سوريا تتحوّل إلى ساحة تصفية حسابات دولية

الثلاثاء 2014/01/28
مسار العملية التفاوضية حول الملف السوري غامض وغير مضمون

مع انطلاق مؤتمر جنيف2 الرامي إلى حل الأزمة السورية، انقسم المعارضون للنظام حول ما يمكن أن ينتج عن هذا المؤتمر، وشهدت ساحة المعارضة مراوحة واسعة من التوقعات، بين من يرى أن المؤتمر “مقبرة للنظام”، ومن يراه “مؤامرة لتعويم النظام السوري دوليا من جديد”.

مع تواصل المفاوضات، من الصعب معرفة أو توقع من هم أصحاب الرأي الأدق، من يعتقدون أن مؤتمر جنيف2 سيتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية تُنهي النظام سريعا أو تدريجيا أم من يعتقدون أنه لن يؤدي إلى أية نتيجة وسيكون كارثة على الثورة.

إن كانت النتائج تُبنى على المقدمات، فليس من الصعب الاستنتاج أن الموازين الداخلية والدولية في اللحظة الحالية لا تسمح بأي حل سياسي معقول قابل للتنفيذ بعد سقوط نحو 150 ألف قتيل على الأقل وتشرّد نحو ثمانية ملايين سوري بين الداخل والخارج.

داخليا، لا يبدو أن ميزان القوى على الأرض يميل لصالح أحد، خاصة مع توزّع جهود المعارضة المسلحة بين قتال النظام وقتال المجموعات الإرهابية التي تقول إنها صنيعة النظام، وكذلك مع وجود نحو 40 ألف مقاتل شيعي من العراق ولبنان وغيرهما يقاتلون إلى جانب النظام (وفق تقديرات الجيش الحر)، فضلا عن رفض دول أصدقاء سوريا تسليح الجيش السوري الحر بأسلحة قادرة على قلب ميزان القوى، ومساندة إيران للأسد ماديا وعسكريا في حربه، وعدم قدرة المعارضة العسكرية على توحيد قواها، وبالمقابل وجود ملايين السوريين الذين لا يقبلون ببقاء النظام أو رموزه.

دوليا، لا يستطيع أحد أن يُعطي ضمانات حقيقية للمعارضة السوريا، فالمصطلح المتداول بين الدول الكبرى دبلوماسي وليس سياسيا حاسما، وكل ما يتم الحديث عنه من قبل الغرب هو آمال واقتراحات وليس ضمانات، كما أن روسيا لم تغيّر موقفها ولا قيد أنملة من النظام السوري، فضلا عن وجود تردد غربي في الضغط على النظام وحلفائه نتيجة القلق المتزايد من الجماعات المتطرفة.

40 ألف مقاتل شيعي من العراق ولبنان وغيرهما يقاتلون إلى جانب النظام


خوف من نتائج ذات طابع توفيقي


من جهته رجّح الكاتب السياسي السوري المعارض علي العبدالله، والقيادي السابق في إعلان دمشق أن تكون نتائج مؤتمر جنيف2 ذات طابع “توفيقي”، ولم ير بديلا مرحليا عمليا عن هذا المؤتمر في الوقت الراهن. وقال لـ (العرب): “في واقع الحال نحن أمام حالة مبهمة، فالأميركان والروس التقوا منفردين مرات ومرات ولم يعلنوا من النتائج إلا خطوطا عريضة وعامة لا تفيد في إصدار حكم محدد وتركوا العالم يجتهد في تفسير وتأويل وتخمين ما يحصل في الغرف المغلقة. ربما اتفقوا على حل لا يستجيب لمصالح الأطراف المحلية والإقليمية والدولية الأخرى فأخفوه حتى لا يتحرك الآخرون ويجهضوه، أو ربما لم يتفقوا وقرروا عقد المؤتمر كخطوة في عملية إدارة أزمة واختبار للقدرات”.

