"سوريا تاريخ وحضارة" معرض للكتاب في صحراء اللجوء

لا ألم يضاهي ألم المبعدين عن أوطانهم أولائك الذين يمكن تشبيههم بالأشجار المقتلعة بشكل تعسفي من تربتها الأم، لا ألم يساوي ألم اللجوء هربا من الموت، الموت الذي صار أسهل من رشفة هواء، هذا هو حال الحرب، ولا دلالة على ألم كهذا اليوم من ألم “التغريبة السورية”، حال الشعب السوري الذي تمزقه أيادي الحرب الملطخة بالبكاء والصراخ والظلمة، لكن هنا لا يمكن فهم الألم على أنه استضعاف أو استنقاص ما، بل هو طاقة قصوى يمكن الأخذ منها لإعادة البناء والخلق حتى. هذا ما أثبته السوريون اللاجئون في الأردن في مخيم الزعتري، هذا المخيم الذي أبهر العالم أجمع بما يقدمه، لا ما يأخذه من حاجيات بسيطة، هو نبع حي للفنانين والكتاب والشعراء ولشتى أنواع الفنون. الألم أصبح طاقة تبشر بمستقبل واعد لسوريا وشعبها. ولعل معرض الكتاب “سوريا تاريخ وحضارة” الذي أقيم لأول مرة في أرض المخيم من قبل أبناء المخيم وبإمكانياتهم البسيطة، هو بذرة أولى عائدة من أقاصي اللجوء إلى سماء سوريا الجديدة.
الخميس 2015/06/25
المعرض سلط الضوء على اهتمام أهل المخيم بالعلم والثقافة

مخيم الزعتري (الأردن)- تحت عنوان “سوريا تاريخ وحضارة” أقيم معرض الكتاب في مخيم “الزعتري” للاجئين السوريين بالأردن، الذي سهرت على تنظيمه نخبة من المبدعين السوريين اللاجئين في الزعتري، مخيم المعاناة، وقد ضم المعرض عددا كبيرا من اللوحات الزيتية والرسومات والمنحوتات المميزة لمجموعة من أهم المعالم التاريخية والحضارية السورية، كقلعة حلب وقلعة بصرى الشام ونواعير حماة والجامع الأموي وتمثال صلاح الدين الأيوبي والجسر المعلق ونواعير حماه، بالإضافة إلى لوحات جدارية وبعض الأدوات التراثية القديمة.

هي المرة الأولى من نوعها في تاريخ المخيمات بالعالم، وبين خيام اللاجئين يقام خلالها أول وأضخم معرض للكتاب في تاريخ المخيمات مخيم الزعتري للاجئين السوريين بالأردن.

حيث احتوى المعرض على مجموعة ضخمة من الكتب الأدبية والسياسية والروايات المتنوعة والمجلات الثقافية كمجلة “دمشق” والموسوعات العلمية، وصولا إلى قصص الأطفال الترفيهية.

حيث قامت بتنظيم هذا المعرض والإشراف عليه نخبة من الفرق التطوعية السورية، كفريق “بأيدينا” وجمعية رعاية الطفل الخيرية، وذلك بالتعاون مع جمعية “ناشرون للعلوم والثقافة والأدب”.

“تراثنا هويتنا حاضرنا ومستقبلنا”، بهذه الكلمات افتتح كبير المبدعين في مخيم الزعتري الفنان التشكيلي محمد الخديوي كلمته، قائلا: على الرغم من مشاركاتي في معارض وأعمال أخرى، إلا أن مشاركتي في هذا المعرض تعني لي الكثير، حيث استطعت أن أقدم في هذا المعرض مجموعة من المجسمات التاريخية لمعالم وطني سوريا، وبعض الأدوات التراثية القديمة، ثم إن هذه المعالم التي قدمتها محفورة في ذاكراتي وقلبي على مدى عمري الطويل، وإنه لفخر لي أن أشارك الشباب المندفع في هذا المعرض رغم قسوة ومعاناة حياة المخيم. أتمنى من كل قلبي أن يرى العالم أجمع هذه المعالم السورية قبل أن تدمرها الحرب.

