سوريا تحت الوصاية الدولية

الخميس 2013/09/12

نجحت سياسة الأساطيل العسكرية التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في زحزحة القواعد التي استقرت عليها اللعبة السورية على مدار عامين ونصف، حيث أجبرت حلفاء بشار الأسد إلى القبول بمقاربة جديدة للعبة، يتوقع أن تفضي إلى إحداث تغييرات جذرية في مسرح الحدث في المدى الزمني المنظور.

وليست صفقة تسليم السلاح الكيماوي للأمم المتحدة سوى عنوان آخر لنهاية أحد أركان الأزمة الممثلة بالنظام، ولكن عبر تقنيات أممية وبأدوات ووسائل مختلفة، تشارك فيها أطراف متعددة، من بينها روسيا الحليف القديم للنظام وأهم رعاته الإقليميين في إطار عملية لا زالت الكثير من تفاصيلها الإجرائية غامضة رغم وضوح عنوانها الأساسي.

وقد شكل استخدام السلاح الكيماوي ذروة الحدث الذي استثمرته السياسة الأميركية إلى أقصى درجة من أجل إيجاد تكييف جديد للأزمة، حيث بنت قضيتها على أساس التهديد الذي يمثله هذا السلوك على الأمن والسلم الدوليين، ومسؤولية الدول الكبرى في هذا الصدد، وهو الأمر الذي وضع رعاة النظام «روسيا والصين» في خانة موقف محرج أمام الرأي العام العالمي وشكل تهديدا لمصداقيتهما، وهو الأمر الذي لا تستطيع الدولتان تحمله نظرا لضعف رهانهما على نظام بشار الأسد الذي بدا أنه يستحيل إمكانية تحقيق أي استفادة معتبرة منه.

التحليل المنطقي يستدعي ذكر حقيقة أن انكفاء حلفاء النظام ورفضهم الانخراط معه في الأزمة إلى آخرها، ساعد كثيرا في تظهير مثل هذا الحدث، والمعلوم أن الانسحاب الروسي من الأزمة تجلى مؤخرا في رفض موسكو تسليم النظام شحنات الأسلحة الجديدة، وقد كانت هذه بمثابة رسالة إلى الطرف الأميركي حددت روسيا من خلالها المساحة التي تفصلها عن نظام الأسد، ذلك أن موسكو توازن الأمر من وجهة نظر إستراتيجية أمنية تنظر لمصالحها في هذا الإطار بعيداً عن أي اعتبارات إيديولوجية، وهي مستعدة تاليا لتعاطي جديد مع الأزمة يضمن تحقيق مصالحها الإستراتـيجية ويــراعي هواجســها الأمنــية.

غير أن هذا التكييف الروسي الجديد للأزمة، والتموضع الذي اتخذته، لم يكن ليحصل لولا هذا التحريك العسكري الأميركي، والذي بدا أنه بمثابة محاولة لإعادة ضبط التوازن الدولي في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن تبين أنه يتحرك لغير صالح الولايات المتحدة الأميركية.

وبعد أن تبين أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية تسعى جاهدة لبناء ترتيبات مستقبل الصراع الدولي انطلاقا من بعض المعطيات المتوفرة على خريطة الشرق الأوسط. ولا شك أن التهديد للأمن القومي الأميركي الذي تقصّدَ الرئيس أوباما إظهاره في الأزمة السورية للرأي العام الأميركي هو بالضبط تلك الجزئية الخاصة بوضع ومصالح الولايات المتحدة الأميركية في الخارج.

لاشك أن الحدث في عمومه ينطوي على تفصيلات إجرائية كثيرة، فبعد أن تمت الموافقة على وضع نظام الأسد على سكة التشريح، فالمتوقع أن أشياء كثيرة سوف تحصل في إطار هذه العملية، إذ من السذاجة بمكان تصور العملية مجرد محطة كغيرها من المحطات السابقة التي اعتاد النظام تمريرها في محاولته استهلاك الأزمة، إذ تدرك أميركا وحلفاؤها هذه الحقيقة وهم ليسوا بصدد تقديم طوق نجاة للنظام من أجل الخروج من أزمته الخانقة، بل أن العملية أكثر تعقيداً لتضمنها حزمة من الإجراءات والقرارات والآليات اللازمة لإنجاز مهمة تسليم السلاح الكيماوي.

