سوريا تحت نظامين..!

السبت 2013/10/05

لا يزال النظام مطبقاً على بضعة مدن وبلدات والعاصمة، بمختلف أشكال السيطرة، وأضاف في الشهرين المنصرمين، تدخلاً فظاً وبشعاً، بأن نشر قوات الحرس الوطني فيها، فلا يخلو حيّ من بضعة مسلحين، وهكذا في كامل المناطق المسيطر عليها. يضاف إلى ذلك وضع معيشي كارثي حيث الغلاء الفاحش.

وجود المسلحين» الشبيحة» في تلك الأحياء، يمنع أي شكل للتعبير ولو ما تحت- تحت سقف الوطن! فالخوف سيد في الصدور، والناس تصمت وتصمت، خوفاً من نظام قاتل وخوفاً من معارضة لم تتوان عن ارتكاب الحماقات في فهمها لتعقيدات الواقع السوري وتجاهل مشكلات الثورة، وتكرار الطلب الغبي من الخارج- والخارج فقط- بالتدخل العسكري وبغيره، وفي ذلك بررت كل أشكال التداخل بما فيها المجموعات الجهادية، ولم تكذّب «داعش» خوف الناس، بل ضاعفته من خلال شعارها الشهير الخلافة الإسلامية مؤخراً، وفق طباق مع شعار السلطة الخلافة الإسلامية أو نحرق البلد، ليتم بذلك نسف كل إمكانيات العيش المشترك وفق الوعي العام البسيط والأولي، والذي هو وعي ديني…

هذه القوى، بالإضافة إلى قوى محسوبة على الجيش الحر، وقوى نهب وسلب، ولكنها تحسب على الجيش الحر، شكّلت صدمة إضافية للناس وذكّرتها بأفعال النظام، من قتل وسرقة وسجون، وغير ذلك كثير. المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، أقصيَ فيها الفعل الشعبي تدريجياً، وسيطر العمل العسكري سيطرة شبه كاملة، وأصبح كل فعل شعبي أو مدني يتم تحت القيادة العسكرية الثورية، وهذا تمّ بدفع من النظام الذي لم يتوقف لحظة عن التدمير والقتل الجماعي والعشوائي، وهو ما قضى على حيوية الثورة وتعدد أشكالها، لتتكرّس هيمنة المكون العسكري، فأصبح صوت السلاح هو الأقوى، وهو ما يشوبه الكثير من الأزمات والمشكلات، وأبشعها على الإطلاق القتل العبثي والمجاني، لجنود تابعين للنظام، لمواطنين محسوبين عليه.

تعدّدت مصادر الموت في مناطق الثورة حيث قُتل أبناؤها بالسلاح والحصار والجوع من قبل النظام.. وقبل ذلك، اعتقلوا وعذبوا وانتهكت كراماتهم، ولا تزال تلك الممارسات جارية. ويقتلون ثانية من الكتائب العسكرية لأتفه الأسباب، من قذيفة أو قناصة، أو خلاف بين الكتائب، أو بسبب رفض لسلطتها كما تم في الرقة أو سواها، أو بسبب تكرار رفض الناس لهم أو سواه.

الأنكى في الأشهر الأخيرة، محاولة «داعش» بشكل خاص و»النصرة» و»الكتائب» إقصاء كل فعل شعبي عن ساحة الفعل الثوري، وتصنيف الناس- السنة- طائفياً، أما بقية السوريين فإما إلى القتل أو الجلاء! وبالتالي هناك بوادر سلبية جداً لجهة المستقبل؛ هذه كانت دعاية النظام في بداية الثورة، أي حينما تكلم عن جماعات سلفية وإرهابية وإمارات وغير ذلك. المشكلة أن كل سياسات المعارضة وكل سياسات الدول الإمبريالية توافقت مع سياسات النظام، ودفعت بالأوضاع نحو الواقع المأساوي، أي إقصاء الشعب عن الثورة، وتظهير المكون العسكري. الواقع الجديد هذا، أي منذ بداية 2013 تقريباً، كان كارثياً لجهة عدد القتلى السوريين، وهناك عبثية شبه مطلقة في تلك الأعداد، وهناك من يشير إلى أن مستوى القتل في سوريا وطريقة حدوثه والتفنن بأشكاله، فاق كافة الدول التي شهدت ما يماثل ما يحدث في سوريا.