وتابع العبدالله: “هناك حديث سرب عن اتفاق يقضي بإقامة هيئة حكم انتقالية وفق قسمة ترضي الأطراف المحلية وأنهم سيفرضونه عليهم، وتسريبة تفصيلية تقول بهيئة حاكمة برأسين عسكري للأمن والجيش من الطائفة العلوية ومدني لبقية الملفات من المعارضة”.

وأضاف “تتحدد نتائج المؤتمر بالارتباط مع موازين القوى إن كانت راجحة لجهة بشكل واضح وحاسمة أم أنها قلقة ومتحركة أم أن ثمة تعادلية واستعصاء. الواضح أن الوضع على الأرض غير حاسم لجهة محددة وأنه عرضة للتبدل والتحول بين موقعة وأخرى وأن فرص الحسم تحتاج إلى عوامل إضافية وفترة زمنية مديدة وهذه غير متوفرة بقرار دولي، ما يدفع إلى القول إن الطابع الغالب سيذهب باتجاه التوافق دون أن يعني سهولة بلوغ ذلك أو نجاحه”.

لؤي صافي: نهاية النظام محتومة سواء نقل السلطة أم لا

الناطق باسم هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي المعارضة منذر خدام، والذي لم تُدع هيئته إلى المؤتمر رغم أن روسيا كانت متمسكة بها كطرف موازٍ للائتلاف، أعرب عن قناعته بأن أي طرف في المفاوضات لن يستطيع تحقيق كل طموحاته.

وقال لـ (العرب) “من البديهي أن لا يستطيع كل طرف تحقيق كل ما يطمح إليه، وخصوصا أن المؤتمر يعقد في ظل ظروف صار فيها الجانب الدولي من الأزمة السوريا هو المهيمن، وبصورة خاصة ما يتعلق بمحاربة الإرهاب، وتحول سوريا إلى ساحة تصفية حسابات دولية، والمهم أن لا تتخلى المعارضة في كل الظروف عن ضمان الانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي خلال أجل زمني محدد وواضح مع كل الخطوات والإجراءات المؤدية إليه، وبقية المسائل يمكن حلها لاحقا ومنها محاسبة كل من أجرم بحق الشعب السوري”.


لا بديل عن سلطة حكم انتقالي


الوزير السوري والقيادي السابق في حزب البعث والمعارض حاليا مروان حبش عبّر عن قناعته بأن جنيف2 يمكن أن ينجح فقط إذا ما كانت غاية الطرفان، المعارضة والنظام، تثبيت الكيان الوطني على أساس وحدة الشعب والأرض وحقوق المواطنة والمساواة من خلال تشكيل سلطة حكم انتقالية تعمل مع المجتمع الدولي لتوفير آليات تحقيق ما قد يتوصل إليه المؤتمر.

التفاوض بين المعارضة والنظام.. النتائج تبنى على المقدمات

وقال حبش لـ (العرب) “يمكن أن يصل المؤتمر إلى نتائج فقط في حالة توفر الإرادة الصادقة عند رعاة المؤتمر (روسيا وأميركا) بشكل رئيس، والدول الإقليمية ذات الصلة بالملف السوري، وإن أدرك السوريون (موالون ومعارضون) حجم المخاطر التي تهدد كيان الدولة ووحدة المجتمع بكل بناه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأجندات التي دخلت ساحة الصراع ووفَّرت مناخا لتدخل دول إقليمية ودولية في الشأن السوري وأصبحت لاعبا رئيسا في تحديد مسار الأزمة”.