المعرض يحتوي على مجموعة ضخمة من الكتب الأدبية والسياسية والروايات المتنوعة

الخديوي استطاع أن يحوّل النفايات والأشياء المهملة في المخيم إلى ألعاب وأشكال متنوعة، شارك بها في العديد من المعارض التي أقامتها المنظمات الدولية بمخيم الزعتري.

صدى إيجابي

المفاجأة كانت في الإقبال الكثيف من قبل اللاجئين من سكان المخيم لمواكبة فعاليات معرض الكتاب، الذي ضمّ نخبة من المثقفين والمهتمين بالقراءة والكتب.

وفي هذا السياق عبّر بسام الديري، أحد أعضاء مجموعة “بأيدينا” التطوعية، عن أهمية هذا الحدث الثقافي في إبراز الصورة الحقيقية لسكان المخيم، قائلا: إن المعرض سلط الضوء على اهتمام أهل المخيم بالعلم والثقافة لكونهما الواجهة الأولى للسوريين في الأردن، وأشار الديري إلى أن حاجاتهم لا تقتصر على الأكل والشرب والعلاج فقط، لذلك سعوا أن يكون معرض الكتاب فرصة تتيح لسكان المخيم نقل الصورة الحقيقة عنهم، بأنهم شعب يهتم بالكتاب كوسيلة تخفف عنهم معاناتهم، وتحسّن واقعهم.

وقد شاركت في المعرض “أزبكية عمان” كداعم رئيسي في بيع الكتب وبأسعار مناسبة لأهل المخيم، بالإضافة إلى مشاركة عدد من المنظمات الدولية، كما وقع تخصيص زاوية للأطفال حوت قصصا وكتبا ومسرح دمى ونشاطات أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة المعرض اقترحها أعضاء مجموعة “بأيدينا”، حيث أن البعض ينظر إلى مخيم الزعتري على أنه مخيم قاسٍ والناس الذين يعيشون بداخله يحتاجون إلى الأكل والشرب فقط، لذلك سعت مجموعة “بأيدينا” أن تعرف الجميع أن المخيم مكان يتواجد فيه الكثير من المثقفين وطلاب العلم، وحاجتهم للعلم والثقافة والكتاب لا تقل عن حاجاتهم الأساسية.

وقد أوضح الديري قائلا: قمنا بالتنسيق والتواصل مع شركائنا في المعرض، وقد استطعنا تجاوز الصعوبات والحصول على موافقة من إدارة المخيم التي نوجه لها كل الشكر، كما تمكنا من إيجاد مكان مناسب للمعرض داخل المخيم، ومن ثم أعلنا عنه عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ولقيت الفكرة صدى إيجابيا عند الجميع، حيث قام البعض بالتبرع بالكتب لصالح المعرض.

مشاركون سعداء

وقد عبر الفنان الشاب محمود الحريري عن سعادته بمشاركته “الرائعة والمتميزة” في هذا المعرض “سوريا تاريخ وحضارة”، والحريري هو أحد أعضاء فريق “فن من الزعتري” والذي شارك بالعديد من المعارض الفنية في العالم منها معرض “ألوان من مخيم الزعتري” في دبي ومعرض “فن من الزعتري واحد” في العاصمة الأردنية عمّان العام الماضي.

معرض الكتاب جاء لتعريف العالم بتاريخ وحضارة سوريا العريقة، وبالشعب السوري الطموح والحضاري وإبداعاته

وقد قدّم الفنان خلال فعاليات المعرض مجموعة من اللوحات والمجسمات لمعالم تاريخية في سوريا، كمدرج بصرى الأثري ومدينة تدمر وتمثال صلاح الدين الأيوبي المصنوع من الصلصال.

كما نوّه الحريري بالمعرض، الذي يطمح بأن يتكرر في عدة محافظات بالمملكة الأردنية الهاشمية بعد انتهاء فعالياته في مخيم الزعتري. سعيا منهم إلى تعريف العالم بتاريخ وحضارة سوريا العريقة، وجعل العالم يعرف أن الشعب السوري هو شعب طموح وحضاري، وإبداعاته لا تتوقف عند حدود المخيمات ولا تموت بين رماله.