النظام لم يتراجع قيد أنملة عن فرض سلطته، ولم يسمح لأي شكل من أشكال السيطرة المدنية بالتشكّل، عدا عن فشل المجلس الوطني والائتلاف الوطني، في إيجاد أي حلول حقيقية لمشكلات الناس، ففشلت تجربة الوزارة الأولى، ويبدو أن الثانية بطريقها للفشل، وفشلت تجربة المجالس المحلية المصنّعة كذلك، وترك الناس بانعدام قدرة شامل في تأمين حاجياتهم. وتستمر كذلك المحاولات الحثيثة لإخضاع كتائب الجيش الحر، لمصادر التمويل واللعب فيها بشكل يمنع تشكّل جيش متقدم فعلاً ووطني، وتفتح مصادر التمويل بالمقابل وبشكل لا محدود للكتائب الجهادية من أشباه «النصرة» و»داعش»، والتي قويت بشكل كبير جداً، ليتشكل وضع كارثي في المناطق المحررة، وباعتبار «داعش» و»النصرة» خارج سياق الثورة، وتعمل بسياق وهم الخلافة الإسلامية، ومحاولة تحققها، وإجبار الناس على إسلام لا يمت لإسلام الناس بصلة، ويتركز فعلهم بعيداً عن روح الثورة كثورة شعبية وطنية، فإن مشكلات جديدة تحدث بين تلك التشكيلات وبين الناس، وهو ما بدأ في الرقة وحلب وإدلب، وبدأت القضية تتعمق في كافة مناطق سوريا، وبالتالي دخلت أشكال جديدة من الصراع على خط الثورة، سيكون مصيرها، وفي حال استمراريتها، تفكك واقع الثورة.

قصدت أن حجم المعاناة أصبح كبيراً، وتعددت أشكالها في كامل مناطق سوريا، سواء أكانت المناطق ثائرة أم خاضعة للنظام، ورغم فارق المعاناة وعدد القتلى، وأسباب القتل، وحدّة الصراع، فإنّ واقعاً سورياً دموياً أصبح حقيقة كارثية؛ فلدى الثورة ما يفوق المائة ألف قتيل، ولدى الشعب تحت النظام ما يفوق الخمسين ألف قتيل، وهناك قتل عبثي وطائفي لا يخدم الثورة بشيء، وهناك مئات آلاف المعتقلين لدى النظام، وآلاف المعتقلين لدى المكون العسكري للثورة بالإضافة لمعتقلي «داعش» و»النصرة». وبالتالي فإن شكّل إقصاء الشعب غير الثائر منذ بداية الثورة سياسة لدى النظام، ولأسباب شتى، فإن إقصاء الشعب لدى المكون العسكري نما وتوسع تدريجياً، وأصبح خاضعاً له، وبالتالي هناك ضرورة لرؤية ومنظار مختلف تماماً للثورة، وللسوريين، بعيداً عن النظام وبعيداً عن سيطرة المكون العسكري.

طرحنا لوجود نظامين مسيطرين على الشعب، لا يلغي فكرتنا المركزية، أن السبب الرئيسي كان ولا يزال وحتى هذه اللحظة، النظام الحاكم بالتحديد، وأن كل ما حدث، حدث بسببه بالتحديد أيضاً، ولكن وجود ما يشبه النظام في أماكن الثورة أصبح حقيقة، وصار لا بد من رفض شعبي واسع لهذا الحكم أيضاً، رفض ينبني على فكرة أن السوريين في أماكن الثورة وفي أماكن النظام يخضعون لسلطة مستبدة، وبالتالي هناك ضرورة لتجديد الثورة في سياق سيرورتها كثورة شعبية وطنية وضد نظام شمولي ناهب.

ربما لن يتشكل وعي وطني جامع وثوري بشكل فعلي، إلا حينما يسقط النظام، ولكن وفي حال تأجل ذلك، فإن هذه المهمة تشكل ضرورة سياسية، أي هناك ضرورة لخلق مختلف أشكال التواصل بين مختلف مناطق سوريا.

فالدماء أصبحت كارثية، والسلطة المتغولة للنظام»المافيا» صارت كارثية، والسلطة الجديدة للكتائب العسكرية ولاسيما الإسلامية أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على الناس وعلى الثورة، وبالتالي صار لا بد من إعادة النظر ودق ناقوس الخطر بشكل فعلي وبالتأكيد ضد بقاء النظام بأي حال من الأحوال، وفي هذا لا يكفي الصراخ ضد «داعش» و»النصرة».


كاتب سوري

8