وتابع “أن مخاطر بهذه الكارثية لا يمكن التغلب عليها بوسائل العنف، الحرب وحش مفترس، والاستحواذ على السلطة بواسطة فوهة البندقية ولَّى زمانه، والسلاح لو انتصر لن يحقق هدف الحرية والكرامة، ولن يأتي بالنظام الديمقراطي”. وأضاف “لابد للمؤتمر الذي سيمر بمخاض ولادة صعب، وعثرات عديدة خلال فترة المفاوضات التي قد تطول، من أن يحقق النتائج المرجوة منه، بعد أن يتأكد المؤتمرون أن السبيل الأكثر نجاعة للانتصار على هذه المخاطر بكل ما يتطلبه من تضحيات جسيمة وتنازلات كبيرة، يكون بالسير نحو الحوار حول بدء مرحلة انتقالية انطلاقا من بيان جنيف1 بما يشمل من تغيير جذري لما هو قائم من استبداد واعتقال وفساد ونفي وتهميش وإهانة وإذلال، من خلال كيان دولة بديلة عصرية ديمقراطية تعددية حيادية فيها فصل حقيقي بين السلطات وتحقق المواطنة كقيمة حضارية وحكم قائم على التمثيل المتحقق بالانتخاب الحر”.


تعويم الأسد مرفوض


أما الائتلاف، الطرف المفاوض عن المعارضة السورية كافة، فهو يسير بثقة تبدو قلقة في الكثير من المطارح، ففي حين أعلن الائتلاف على لسان أحمد الجربا عن أن جنيف2 مكرس رسميا لتشكيل هيئة حكم انتقالي بديلة عن النظام، إلا أن هذا الإعلان أقرب إلى موقف وأمنية وليس حتمية خاصة وأن النظام يرفض بالمطلق مبدأ الحكومة الانتقالية التي بُني على أساسها جنيف2، ويرفض تسليم السلطات، أو حتى جزء منها، مهما كان بسيطا. عضو الهيئة السياسية للائتلاف والمتحدث باسمه لؤي صافي قال لـ (العرب) “المؤتمر مكرس لتشكيل هيئة حكم انتقالي تعمل على تفكيك نظام الاستبداد وبدء مرحلة جديدة بعيدا عن تسلط الأسرة والطائفة والحزب الواحد”.

مروان حبش: لا بديل عن مرحلة انتقالية تشمل التغيير الجذري

ونفى القيادي في الائتلاف، في حديث لوكالة “آنا برس" أن يكون المؤتمر مخصصا لتعويم الأسد ونظامه بطريقة لا غالب ولا مغلوب، وقال “إذا التزم المجتمع الدولي بجنيف1 فسيكون هنالك غالب ومغلوب، لأن العملية الانتقالية ستؤدي إلى هزيمة الاستبداد وانتصار الشعب، ولكن محاولة الأسد تجنب النهاية المحتومة بانهيار النظام ستبوأ بالفشل سواء استمر النظام بالتفاوض على نقل السلطة عبر جنيف أم اختار الاستمرار في خياره المفضل، الخيار العسكري، فسوريا لن تعود إلى الاستبداد”.


محرقة الفشل


وبخصوص إن كانت المفاوضات محرقة للمفاوضين، قال العبدالله، السجين السياسي السابق، “هنا يمكن تصور مستويين، أولهما، إذا كان ثمة إدراك لطبيعة الصراع وموقع التفاوض فيه، وحساب خط رجعة باعتماد تقدير يلحظ احتمال فشل المفاوضات، وتفعيل عوامل إعلامية وسياسية ودبلوماسية وميدانية لخدمة المفاوض فلن تكون محرقة بل مراكمة مكاسب وتسجيل نقاط.

وثانيهما مبني على غياب هذا الإدراك والمشاركة بنفسية المُكره وحصر الجهد والنتائج بما يدور داخل غرف التفاوض وهذا نتيجته حتما حرق المفاوض لأنه يفتقر إلى الثقة والأمان ويدرك أن المعارضة خارج الغرفة تضعه تحت المجهر وسوف تحمله مسؤولية عدم تحقيق أهداف الثورة”.