من المشاركين في المعرض كذلك الخطاط أحمد عثمان من ريف درعا، وعثمان كان يعمل في تصليح السيارات لكن موهبته في الخط والحفر على الخشب لا تزال متوقدة، ورفض أن تنتهي عند باب مخيم الزعتري، بل استمر في إبداعه وكتابته الخطية على الخيام وجدران الكرفانات داخل المخيم، كما قام بتقديم لوحات كثيرة في المعرض، إضافة إلى مجموعة من المعدات الموسيقية بحجم مصغّر قام بحفرها على الخشب المتواجد في المخيم من ألواح الكرفان.

كما شارك الفنان التشكيلي محمد جوخدار في فعاليات المعرض، وقد تحدث جوخدار عن الفن في عصر النهضة وأهميته بين الفنون، وأنه من الفنون التي يعشقها، وللفنان العديد من اللوحات الفنية التي قام برسمها، وشارك بها في عدة معارض قبل الثورة السورية، كمعرض دمشق الدولي عام 2010 والمركز الثقافي بمحافظة درعا.

ولكنه يعتبر مشاركته في معرض المخيم فخرا يعتز به، لأنها جعلت منه فنانا أكثر قوة وخبرة، حيث أصبح يترجم كل ما يشاهده من ألم ومعاناة بريشته، ويجسده في لوحاته. وقد شارك في هذا المعرض بعدة لوحات فنية، كان من أهمها “لوحة الطفل الذي يحمل قدمه الاصطناعية ويقبلها”، من أجل إيصال رسالة إلى العالم أجمع تحمل فكرة عن معاناة الأطفال، الذين دمرتهم الحرب وأبعدتهم حتى عن مقاعد الدراسة وساحات العلم واللعب.

جانب من الأعمال المشاركة في المعرض
ومن جهة أخرى قال محمد إبراهيم: نحتاج أن نرتقي بنظرتنا إلى المخيم ومجتمعه المبدع وتغيير الفكرة الخاﻁئة عن سكان المخيم، لأنهم في الحقيقة أناس يحبون العلم، ولكن الظروف الصعبة دفعتهم إلى إهمال مثل هذه الأنشطة في الفترة السابقة.

بادرة فريدة

“مخيم الزعتري” مجتمع كامل متكامل، فبالرغم من البيئة القاسية والظروف الصعبة التي يعيشها سكانه نجدهم أكثر تمسكا بالحياة من غيرهم، حيث شهد المخيم العديد من الفعاليات الثقافية المتنوعة كالمعارض الفنية والمسرحيات الهادفة، وكان من أشهرها مسرحية “شكسبير في الزعتري” التي قدمها أطفال المخيم مع الفنان نوار بلبل، كما يحتوي المكان على عدد ليس بقليل من الطلبة المتفوقين في التوجيهي على مستوى المملكة الأردنية الهاشمية. إن ما يحتاجه المخيم هو تغيير النظرة الدونية إلى قاطنيه فقط، فهم شعب مبدع على كل المستويات، ومن المأساة استطاعوا بناء حضارة بشتى الطرق”.

من جهتها اعتبرت الناشطة الاجتماعية آية عيد أن نشر الثقافة والوعي والمحافظة على العلم ضمن مجتمعات اللجوء هو أحد أساسيات العمل الإغاثي وإثبات الوجود، تقول: من خلال هكذا فعاليات نرسخ الفكر الثقافي والعلمي والتقدمي لدى جيل كاد يتهمش في صحراء النزوح، فأكثر ما لفت نظري هو إقبال الأطفال الصغار الذين كانوا يتنقلون بين القصص والكتب الترفيهية تماما كما فعل الكبار من النخب المثقفة وغيرهم من اللاجئين، وهذا يبشر بالخير من أجل سوريا جديدة، وأشكر كل من ساهم بنجاح هذه البادرة الفريدة والأولى من نوعها، وليتها لا تكون الأخيرة.

والجدير بالذكر أن عدد الأكاديميين وخريجي الجامعات في المخيم ما يقارب 400 أكاديمي موزعين بين مدرسين ومهندسين ومحامين، كما يضم المخيم 1700 طالب جامعي، وفق الإحصائيات التي أجراها “فريق شباب سوريا للإحصاء والدراسات”.

15