بناء على ما سبق، فإن أهم عنصر جرى نزعه من سياق هذه اللعبة هو عامل التسويف والتفسيرات المتعددة التي طالما لجأ إليها النظام السوري، بمساعدة من حليفه الروسي، ذلك أن العملية يصار إلى ضبطها وفق قرار ملزم صادر عن مجلس الأمن، وباتفاق كامل على تفاصيله، والأهم الاتفاق على تفسير واحد لمقتضياته، وهو ما يبطل أهم سلاح كان نظام الأسد يجيده بمهارة، وهو في الأصل ما كان قد راهن عليه في سياق محاولته إبعاد الضربة العسكرية عنه، وكان قد وصل إلى مرحلة الاستسلام الكامل لقدر الضربة بعد أن شاهد بعينه استعراض الأساطيل الأميركية في البحر المتوسط، وبعد اكتشافه انكفاء حلفاء الأمس الذين خيبوا آماله بإعلانهم إما الاكتفاء بالتضامن الإنساني مع أزمته كما فعلت موسكو، أو تشجيعه على الانتحار وحيداً باعتباره قدراً لا راد له على أمل أن حصول مفاجأة ما كما فعلت طهران، أو التواري وتخبئة الرأس والانشغال بإجراءات الحماية الذاتية على أبواب مخيم عين الحلوة كما فعل حزب الله.

بقي النظام السوري إذن وحيدا أمام مصيره، وهو الأمر الطبيعي بعد ثورة دامت أكثر من ثلاثين شهراً، وبعد أن استنفذ في مواجهتها كامل طاقاته العسكرية والسياسية والإعلامية، واستخدم كل أنواع الأسلحة مدمراً في طريقه أكثر من ثلث عمرانها، والمفارقة أن هذا النظام الذي أجهض متعمدا كل ممكنات التسوية مع شعبه، يقدم اليوم على موسم من التنازلات الدراماتيكية التي لن تنتهي بإعادة تأهيله كما يحاول بعض مؤيديه ترويجه، بل ستكون خاتمتها وضع سوريا كلها لسنوات قادمة تحت وصاية القوى الخارجية التي ستعمل على هندسة وترتيب مسرحها العسكري في المنطقة وتحدد طبيعة الأسلحة التي تحتاجها، وستعمل على تلزيم أي نظام قادم بالعمل وفق خارطة الطريق هذه، وكأن الطغاة يأبون الرحيل قبل أن يرحلوا بلادهم إلى المجهول.

شئنا أم أبينا، تنتهي سوريا إلى وصاية دولية، بدايتها ستكون قرار تسليم السلاح الكيماوي، وهو ينطوي على مرحلة عنوانها فتح بطن سوريا والعبث بها، ولن يقف الأمر عند حد تسليم تلك الأسلحة، فتلك مرحلة في طريق طويل، إذ من المقدر أن يتبعها بعد ذلك مسألة ترتيب الوضع السياسي وتحديد مكان الفرقاء وحصصهم، وآليات الحكم وتشريعاته، فهذه الأمور لا يمكن فصلها في النهاية عن واقع الأزمة والانقسام الحاصل في سوريا بعد أن أثرت الأزمة بشكل كبير في النسيج الاجتماعي السوري وصنعت جبالاً من عدم الثقة بين الفرقاء المختلفين.

قد تكون هذه المقاربة الجديدة هي المخرج الأفضل للأزمة السورية بنظر الأطراف المختلفة الداخلية والخارجية، إذ أنها توفر إدارة إقليمية ودولية للحالة السورية ترضى عنها مختلف الأطراف الداخلية، كما أنها تراعي رغبات بعض القوى الدولية الباحثة عن أدوار في المنطقة.

لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن سوريا تخرج نهائياً من مسرح التأثير.


كاتب وباحث سوري

8