وتابع “التفاوض حلقة في الصراع تأتي بعد نضج شروطها أو بعد إدراك أطراف الصراع أنهم ذاهبون إلى خسارة جماعية فينحازوا إلى تسوية، أو عند بلوغ الأطراف حد الإنهاك، أو اللجوء إليه كبالون اختبار لاكتشاف موقف الطرف الآخر ونواياه وعزيمته.

إذا اعتبرنا هذا التوصيف كافيا لتحديد طبيعة التفاوض فإن مسألة القدرة على الانسحاب أو عدمها تصبح ثانوية لأن حركة المفاوض مرهونة بهدفه من دخول التفاوض، ويستطيع المفاوض أن يناور ويتملص ويطلب تأجيل جلسات للتشاور، ويأخذ وقتا مستقطعا يمكن أن يكون طويلا، في إطار إدارة الصراع وتفعيل عوامل ضغط أخرى”.

أما حبش فرأى أن التسامح ضروري كما العدالة الانتقالية ضرورية لضمان عدم حرق المفاوضين، وقال “على المفاوضين التركيز على مبدأين، الأول التسامح كضرورة لقبول الآخر، وكتأكيد على أن لكل مواطن مكانا في الدولة المرتقبة، والثاني العدالة الانتقالية، لجبر الظلم ومحاسبة مرتكبيه.

وهذا يتطلب من المفاوضين أن يكون عندهم موقف حاسم في المطالبة باستعادة الحرية والكرامة للشعب وممارستهما في دولة عصرية ونوايا صادقة ورغبة حقيقية في إنجاح الحوار وتحقيق أهدافه، وإحساس عال بالمسؤولية انطلاقا من أن الوفد الآخر في التفاوض ليس عدوا، وأن تكون غايتهم تثبيت الكيان الوطني على ركائز أساسية هي وحدة غير قابلة للفصم، وحقوق المواطنة، سياسيا وثقافيا واجتماعيا، وللجميع حق الوصول إلى الثروة الوطنية، وحق التمتع بحماية متكافئة أمام القانون، ومن جديد كل ذلك عبر تشكيل سلطة حكم انتقالي تعمل مع المجتمع الدولي ومؤسساته على توفير الآليات الملائمة لتحقيق ما وصل إليه المؤتمر”.


لا بدائل مرحلية أخرى


عن البدائل في هذه الحالة قال “مرحليا ليس ثمة بديل عملي، لكن التحرك وفق منطق شامل ومتماسك وخوض مفاوضات محكومة بمطالب الثورة وعدم التنازل عن الرئيس منها سيقود إلى أحد حلين: النجاح في تحقيق المطالب الرئيسة أو اقتناع العالم بعدم جدية النظام.

وبالتالي تغيير موقفه من شروط الصراع والحل فيدخل كطرف مساند للمعارضة يقلب ميزان القوى لصالحها ويجعل الحسم الميداني ممكنا” حسب تقديره.

رغم أن مسار العملية التفاوضية بين المعارضة والنظام غامض وغير مضمون، غير أن المراقبين يعتقدون أن جنيف2 سيشكل انعكاسا دقيقا لميزان القوى المحلية والإقليمية والدولية التي تضع قواعد وشروط اللعبة السياسية في المنطقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، ومن هنا تأتي أهميته في ظل استحالة الحسم العسكري الناجز.

التكهنات بنجاح مؤتمر جنيف2 ليست جيدة، فالمؤشر الأولي العام لا يوحي بأن النظام السوري سيقبل بتسوية سياسية تبدأ بعدها رحلة انهياره، وغالبا سيستمر في حلّه العسكري الأمني، بينما المعارضة لن تقبل بأقل من ضمان رحيل رأس النظام ومعاونيه ولو تدريجيا.وعلى مسافة بعيدة يقف رعاة الحل السياسي الدوليون، لا يجهدون أنفسهم إلا بالقليل، فهم بالأساس غير محتاجين أصلا إلى عقد جنيف2، فكان يكفي تطبيق مقررات جنيف الأول بقرار أممي مُلزم لإنهاء الأزمة.

7