فهي وإن عانت بدرجات مختلفة، من تهميش وإقصاء لثقافاتها، بسبب استبدادية البعث في بناء هوية قائمة على الحل القسري غير التعاقدي، إلا أنه من المعروف، أن «البعث» وظهوره، كان ثمرة الوعي السياسي من أبناء الأقليات الدينية والمذهبية، في بدايات القرن العشرين، على أمل التخلص من هيمنة نظام «الملّيت» العثماني، ذي المعايير الواضحة في التفريق بين المسلمين «السنة» وأبناء الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية.

فضل أبناء «الأقليات المذهبية» الهوية العربية على الهوية السورية، بكونها القاسم المشترك بين أغلب الطوائف والمذاهب السورية، كأقصر طريق لتجاوز الواقع، لذا ظهرت المفاهيم الفكرية حول العروبة بطريقة وصيغ انفعالية، وأسست للاستبداد وقمع الحريات، وفرض هوية أيديولوجية واحدة للمجتمع السوري. بحيث شكل البعث بنمطية تفكيره ورؤاه، حلقة حصار حول ثقافة الأقليات، باستعمار ذهنيتها، وجعلها تتجنى على نفسها بإدعاء طبيعة غير طبيعتها، الأمر الذي استفاد منه العقل الأمني والسلطوي في تأجيج المخاوف الطائفية وتوزيع المناصب الصورية في الحكم على أساس طائفية، والإيهام الدائم بأن النظام قائم على توازنات طائفية وعرقية دقيقة لا يمكن مسها أو تبديلها.

كان الخاسر الأكبر من سياسات البعث وقوميته المتشنجة، هم الكرد، فبعد أن أصبحوا ضحايا الأطماع «الجيوسياسية» في بداية القرن العشرين، وجدوا أنفسهم ضمن لعبة المصالح والنفوذ الاستعماري، فغيرت من مركزيتهم السياسية والاقتصادية التابعة لدولة العثمانية، وتم إلحاقهم بالدولة السورية عام 1920.

وبحكم الجغرافيا والعقلية السياسية، أصبحت المناطق الكردية من المناطق النائية، يُنظر إلى «وطنيتها» بعين الريبة والشك، فما كان من قيادة البعث، إلا أن نفذت توصيات ضابط أمن مغمور في منطقة الجزيرة السورية، اسمه «محمد طالب هلال»، اقترح في تقرير أمني طويل إجلاء الكرد من مناطقهم الحدودية مع تركيا وإسكان «عناصر عربية»، وسحب الجنسية منهم، وتعريب أسماء المدن والبلدات الكردية، إلى جانب سن القوانين الخاصة بحقهم. كان آخرها المرسوم 49 لعام 2008 القاضي بمنع الكرد من بيع وشراء وبناء العقارات والأراضي، ما أصاب الحياة الاقتصادية في تلك المناطق السورية بالشلل التام.

حدث تحول ما، نحو الارتياب، في علاقة المكونات السورية مع بعضها، بعد أحداث حماة عام 1982 والرعب الذي خلفه عدد الضحايا في صراع جماعة الإخوان المسلمين « السنية» والجيش؛ الذي شكل، وخلال عقود متلاحقة، أحد أهم مصادر القوة، والاندماج الاجتماعي لأبناء «الأقليات المذهبية»، وخاصة «العلوية»، مع المحيط السوري العام. مع تأثير المد الديني والمذهبي، في كامل منطقة الشرق الأوسط، وظهور تنظيمات إسلامية متطرفة، خلال فترة التسعينات، وبروز البعد الطائفي في السياسات الخارجية للكثير من الدول الإقليمية، شهد المجتمع السوري ازديادا في مساحة القلق، المشغولة بالخوف من تطرف «الأكثرية السنية» ومن «الفاشية الطائفية» لدى العلويين. بدا ذلك واضحا في توزع الأحياء الشعبية والفقيرة من المدن السورية على جغرافيا طائفية، حتى في العاصمة دمشق التي يفترض بأنها منفتحة على بعضها، بات التمايز الطائفي والعرقي سمة كل حي؛ المزة وعش الورور «علوية»، ركن دين وجبل الرز «كردية»، جرمانا وصحنايا «درزية»، دويلعة وباب توما «مسيحية»، أما طائفة السلطة تلك التي لا دين لها فتعيش في أبو رمانة والمالكي.

رغم مشاركة الأقليات السورية في الثورة، ولو بنسب متفاوتة تتناسب مع حجم المظلومية التي تعرضت لها على يد النظام، إلا أننا نتلمس قلقا وخوفا من المستقبل السياسي والكياني لدى غالبية هذه الأقليات، خاصة مع ظهور خطابات وممارسات من قوى معارضة وشخصيات سياسية، تحاول إقصاء الأقليات عن الحياة السياسية المرتقبة في سوريا، والاكتفاء بوضع بعض شخصيات تمثلها، كواجهة إعلامية، لبعض المراكز القيادية في المعارضة؛ وكأن المشكلة تكمن في إعادة توزيع الكراسي والسلطة، وليس في إعادة إنتاج عقد اجتماعي سوري جديد. زاد على الأمر ممارسات تلك الكتائب في بعض المناطق، وتعرضهم للمدنيين الكرد والمسيحيين.

أن أكثر ما تحتاجه سوريا اليوم هو حل داخلي يأخذ بعين الاعتبار «عقدة الأقليات» ولجم تطرف الأغلبيات، ويعيد الاعتبار للوطنية السورية، ما يستوجب توفير ضمانات قانونية وسياسية، من قوى المعارضة، تحفظ مستقبل وحقوق الأقليات، وتضمينها في وثيقة وطنية يتعهد الجميع بصيانتها ضمن الدستور الوطني وبإشراف الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بحيث تتمتع هذه الأقليات بكافة الحقوق الانسانية والمدنية والطبيعية والسياسية وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبناء أغلبية وأقلية سياسية، تحت إشراف المؤسسات الدستورية بما يجعل سوريا وطنا لجميع مواطنيها.


كاتب سوري

8